القائمة الرئيسية

ما بعد الفقر: لماذا يمثل توسيع الطبقة الوسطى تحديًا مختلفًا؟

ما بعد الفقر: لماذا يمثل توسيع الطبقة الوسطى تحديًا مختلفًا؟
ملخص المقال

حققت منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ توسعًا تاريخيًا في الطبقة الوسطى، إذ ينتمي إليها اليوم نحو ثلث السكان، مدفوعة خصوصًا بالنمو الاقتصادي في الصين والتحضر وخلق الوظائف، لكن هذا الزخم يواجه تحديات متزايدة مع تباطؤ نمو الإنتاجية، وانتقال العمال من الزراعة إلى خدمات منخفضة الإنتاجية، واستمرار انتشار العمل غير الرسمي، فيما تؤدي الأتمتة والذكاء الاصطناعي إلى خلق وظائف ماهرة وإزاحة وظائف روتينية منخفضة المهارة، ما قد يضعف المسار التقليدي للصعود الاقتصادي. ويتطلب ترسيخ طبقة وسطى أكثر أمانًا الجمع بين الاستثمار في التعليم والصحة والمهارات الرقمية، وتوسيع قدرة القطاع الخاص على خلق وظائف عالية الإنتاجية عبر بنية تحتية وبيئة أعمال ورأس مال أفضل، وتطوير حماية اجتماعية تمتد إلى العمال غير الرسميين والعاملين عبر المنصات الرقمية من خلال مزايا قابلة للنقل بين الوظائف. ولا تقتصر أهمية ذلك على تحسين دخول الأسر، فالطبقة الوسطى تشكل قاعدة للطلب المحلي وتمويل الخدمات العامة وتعزيز العقد الاجتماعي، ولذلك فإن الانتقال من مجرد الخروج من الفقر إلى بناء أمان اقتصادي مستدام يتطلب رفع جودة الوظائف والإنتاجية بالتوازي مع توسيع الحماية والقدرات البشرية.

حققت منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ واحدة من أكثر التحولات الاقتصادية إثارة للإعجاب في التاريخ. ففي غضون بضعة عقود فقط، خرج مئات الملايين من الناس من براثن الفقر، وارتفعت مستويات المعيشة بصورة كبيرة، وأصبحت المنطقة نموذجًا عالميًا لما يمكن أن يبدو عليه تحقيق التنمية عندما تسير الأمور على نحو جيد. لكن النجاح يطرح أسئلته الخاصة، وأكثرها إلحاحًا هو: بعد أن قطعت المنطقة كل هذه المسافة بهذه السرعة، ما الذي يتطلبه الأمر لمواصلة التقدم؟

تبحث ورقة جديدة للبنك الدولي في التقدم الذي أحرزته المنطقة في بناء طبقة وسطى أكبر وأكثر أمنًا من الناحية الاقتصادية، وتأتي النتائج في آن واحد باعثة على التفاؤل ومثيرة للقلق. واليوم، ينتمي نحو شخص واحد من كل ثلاثة أشخاص في منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ إلى الطبقة الوسطى، ويتمتع بأمان اقتصادي يمكنه من الصمود أمام الصدمات من دون الانزلاق مجددًا إلى الفقر. كما تتصدر المنطقة العالم من حيث سرعة نمو الطبقة الوسطى خلال العقد الماضي. وقد كان جزء كبير من هذا النمو مدفوعًا بالصين، حيث ارتفعت نسبة أفراد الطبقة الوسطى من 11 في المائة من السكان عام 2010 إلى نحو 40 في المائة عام 2021. لكن الزخم تباطأ في بقية أنحاء المنطقة. فكثير ممن نجحوا في الخروج من الفقر يكافحون الآن لتثبيت أقدامهم في الطبقة الوسطى. وعلى الرغم من إحراز تقدم قوي أيضًا في المناطق الريفية، تظل مدن منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ المحركات الأقوى للحراك الاجتماعي والاقتصادي نحو الأعلى، إذ تزيد احتمالية انتماء سكان المدن إلى الطبقة الوسطى بمقدار الضعف مقارنة بسكان المناطق الريفية. وترى الورقة أن بناء طبقة وسطى نابضة بالحياة وقادرة على الصمود يمثل تحديًا مختلفًا وأكثر صعوبة، لكنه تحدٍ تمتلك المنطقة الأدوات اللازمة لمواجهته، إلى جانب سجل حافل بالنجاحات وفرصة حقيقية لتحقيق ذلك، إذا تحركت وفق هدف واضح.

كانت الوظائف عاملًا أساسيًا، لكن المشهد يتغير

كانت الوظائف أقوى عامل منفرد وراء توسع الطبقة الوسطى. فنحو 77 في المائة من أفراد الفئات ذات الدخل المرتفع و59 في المائة من أفراد الطبقة الوسطى يشغلون وظائف بأجر، ما يجعل الحصول على راتب منتظم لا يزال أكثر السلالم موثوقية للارتقاء الاقتصادي. وعلى النقيض من ذلك، يظل الفقراء والفئات المعرضة للخطر متركزين في الزراعة والعمل غير مدفوع الأجر والعمل لحسابهم الخاص، وهي قطاعات نادرًا ما توفر الأمان اللازم للانتقال إلى الطبقة الوسطى والبقاء فيها.

وما يحدث في سوق العمل له أهمية هائلة بالنسبة إلى آفاق الطبقة الوسطى. ويخلص تقرير حديث للبنك الدولي إلى أن معدلات التوظيف في المنطقة مرتفعة وفق المعايير العالمية، لكن ارتفاع معدلات التوظيف وحده لا يقدم الصورة كاملة. فلا تزال إنتاجية العمل أقل من المتوسط العالمي في معظم الاقتصادات خارج الصين وماليزيا، كما أن وتيرة نموها آخذة في التباطؤ. والعاملون الذين يغادرون قطاع الزراعة ينتقلون في الغالب إلى خدمات منخفضة الإنتاجية، وليس إلى قطاع التصنيع مرتفع الإنتاجية الذي كان تاريخيًا المحرك الأساسي لتوسع الطبقة الوسطى. كما يظل العمل غير الرسمي واسع الانتشار. فالمنطقة تخلق وظائف، لكنها لا تخلق عددًا كافيًا من الوظائف المناسبة القادرة بصورة موثوقة على توفير سبل عيش تتيح الانتماء إلى الطبقة الوسطى.

ويحدث هذا التباطؤ في الإنتاجية بالتزامن مع إعادة تشكيل عميقة لطبيعة العمل نفسها. فالروبوتات والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية تعيد رسم خارطة الفرص، لكن بصورة غير متكافئة. ويخلص تقرير البنك الدولي المعنون «الوظائف المستقبلية» إلى أن اعتماد الروبوتات في خمسة اقتصادات رئيسية في منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ أدى إلى خلق نحو مليوني وظيفة للعاملين المهرة في القطاع الرسمي بين عامي 2018 و2022، في حين أدى إلى الاستغناء عن 1.4 مليون عامل منخفض المهارة كانوا يشغلون وظائف يدوية روتينية. وقد يبدو صافي الزيادة البالغ 600 ألف وظيفة إيجابيًا، إلى أن ننظر إلى هوية الموجودين على جانبي هذه المعادلة. فالوظائف التي يتم خلقها تتطلب التعليم والمهارات الرقمية. أما الوظائف التي يجري القضاء عليها فهي تحديدًا تلك التي شكلت تاريخيًا الدرجة الأولى في سلم الدخول إلى الاقتصاد الرسمي بالنسبة إلى العمال الذين لا يمتلكون مؤهلات متقدمة.

ويطرح الذكاء الاصطناعي تحديًا مختلفًا وأكثر صعوبة بكثير. فمع ضخامة القوة العاملة في قطاع الخدمات بالمنطقة، فإن تعرضها لهذه التكنولوجيا سريعة التطور واسع النطاق، ولا يزال تأثير الاضطراب الذي تحدثه في طور التشكل. وقد فتحت المنصات الرقمية أبوابًا حقيقية للفرص؛ إذ وسعت التجارة الإلكترونية فرص وصول النساء إلى سوق العمل، كما استقطب العمل عبر المنصات عددًا متزايدًا من العمال الأصغر سنًا، ومعظمهم من الرجال. لكن الفرصة ليست هي الأمان. فالعمل عبر المنصات، حتى عندما يكون أجره مماثلًا لأشكال العمل غير الرسمي الأخرى، نادرًا ما يأتي مصحوبًا بتغطية صحية أو معاشات تقاعدية أو أمان وظيفي. وهذه الحمايات تحديدًا هي التي تميز العمل الهش عبر المنصات عن الأمان الاقتصادي الحقيقي.

البناء على ما ينجح

تتطلب مواجهة هذا التحدي اتخاذ إجراءات على ثلاث جبهات في الوقت نفسه. تتمثل الجبهة الأولى في الاستثمار في القدرات البشرية، من خلال التعليم والصحة والتدريب الذي يتكامل مع التقنيات الجديدة بدلًا من أن ينافسها. أما الجبهة الثانية فتتمثل في توسيع نطاق الفرص الاقتصادية من خلال البنية التحتية، وتهيئة بيئة أعمال أقوى، وتوفير رأس المال الخاص. ويجب أن يتقدم المساران جنبًا إلى جنب وبالوتيرة نفسها. فالعاملون المهرة لن يجدوا سوى عدد قليل من الوظائف الجيدة في اقتصاد يفتقر إلى الديناميكية اللازمة لخلقها. وفي المقابل، لا يستطيع قطاع خاص ديناميكي يعمل في ظل قاعدة محدودة من المواهب والكفاءات أن يحقق كامل إمكاناته الإنتاجية. أما الضرورة الثالثة فتتجاوز كلا المسارين وتربط بينهما، وهي أن تمتد الحماية الاجتماعية إلى ما وراء الاقتصاد الرسمي. فالعمال غير الرسميين، الذين يشكلون غالبية القوة العاملة في المنطقة، يحتاجون إلى الوصول إلى مزايا قابلة للنقل بين الوظائف وأشكال العمل، توفر لهم أمنًا اقتصاديًا حقيقيًا، وليس مجرد وعد به.

ولا تقتصر أهمية ذلك على سبل عيش الأفراد. ففي منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ، كما في أماكن أخرى، تمثل الطبقة الوسطى أيضًا الطبقة المستهلكة، وهي المحرك للطلب المحلي الذي يدعم الشركات، ويدفع النمو، ويغذي الاقتصادات التي لا يمكنها الاعتماد على الصادرات وحدها. لكن الأسر المنتمية إلى الطبقة الوسطى لا تكتفي بالاستهلاك. فهي تطالب بخدمات عامة أفضل، وتسهم بدرجة أكبر في تمويلها، مما يعزز العقد الاجتماعي بين المواطنين والحكومات. وبعبارة أخرى، فإن نمو الطبقة الوسطى لا يعكس نجاح التنمية فحسب، بل يساعد أيضًا على دفع هذا النجاح والحفاظ عليه.

إن قصة الحد من الفقر في منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ تمثل واحدة من أعظم الإنجازات في عصرنا. أما قصة الطبقة الوسطى فلا تزال قيد الكتابة. وتمتلك المنطقة كل الأسباب وكل الأدوات التي تمكنها من جعل هذه القصة مثيرة للإعجاب بالقدر نفسه.

المصدر

مقالات ذات صلة