- يتطلب إحداث تغيير مستدام القدرة على بناء الحلول وتوسيع نطاقها، إلى جانب القدرة على التواصل مع الناس، وامتلاك حس واضح بالغاية والخيال.
- تبحث دراسة جديدة في العقليات التي تساعد النماذج المختلفة لصنّاع التغيير على إحداث تغيير إيجابي.
- يوضح التحليل كيف يمكن لنهجين مختلفين في صناعة التغيير، وهما رائد الأعمال الاجتماعي والرائد الإبداعي، أن يكمل أحدهما الآخر.
قال كومي نايدو، الرئيس السابق لمنظمتي غرينبيس والعفو الدولية، خلال تجمع الرواد المبدعين في ميلانو بإيطاليا العام الماضي: «لا يمكننا إحداث تحول جذري في النماذج السائدة إلا عندما ننجح في الوصول إلى قلوب الناس».
تسلط هذه الملاحظة الضوء على تحدٍ أساسي يواجه صنّاع التغيير: فإحداث تغيير مستدام لا يتطلب فقط القدرة على بناء الأنظمة وتوسيع نطاق الحلول، بل يحتاج أيضاً إلى القدرة على التواصل مع الناس، وإلى الشعور بالغاية والقدرة على التخيل.
ويحدث التغيير بشكل متزايد ضمن سياق أنظمة اجتماعية واقتصادية وثقافية معقدة. وتبحث دراسة بعنوان «الجمع بين ريادة الأعمال والإبداع: دور العقلية الهجينة في صناعة التغيير» في الكيفية التي يمكن بها للمقاربات المختلفة لصناعة التغيير أن تكمل بعضها بعضاً، بدلاً من النظر إليها بوصفها نماذج متنافسة.
وتستند الدراسة إلى 15 مقابلة نوعية مع صنّاع تغيير من مختلف أنحاء العالم، وتحدد نموذجين رئيسيين: رائد الأعمال الاجتماعي والرائد الإبداعي.
وبدعم من مؤسسة الابتكار التابعة لمجموعة أديكو ومؤسسة مولسكين، تبحث الدراسة في العقليات التي تساعد هذين النموذجين من صنّاع التغيير على تحقيق تأثير إيجابي. وتشير النتائج إلى أنه، رغم امتلاك كل نهج لنقاط قوة خاصة به، فإن التركيز الحصري على المنطق قد يؤدي إلى ترك إمكانات كبيرة غير مستغلة.
نماذج صنّاع التغيير و«الموجو» بوصفه محركاً داخلياً
النموذج الأول الذي حددته الدراسة هو رائد الأعمال الاجتماعي، الذي يؤمن بأهمية التوسع والهيكلة وقياس الأثر، ويحوّل رسالته إلى آليات هيكلية قادرة على تحقيق هذا الأثر. ويبني هؤلاء منظومات اجتماعية واقتصادية متطورة تشمل الشراكات والمقاييس وجمع التمويل، ويسعون إلى توسيع ابتكاراتهم بطريقة مستدامة من خلال تطوير تدخلات منهجية قابلة للقياس.
أما الرواد الإبداعيون فيلهمون المعنى والتفاعل والأمل، ونادراً ما يبدأون عملهم بجداول البيانات والخطط الاستراتيجية. فهم مدفوعون بتوق شديد إلى العدالة، ويتخيلون مستقبلاً أفضل انطلاقاً من الشغف. ويتحول عملهم إلى احتفاء ثقافي مليء بالثقة والرموز الإبداعية، يساعد الناس على إيجاد الاتجاه ويعزز لديهم الشعور بالانتماء.
وتشير المقابلات إلى أن التأثير طويل الأمد يعتمد بدرجة أقل على اختيار منطق واحد، وبدرجة أكبر على القدرة على التنقل بين المنهجين. وترتكز هذه العقليات على ما نطلق عليه اسم «الموجو».
ووصف المشاركون في المقابلات الحاجة إلى طاقة داخلية مستدامة تساعد على دفع الرؤية إلى الأمام وإلهام الآخرين، وهي ما يُسمى «الموجو». ورغم وجود العديد من المفاهيم المرتبطة به في أدبيات علم النفس والإدارة، فإن الموجو يتضمن أبعاداً جديدة، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمفاهيم التالية:
- الكفاءة الذاتية: الإيمان بقدرة الشخص على إحداث التغيير.
- الدافع الداخلي: قوة التحفيز المتجذرة بعمق في الشعور بالغاية.
- التدفق: الحالة الإنتاجية الناتجة عن الانغماس الكامل في ممارسة ذات معنى.
- المرونة: القدرة على التعافي والتكيف استجابة للضغط أو الاضطرابات.
وعلى خلاف الكفاءة الذاتية، يحوّل الموجو المعتقدات إلى طاقة محسوسة ومُعاشة. وعلى خلاف الدافع الداخلي، فإنه يدمج الاستقلالية والكفاءة والمعنى في حالة حية من الانخراط المفعم بالطاقة.
كما أن الموجو، على عكس حالة التدفق، ليس مؤقتاً أو مرتبطاً بلحظات محددة، وعلى عكس المرونة، فهو ليس مجرد استجابة لما يحدث. بل يعمل بوصفه قدرة تكاملية عليا تجمع بين التفكير والعاطفة والفعل وتنسق بينها.
ثلاثة أبعاد ذهنية لصنّاع القرار
كشفت المقابلات عن ثلاثة أبعاد ديناميكية للعقلية، تمثل مساحات لاتخاذ القرارات والتفكير وفقاً للسياق.
1. البعد الأول: الجذور والامتداد
يركز الرواد الإبداعيون على الروابط العميقة مع المجتمعات المحلية، وبناء الثقة وتحقيق أثر محلي. وبالنسبة إليهم، فإن النمو خيار وليس ضرورة، وينبغي أن يحدث فقط عندما يدعمه الناس والمنظومات المحيطة بشكل طبيعي.
وفي المقابل، يعطي العديد من رواد الأعمال الاجتماعيين الأولوية للحلول القابلة للتوسع، والتي توسّع نطاق التأثير من خلال التجريب والتوحيد وإعادة تطبيق النماذج في أماكن مختلفة. ولكلا النهجين قيمة، ويستفيد القادة من القدرة على التنقل الواعي بينهما.
بعد أكثر من 25 عاماً من العمل في مجال التنمية العالمية، أسست مارتا فوريستي «لاغو»، وهي مجموعة بحثية وإبداعية تعمل في مجالات الهجرة والثقافة والفنون. وهي تفضل العمق المحلي على التوسع، وتقول: «إذا حولته إلى مهرجان يستمر عدة أيام، فسيصبح الأمر أكبر مما ينبغي. لا أشعر بأن ذلك مناسب. لا أريد أن أكون مسؤولة عن أكثر من خمسة أشخاص».
وفي الطرف الآخر من الطيف، ترى راشيل شاهار، مؤسسة «إنو هب» والمؤسسة المشاركة لـ«ميك هير فيوتشر»، الابتكار وسيلة لتعزيز الأثر الاجتماعي من خلال التوسع، وتقول: «أفكر في التوسع عندما أفكر في تحقيق أثر أكبر والوصول إلى عدد أكبر من الناس».
2. البعد الثاني: القدرة الفردية والعلاقات
يستكشف هذا البعد المعتقدات المختلفة المتعلقة بالقيادة. فبعض القادة يؤكدون أهمية القدرة الفردية والمسؤولية والمساءلة، بينما يركز آخرون على تمكين القيادة الجماعية وبناء رؤية مشتركة من خلال التعاون. وكلا النهجين ضروري، ويعرف القادة الفعالون كيفية الانتقال بينهما وفقاً للحاجة.
بعد أكثر من 20 عاماً في مجال الأعمال الدولية، ترك أندريا مونتي مسيرته المهنية في شركة هيوليت باكارد ليؤسس «EHL Next»، بحثاً عن توافق أكبر بين قيمه الشخصية وعمله. ويقول متأملاً هذه المرحلة الانتقالية: «تمكنت أخيراً من إعادة تحقيق الانسجام مع ذاتي».
أما من منظور العلاقات، فتؤمن كيكيلومو أولوديمي، منسقة الموسيقى والمقدمة والقيمة الفنية والمضيفة في «Boiler Room» والمؤسسة المشاركة لـ«Oroko Radio»، بأن التغيير الحقيقي يُصنع بصورة جماعية، وتقول: «لا يكون المشروع ناجحاً إلا إذا كان جميع المشاركين فيه ملتزمين بالرؤية».
3. البعد الثالث: الرعاية والانطلاق نحو المجهول
يعكس هذا البعد التوازن بين الرعاية، أي حماية غاية المشروع وأفراده وسياقه، وبين الانطلاق نحو المجهول الذي يتبنى التجريب وإحداث الاضطراب والتعامل مع عدم اليقين. ويعرف صنّاع التغيير الفعالون متى ينبغي الحفاظ على ما هو قائم، ومتى يتعين عليهم تحديه سعياً وراء تحقيق أثر أكبر.
وتدافع أدريا غودسون، المديرة في مؤسسة فورد، عن مفهوم الرعاية من خلال توفير المساحة للآخرين كي يساهموا ويزدهروا، وتقول: «المساهمة الأساسية هي احتواء ما يجلبه الجميع إلى الغرفة. وليس احتواءه والاحتفاظ به، بل أن تكون شخصاً يستطيع المساعدة على دعم تدفقه».
أما أنيس برنات، مؤسس «إل سيستيما اليونان»، فيمثل جانب الانطلاق نحو المجهول من خلال تبنيه التجريب والتعلم عبر العمل، ويقول: «لا يكون لديك في الواقع الوقت الكافي لفهم ما تفعله وكيف تفعله».
كيمياء العقليات
تتيح هذه الأبعاد الذهنية لرواد الأعمال الاجتماعيين والرواد الإبداعيين التعامل بوعي مع التناقضات، وتحويل التوترات إلى ما يمكن تسميته «كيمياء العقليات» في صناعة التغيير.
فقد يواجه رواد الأعمال الاجتماعيون أحياناً خطر الابتعاد عن مصدر إلهامهم الإبداعي، في حين قد يجد الرواد الإبداعيون صعوبة في التكيف مع الهياكل والأنظمة المؤسسية.
ويمنح «الموجو» كلا النوعين من صنّاع التغيير القدرة على التنقل بين هذين القطبين دون فقدان الاتساق أو الوصول إلى مرحلة الاحتراق النفسي والمهني.
ومن أجل بناء فهم مشترك يجمع بين المقاييس والمعنى، نعتقد أن تطوير لغة جديدة لصناعة التغيير قد يساعد على ترسيخ مفاهيم مثل:
- الأثر المتناغم: السعي إلى تحقيق العمق والامتداد معاً.
- الفاعلية المشتركة: تمكين الآخرين وتقاسم المسؤولية، إلى جانب ممارسة القيادة الفردية.
- الانضباط الإبداعي: إدارة المخاطر واستكشاف مسارات جديدة خارج منطقة الراحة.
وعلى المستوى العملي، يشير ذلك إلى تبني نهج هجين تجاه التغيير، يجمع بين وضوح الاتجاه والمساءلة من جهة، والطاقة الداخلية التي تسمح للاستراتيجيات بالتطور مع تغير الواقع من جهة أخرى.
احتضان العقليتين معاً لصناعة التغيير
عندما يتبنى رواد الأعمال الاجتماعيون والرواد الإبداعيون والممولون والمربون وصنّاع السياسات الطبيعة الهجينة التي تجمع بين ريادة الأعمال والإبداع، يمكننا بناء صنّاع تغيير أكثر توازناً وقدرة على تحقيق أثر أكبر.
فعلى سبيل المثال، يوضح التباين بين تركيز مارتا فوريستي على العمق المحلي وتركيز راشيل شاهار على التوسع كيف يمكن لمقاربات مختلفة أن تسعى إلى تحقيق الهدف الأساسي نفسه، وهو زيادة الأثر المجتمعي، ولكن بطرق شديدة الاختلاف.
وبالمثل، تُظهر الأمثلة المتعلقة بالقدرة الفردية والعلاقات، وكذلك بالرعاية والانطلاق نحو المجهول، أن العمل الفعال من أجل التغيير يتطلب غالباً معرفة الوقت المناسب للقيادة المباشرة، والوقت المناسب لإفساح المجال للآخرين، ومتى ينبغي الحفاظ على ما هو مهم، ومتى ينبغي التجريب.
ولتحقيق ذلك، لا يحتاج صنّاع التغيير إلى فقدان تركيزهم، بل إلى تنقيح وعيهم وتعميقه. ومن خلال احتضان الجانبين والتنقل بسلاسة بين العقليات المختلفة، يستطيع كل نموذج أن يشق طريقه الخاص، ليس باعتباره مساحة للتسوية أو التنازل، بل باعتباره تجسيداً حقيقياً لـ«كيمياء العقليات».
