القائمة الرئيسية

الوضوح قبل الذكاء الاصطناعي: لماذا يبدأ تخطيط القوى العاملة بتحديد الأدوار

الوضوح قبل الذكاء الاصطناعي: لماذا يبدأ تخطيط القوى العاملة بتحديد الأدوار
ملخص المقال

يتوقف نجاح الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل على وضوح الأدوار والمسؤوليات أكثر من اعتماده على قوة الأدوات نفسها؛ فإدخال تقنيات جديدة دون تحديد من يملك كل مهمة ومن يتحمل مسؤولية المخرجات يخلق غموضاً تشغيلياً يبدد مكاسب الإنتاجية ويقوض الثقة والأمان النفسي داخل الفرق. ورغم إدراك معظم المؤسسات حتمية إعادة تصميم الأدوار مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، فإن كثيراً منها لا يزال يتعامل مع الأمر كرد فعل بعد ظهور المشكلات، عبر إسناد المسؤولية إلى تقنية المعلومات أو إضافة مهام الذكاء الاصطناعي إلى أدوار قائمة، بدلاً من وضع ضوابط واضحة تحدد ما الذي يمكن للذكاء الاصطناعي القيام به، وما الذي يتطلب تدخلاً بشرياً، وكيف يُقاس النجاح. لذلك ينبغي تحديد ملكية المهام والمخرجات، وتوفير قنوات تواصل تسمح بطرح الأسئلة وتجربة الأدوات دون خوف، والاستعداد لتعديل مسار التنفيذ عند الحاجة، مع دمج فرق الموارد البشرية والتقنية ومديري المشاريع في التخطيط منذ البداية. فالميزة التنافسية الحقيقية لا تأتي من امتلاك أحدث أدوات الذكاء الاصطناعي، بل من بناء بيئة قائمة على وضوح الأدوار والتواصل والثقة والأمان النفسي، بما يجعل الموظفين قادرين على تبني التقنية واستخدامها بفاعلية.

حين يقتحم الذكاء الاصطناعي ساحة العمل، يبرز السؤال الجوهري: من هو المسؤول فعلياً؟ وقبل الشروع في نشر أي أداة تقنية، لا بد من إرساء قواعد واضحة للأدوار وبناء جسور الثقة.

لنتخيل مشروعاً تعثر وتأخر عن جدوله الزمني المعتاد. حين يسأل أحدهم باستنكار عن الشخص المسؤول، تأتي الإجابة في هيئة هز للكتفين، إذ لا يعلم أحد على وجه الدقة إن كانت المهمة تقع على عاتق زميل بعينه أم على أداة الذكاء الاصطناعي التي أُدخلت إلى المنظومة في الربع السنوي الأخير.

تلك الضبابية هي الخسارة الحقيقية والتكلفة الباهظة، وليست مجرد موعد نهائي فائت. وهو سيناريو يتكرر بلا هوادة في مختلف الشركات والمؤسسات؛ حيث تبدأ الرحلة بالاندفاع نحو إطلاق أدوات الذكاء الاصطناعي، لتأتي القرارات المتعلقة بالمهام والمسؤوليات وضوابط العمل في مرحلة لاحقة. ومن المفترض بطبيعة الحال أن يوفر الذكاء الاصطناعي للشركات وقتاً أطول وطاقة استيعابية أوسع، ولكن جدوى هذا التوفير تتلاشى حين تستغرق أسابيع طوالاً لمجرد معرفة الطرف المسؤول عن كل مهمة.

الغموض لا يعطل عجلة العمل فحسب، بل يهدم جسور الثقة

أوضحت عالمة النفس بولا ديفيس في دورية سايكولوجي توداي أن مسار بناء الثقة الذي يربط بين أعضاء الفريق الواحد يتعرض للتصدع بمجرد دخول وكيل ذكاء اصطناعي إلى المعادلة. فعندما يرتكب أي إنسان خطأً، يمتلك زملاؤه القدرة على الاستفسار ومناقشة السياق والتعلم من التجربة بشكل جماعي. أما أنظمة الذكاء الاصطناعي، فلا تدرك تعقيدات ديناميكيات الفريق ولا تملك القدرة على بناء ذلك التفاعل الإنساني، وحين تخطئ، تغيب تماماً أي وسيلة لفهم الأسباب والدوافع وراء ذلك الخطأ.

من جانبها، تقترح أبحاث إيمي إدموندسون ضرورة التعامل مع نشر تطبيقات الذكاء الاصطناعي باعتباره مسار تعلم مستمر ومبني على التجربة الميدانية المباشرة، متجاوزين مفهوم الأداة الجاهزة للتنفيذ الفوري. غير أن هذا النهج يظل رهناً بوضوح هوية المتعلم والجهة المسؤولة بوضوح عن المخرجات. إن ضبابية المسؤولية لا تخلق مخاطر تشغيلية فحسب، بل تسلب الأفراد الدافع الأساسي الذي يجعلهم مستعدين للتحدث بحرية، والاعتراف بالتردد، ومواصلة التفاعل مع التقنيات الحديثة، ألا وهي الثقة المتبادلة.

الشركات تدرك حتمية تغير الأدوار، لكن معظمها لا يزال يكتفي بردة الفعل دون تخطيط مسبق

تتسارع وتيرة إعادة هيكلة الأدوار الوظيفية على نطاق واسع في الوقت الحالي. ويؤكد استطلاع أجرتها مؤسسة جارتنر في ديسمبر من عام 2025 وشمل مئة وعشرة من كبار مسؤولي الموارد البشرية، أن عمليات إعادة تصميم الأدوار جارية بالفعل، وإن كانت قد بدأت متأخرة عما ينبغي.

تشير الأغلبية الساحقة بنسبة بلغت ثمانية وسبعين بالمئة من مسؤولي الموارد البشرية إلى اتفاقهم على حتمية تغيير سير العمل والأدوار الوظيفية بغية جني القيمة الكاملة من الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.

بينما قامت أكثر من نصف المؤسسات بقليل بإعادة تصميم أو صياغة أدوارها الوظيفية خلال العام الماضي متأثرة بالذكاء الاصطناعي، وغالباً ما جاءت تلك الخطوات بعد أن تفشى الارتباك داخل فرق العمل.

لهذا توصي مؤسسة جارتنر مسؤولي الموارد البشرية بضرورة ترسيخ أواصر التعاون مع قطاع تقنية المعلومات، وربط الفرق الملمة بالذكاء الاصطناعي بالمشاريع التجريبية الأولى، فضلاً عن عقد لقاءات دورية تجمع قيادات الموارد البشرية بمسؤولي التقنية.

وحين يتحسن التناغم بين الجهات المعنية بالعنصر البشري وتلك المعنية بالجانب التقني، يتاح للمؤسسة إرساء المعايير والسياسات التوجيهية قبل البدء الفعلي في النشر، بدلاً من محاولة ترقيع الفجوات وإصلاحها لاحقا.

من يملك هذا العمل حقاً؟

تتفاوت الإجابة عن سؤال الجهة المالكة لملف الذكاء الاصطناعي داخل أي شركة تفاوتاً كبيراً يتجاوز التوقعات الشائعة. وفي حين تحرص بعض المؤسسات على وضع خطط شاملة للتدريب والتدشين، يبرز نمط متكرر ومألوف، سيما لدى الشركات الناشئة التي تعاني من شح الموارد.

يتم استحداث دور وظيفي واحد مخصص للذكاء الاصطناعي، لتُلقى بقية المهام والمسؤوليات على عاتق فرق تقنية المعلومات أو الهندسة أو تضاف إلى الأعباء المتبقية لمدير التقنية فوق مهامه الأصلية الأساسية.

في المقابل، يُتوقع من الموظفين استكشاف الأدوات الحديثة بأنفسهم إلى حد بعيد، دون تخصيص مساحة كافية من الوقت أو الدعم اللازم لإتقانها.

أما العنصر الغائب دوماً فهو المسؤول عن وضع الضوابط والحدود؛ أي تحديد المجالات التي يُسمح للذكاء الاصطناعي بالتدخل فيها وتلك المحظورة، ورسم ملامح النتيجة الناجحة، وتحديد متطلبات التدريب الواجب استيفاؤها قبل إطلاق الأداة للعمل الفعلي.

تلك المعطيات ليست أموراً حتمية لا غنى عنها، ولهذا السبب تحديداً سيظل الطلب مرتفعاً على مديري المشاريع وأصحاب الخلفيات القوية في مجالات التواصل الفعال. فمثل هذه الاستثمارات الوظيفية هي التي تضمن دمج أدوات الذكاء الاصطناعي وسير العمل المرتبط بها داخل النظرة التشغيلية الشاملة للشركات، بدلاً من تركها كمبادرات معزولة تولد وتزول بمفردها.

ما الذي يبقي العاملين منخرطين في العملية؟

الاندماج الوظيفي ليس شعاراً يرفعه القادة لمرة واحدة متوقعين استمراره للأبد؛ فالتغيير، سيما في ظل التسارع المذهل لتقنيات الذكاء الاصطناعي، يتحول إلى رحلة مستمرة ومتجددة وليس مجرد خط النهاية المنشود. وتلك العقلية هي التي تصنع البيئة المحفزة التي تبقي الأفراد متفاعلين وغير منسحبين.

تتجسد ركائز تلك البيئة في الشفافية التامة بشأن طبيعة المتغيرات وأسبابها وتداعياتها على الأدوار الوظيفية مع اتساع نطاق مهام الذكاء الاصطناعي.

إلى جانب توفير بيئة عمل مستقرة يشعر فيها الجميع بالتشجيع لخوض التجربة والاختبار وطرح التساؤلات بعيداً عن نظرات الاستهجان أو الخوف من انعكاس ذلك سلباً على مسارهم المهني.

إضافة إلى إبداء الإدارة استعداداً حقيقياً وواضحاً لتعديل المسار وإعادة التوجيه متى ما تبين أن خطة النشر لا تؤتي ثمارها المرجوة، بدلاً من التمادي في تنفيذ الجدول الزمني الأصلي بصورة عمياء.

رسم معالم الدور قبل إطلاق الأداة

عكف علماء النفس التنظيمي على دراسة مفهوم وضوح الأدوار طوال عقود، وخلصت أبحاثهم إلى نتيجة راسخة لا تتبدل: حين يدرك الأفراد بوضوح تام ما يُنتظر منهم، ترتفع معنوياتهم وترتقي مستويات مشاركتهم، وتتولد لديهم استعدادات مضاعفة لتقبل المهام المستجدة، بما فيها تلك المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. والموظفون هم رأس المال الأجدر بالرعاية داخل أي مؤسسة، وأول استثمار يستحقه هؤلاء من تخطيط القوى العاملة هو منحهم ذلك الوضوح الجلي.

على صعيد المهام اليومية، تتطلب كل مهمة يتشارك في إنجازها البشر والذكاء الاصطناعي تحديداً دقيقاً لمالكها، مع إيجاد قنوات تواصل ممهدة تمكن الفرق المتعددة التخصصات من طرح استفساراتهم بحرية.

أما فيما يتعلق بالمبادرات الاستراتيجية طويلة الأمد، فينبغي حسم تبعية الملكية وتحديد المخرجات المطلوبة قبل إدماج أي أداة ذكاء اصطناعي، وليس انتظار وقوع أول تعثر في عمليات التسليم لدفع الجميع نحو التخبط والعشوائية.

يمثل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز أدوات الإنتاجية وأكثرها تأثيراً في عصرنا الحالي، ولهذا بالذات فهو أرفع شأناً من أن يُسلّم للموظفين كحل مؤقت ومجتزأ يخلو من أي ضوابط واضحة.

الجدل الدائر ليس منصباً بالأساس على فاعلية الذكاء الاصطناعي أو جدواه التقنية، بل يدور حول قدرة الثقة المتبادلة على الصمود أمام آليات نشرنا لتلك التقنيات، ومدى شعور الموظفين بالأمان الكافي لاختبارها وتجربتها، فضلاً عن قدرة أي شخص على الجزم بملكية المسؤوليات ساعة وقوع الأخطاء. إن الشركات التي ستستثمر حقاً إمكانات الإنتاجية للذكاء الاصطناعي لن تكون بالضرورة تلك التي تمتلك أحدث الأدوات وأعقدها، بل هي تلك التي تعاملت مع وضوح الأدوار، والتواصل الفعال، والأمان النفسي بوصفها البنية التحتية الحقيقية والمضاعف الحاسم الذي يضمن كسب الثقة التي يطلب الذكاء الاصطناعي من العاملين منحها له.

المصدر

مقالات ذات صلة