القائمة الرئيسية

صنع الإنسان: تاريخ الحياة الاصطناعية

صنع الإنسان: تاريخ الحياة الاصطناعية
ملخص المقال

يكشف تاريخ علم الأحياء الاصطناعي أن مخاوف البشر من «صنع الحياة» ليست قديمة كما تبدو، بل تشكلت تدريجيًا من مزيج من الريبة تجاه التقنية، والمخاوف الدينية من تجاوز حدود الخلق، ثم ترسخت في العصر الحديث عبر أسطورة فاوست ورواية «فرانكنشتاين». فقد انتقل فهم الحياة عبر مراحل متعاقبة: من الاعتقاد بالتولد التلقائي والقوة الحيوية، إلى تفسيرها بالكيمياء والبنية الخلوية، ثم اكتشاف الحمض النووي الذي كشف أن المعلومات الوراثية تحمل تعليمات بناء الكائن الحي. ومع تطور الهندسة الوراثية وعلم الأحياء الاصطناعي، أصبح العلماء يتعاملون مع الجينات والإنزيمات باعتبارها مكونات قابلة لإعادة التصميم، كما لو كانت دوائر إلكترونية أو شفرات برمجية، بهدف إنتاج أدوية ووقود ومواد جديدة. وهكذا انتقل تصور الحياة من قوة غامضة وروح غير قابلة للفهم إلى نظام كيميائي ومعلوماتي يمكن دراسته وتعديله وإعادة تصميمه، بينما تستمر المخاوف الأخلاقية والثقافية من تدخل الإنسان في الطبيعة باعتبارها امتدادًا لتاريخ طويل من الشك في قدرته على إعادة تشكيل الحياة.

لم يكن صنع الحياة اصطناعياً أمراً بالغ الأهمية أو العصيان عند الأقدمين كما هو الحال بالنسبة لنا اليوم، إذ كان مفترضاً أن يتمكن أي شخص من فعل ذلك بالوصفة الصحيحة تماماً مثل خبز الخبز. وقد وصف الشاعر الروماني فيرجيل طريقة غريبة لصنع النحل الاصطناعي، وهي ممارسة تُعرف باسم بوجونيا، والتي تضمنت ضرب عجل مسكين حتى الموت، وإغلاق أنفه وفمه، ثم ترك جثته على فراش من أعشاب الزعتر وأعواد القرفة، ليكتب لاحقاً تعبيراً عن ذلك: تظهر مخلوقات مصممة بشكل عجيب، أولاً خالية من الأطراف، ولكنها قريباً تطن بالأجنحة.

وكان هذا بالطبع مجرد انعكاس للاعتقاد السائد بالتوليد التلقائي؛ وهي الفكرة القائلة بأن الكائنات الحية قد تنشأ من العدم ضمن مصفوفة خصبة من المادة المتحللة. وقبل ذلك بنحو ثلاثمائة عام، أوضح أرسطو في كتابه في توليد الحيوانات كيف أفرزت هذه العملية آفات مختلفة مثل الحشرات والفئران. ولم يكد أحد يشك في إمكانية حدوث ذلك، كما لم يخشَه أحد البتة باستثناء بعض الإزعاج العملي، ولم يكن المرء ليلعب دور الإله أو يتجاوز حدوده بصنع حياة جديدة بهذه الطريقة البدائية.

إن الغضب الذي رافق أحياناً علم الأحياء الاصطناعي الحديث، وهو محاولة إعادة هندسة الكائنات الحية وكأنها آلات قابلة للتعديل أو حتى بنائها من الصفر باستخدام مكوناتها الأساسية، ينبع في الحقيقة من بناء فكري حديث تماماً يُعرف باحترام الحياة. وفي الماضي، كانت المخاوف المرتبطة بهذه الأشكال من الغطرسة التكنولوجية مقصورة في الغالب على المقترحات الرامية إلى صنع بشر بوسائل اصطناعية، أو ما كان الإغريق يطلقون عليه مصطلح التقنية أو الفن البشري.

وإذا كانت فكرة تصنيع البشر تحمل في طياتها نفحة من المحرمات في العصور القديمة، فإن السبب يعود إلى الريبة العامة تجاه مفهوم التقنية بحد ذاته وليس استياءً من فكرة تصنيع الناس. وكان هناك شعور راسخ بأن الآلات، أو ما اسماه الإغريق بالوسائل المخادعة، هي أدوات دبرت لتجعل الأشياء تعمل على عكس طبيعتها الأصلية. ففي فيزياء أرسطو، كانت الأشياء الثقيلة بطبيعتها تميل نحو الأسفل بينما تستطيع الآلات أن تجبرها على فعل العكس تماماً. وكان أفلاطون، معلم أرسطو، ينظر بعين الريبة إلى كل الفنون والمهارات باعتبارها تقليداً مخادعاً للطبيعة.

ونظراً لأن هذه التحيزات القديمة المتجذرة ضد التقنية ظلت حية ومستمرة حتى القرن السابع عشر، وجد الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون نفسه مضطراً لتقديم دفاع مستميت وقوي عن الأمور الاصطناعية. ولم تكن جهوده ناجحة تماماً، إذ لا يزال ذات الشك الموجه نحو كل ما هو اصطناعي ومصطنع قائماً في عصرنا الحالي. وما جزء من العداء الذي يواجهه علم الأحياء الاصطناعي اليوم إلا امتداد لهذا التحيز التاريخي الطويل، بينما يستمد مصدر عميق آخر لهذا انعدام الثقة جذوره من لاهوت المسيحية في العصور الوسطى المتأخرة، حيث كان التدخل المغرور في الحياة البشرية يهدد باستدعاء غضب الإله. وفي النسخة العلمانية الحديثة، توسع مفهوم قدسية الحياة البشرية ليطال الطبيعة برمتها، وأصبحنا نرى في أي تدخل بشري في الكائنات الحية جنحاً يعرضنا لإدانة الطبيعة نفسها، وهو ذات التعدي الذي يكمن خلف الاعتراض الشائع بأن علم الأحياء الاصطناعي أمر غير طبيعي.

الصفقة الفاوستية

حين كان رجال الدين يعبسون إزاء ادعاءات الكيميائيين قدرتهم على صنع كائن اصطناعي يُعرف بالعضوي الصغير، لم يكن منطقهم بالضرورة هو ما نتخيله اليوم. فلم تكن التهمة موجهة نحو محاولة منافسة الإله في الخلق قدر ما كانت تتعلق بمحاولة إجبار يد الإله على الاستجابة. فعلى الرغم من نجاحهم في تحريك المادة بهذه الطرق الغامضة، إلا أن الإله وحده هو القادر على منح الروح. وتساءل العلماء والدين حينها عما إذا كان الإله مضطراً للتدخل لنفخ الروح في هذا المخلوق، وما إذا كان هذا الكائن المولود خارج سلسلة آدم البريئة سيتحرر من الخطيئة الأصلية وبالتالي يستغني عن خلاص المسيح.

ولم تكن هذه الأسئلة لتؤرق رجال الدين وحدهم، بل ربما أرقت العضوي الصغير نفسه؛ فالكائن الذي صنعه مساعد فاوست المدعو فاغنر في إعادة سرد غوته للقصة الشهيرة يتوق باستهانة ليكون بشراً بالكامل كي ينجو أخيرًا من وعائه الزجاجي، مردداً رغبته العارمة في أن يولد ولادة حقيقية.

إن أسطورة فاوست، التي تعود بجذورها إلى الساحر التوراتي سيمون ماجوس الذي واجه القديس بطرس بسحره، تمثل الحجر الأساس لكل المخاوف المرتبطة بتجاوز العلماء للحدود وإطلاق العنان لقوى مدمرة لا تحمد عقباها. وفاوست هو بطبيعة الحال النموذج الأولي لأشهر قصة تحذيرية حول عبث العلم بخلق الحياة، وهي رواية ماري شيلي فرانكنشتاين. فالرواية التي نُشرت لأول مرة دون ذكر اسم مؤلفها في عام 1818 مصحوبة بمقدمة من بيرسي شيلي، زوج الكاتب الذي حام حوله الشك ككاتب خفي لها، أعادت صياغة أسطورة فاوست لتناسب فجر عصر العلم الحديث، مستلهمة كيمياء همفري ديفي، وعلم وظائف الأعضاء الكهربائي للويجي غالفاني، وعلم الأحياء الخاص بإراسموس داروين جَد تشارلز داروين. وقد كتب بيرسي شيلي مؤكداً أن تكهنات إراسموس داروين تدعم فكرة أن إعادة إحياء فيكتور فرانكنشتاين للمادة الميتة ليست أمراً مستحيل الحدوث. وبدا صنع الحياة وكأنه معلق في الهواء خلال تلك الحقبة، لتغدو رواية فرانكنشتاين حتمية تاريخية لا مفر منها.

واليوم، يُستدعى الدكتور الذي ابتكرته ماري شيلي ومخلوقه المرعب كاستجابة تلقائية ومباشرة لكل تدخل علمي جديد في شؤون الحياة. فقد تصدرت هذه الثنائية التغطيات الإعلامية للتخصيب في المختبر، والاستنساخ، والتعديل الوراثي للمحاصيل الزراعية، وصولاً إلى صناعة أشكال الحياة الاصطناعية الحديثة. والرسالة الكامنة خلف هذا الاستدعاء واضحة لا غبار عليها، وهي أن التكنولوجيا التي تُوسم بهذه الصفات هي شيء غير طبيعي وخطير وتستوجب منا الرفض القاطع.

الوحل البدائي

لم يكن التاريخ المبكر لعلم الأحياء الاصطناعي محكوماً بالكامل بالهاجس الفاوستي. فقد ساهم الميل الظاهري للحياة للانبثاق من المواد الميتة في إذكاء فكرة وجود مبدأ حيوي متأصل في الكون، ومستعد لبعث الحياة في المواد متى ما توفرت الظروف الملائمة. وبموجب هذا التصور، اعتبرت الخاصية المعروفة بالقوة الحيوية جزءاً لا يتجزأ من المكونات الجزيئية الأساسية للمادة، لتظهر الحياة تدريجياً مع تراكم ما يكفي منها. وفي قصته الفلسفية حلم دالامبير لعام 1769، قارن الفيلسوف الفرنسي دينيس ديديرو الحركة المنسقة لتجمعات النقاط الحية الشبيهة بالجزيئات بسرب النحل الذي آمن فيرجيل بإمكانية استحضاره من جوف بقرة ميتة.

وكما عبّر عن ذلك معاصر ديديرو، عالم الطبيعة الفرنسي جورج لويس ليكلير المعروف بالكونت دي بوفون، تبدو حياة الكائن الحي بأكمله مجرد حصيلة لجميع الأنشطة والحيوات المصغرة والمستقلة التي تمتلكها تلك الجزيئات النشطة ذات الطبيعة البدائية والسرمدية.

وعلى الرغم من سخرية العلماء المعاصرين من النزعة الحيوية باعتبارها خرافة ما قبل علمية، إلا أن مثل هذه الفرضيات المؤقطة تمثل الركيزة الأساسية التي يحتاجها العلم للمضي قدماً في حل أشد المشكلات تعقيداً. فمن خلال افتراض أن الحياة متأصلة وجوهرية في المادة، تمكن العلماء الأوائل من نزع الصفة الغامضة عنها وعزلها عن التدخلات الإلهية، مما جعلها موضوعاً مشروعاً للبحث العلمي الدقيق.

ولم يكن مفاجئاً إذن أن تخليق الكيميائي فريدريش فولر لليوريا من ملح الأمونيوم في عام 1828 لم يمثل أي تهديد حقيقي لتلك النظريات الحيوية، رغم اعتباره خطوة فاصلة في تاريخ العلم. فقد كانت الإمكانات الحيوية للجزيئات مسألة تدرج، ولم يكن مستغرباً أن يتكون مركب مرتبط بالأجسام الحية من مواد بدت جامدة. وفي واقع الأمر، فإن تبلور الفكرة خلال القرن التاسع عشر بأن الكيمياء العضوية متصلة ببقية فروع الكيمياء قد زاد من عمق لغز ماهية الحياة، مع ترسيخ الاعتقاد بأن دراستها تقع في صميم اختصاص العلماء لا رجال الدين.

واعتقد الكيميائيون الأوائل أن سر الحياة يكمن حصراً في التراكيب الكيميائية، وأن إحياء المادة لا يعدو كونها مسألة مزج للمكونات بالنسب الصحيحة. ففي عام 1835، زعم عالم التشريح الفرنسي فيليكس دوجاردان أنه تمكن من تصنيع المادة الحية البدائية عبر سحق حيوانات مجهرية لكتلة هلامية. وبعد أربعة أعوام، أطلق طبيب وظائف الأعضاء التشيكي يان بوركينجي اسماً على هذه المادة الأولية وهو البروتوبلازم، معتقداً أنه نوع فريد من البروتينات المتسلحة بالقدرة على الحركة الذاتية.

وفي ستينيات القرن التاسع عشر، ادعى توماس هنري هكسلي، المدافع الشرس عن أفكار تشارلز داروين، عثوره على تلك المادة البدائية واصفاً إياها بالأساس المادي للحياة والمادة المشتركة الوحيدة بين كافة الكائنات الحية، محددًا إياها بنوع من الوحل البحري. وفي ذات الوقت، أعلن رائد الداروينية الألماني إرنست هاهيكل عن وجود قوة حيوية تسري في كل المادة وصولاً إلى أدق الذرات والجزيئات.

على أن الاهتمام تحول تدريجياً نحو التنظيم الهيكلي الدقيق. ومنذ أن اقترح العالم ثيودور شوان في منتصف القرن التاسع عشر أن كافة الكائنات الحية تتألف من خلايا، بات مفهوم البروتوبلازم عاجزاً وحده عن تفسير البنية المنتظمة للحياة، فالهلام وحده لم يكن كافياً. وقد سدد لويس باستور الضربات القاضية لنظرية التوليد التلقائي عبر تجاربه التي أثبتت بقاء المخاليط المعقمة على حالها إذا حُصنت ضد الميكروبات. بيد أن النزعة الحيوية لم تمت، بل تحورت إلى مفهوم التنظيم العضوي، معبرة عن الميل الغامض للكائنات الحية لاكتساب بنيتها وتنسيق أجزائها الجزيئية بدقة مذهلة.

ولم يغب حلم الوحل البدائي تماماً، ففي عام 1899 تصدرت عناوين الصحف أخبار أبحاث الطبيب الألماني جاك لوب الذي تمكن من تحفيز بويضات قنفذ بحر غير مخصبة للانقسام والتطور عبر تعريضها لأملاح معينة. وفتحت هذه الرؤية الباب أمام تصريحات لوب الجريئة حول رغبته في التعامل مع الحياة في المختبر تماماً كأي تفاعل كيميائي آخر وضبطها والتحكم بها وفق إرادته.

على الدوائر الإلكترونية

لم يتأتى تحقيق حلم لوب في العبث بالحياة إلا بعد فهم أعمق لمكوناتها الأساسية، وهي المهمة التي تصدى لها علم الأحياء الجزيئي في القرن العشرين بالاستناد إلى تقنيات الأشعة السينية. لكن التحول الحقيقي حدث مع اكتشاف مصدر التنظيم المعجزة للحياة، وهو الحمض النووي دي إن إيه. فعندما استنبط جيمس واتسون وفرانسيس كريك شكل المزيج الحلزوني المزدوج بمساعدة بيانات زملائهم، انكشف السر وراء كيفية ترميز المعلومات الوراثية وتناسخها بدقة مذهلة.

وإذا كانت هذه الشفرات تمثل تعليمات الحياة حقاً، فإن الكيمياء أصبحت أداة لتعديلها، وهو ما أفرز الهندسة الوراثية في سبعينيات القرن الماضي. واليوم، يتجاوز علم الأحياء الاصطناعي مجرد التعديلات البسيطة ليطال المسارات الأيضية المعقدة، مثل محاولات تصنيع عقار أرتيميسنين المضاد للملاريا داخل خلايا الخميرة، أو تصميم ميكروبات مصغرة قادرة على إنتاج الوقود الحيوي والبلاستيك القابل للتحلل بفاعلية عالية.

وتستعار لغة هذا العلم الجديد من عالم الهندسة والتصميم الإلكتروني. فبدلاً من تشبيه الحياة بساعات عتيقة، باتت الجينات والإنزيمات تُعامل كدوائر رقمية ومكونات برمجية ترتبط بشبكات تنظيمية ومنطقية تشبه إلى حد كبير الأنظمة السبرانية والروبوتات، مما يتيح للباحثين تجميع أجزاء بيولوجية معيارية تؤدي وظائف مخصصة بكل مرونة.

الحياة كمعلومات

يعكس هذا المنوجه الهندسي أحدث تحول جذري في فهمنا لمفهوم الحياة؛ فقد تحولت من روح غامضة في عصر الكيمياء السحرية، إلى آلية ميكانيكية، ثم ظاهرة كهربائية وكيميائية، لتستقر اليوم في عصر المعلومات والشفرات الرقمية. وعلى الرغم من أن مقارنة الخلية بالحاسوب تظل قاصرة عن الإحاطة بكل تفاصيل التعقيد الحيوي، إلا أن طموحات إعادة تصميم الحياة واصلت الدفع بالحدود المعرفية إلى آفاق غير مسبوقة.

المصدر

مقالات ذات صلة