أصبح الذكاء الاصطناعي ظاهرة شائعة في كل جزء من تكنولوجيا المؤسسات، حيث يستوعب مصطلح "الذكاء الاصطناعي" اليوم كل شيء بدءاً من الإكمال التلقائي البسيط ووصولاً إلى السيارات ذاتية القيادة. وغالباً ما تتسبب الضجة التسويقية في طمس الحدود بين الأتمتة البسيطة والذكاء الآلي الحقيقي. هذا الخلط دفع المؤسسات إلى توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي بلا تمييز، مما أدى في بعض الأحيان إلى التغطية على أخطاء العمليات الهيكلية بدلاً من إصلاحها، أو حتى التسبب في تعقيدات جديدة ضمن سير العمل.
هنا تحديداً يخلق النشر العشوائي مشكلات أكثر مما يحل، هذا إن نجح النشر أساساً؛ ذلك أن العنصر الأساسي لنجاح أي تطبيق يتمثل في توفر بيانات نظيفة وقابلة للمعالجة بواسطة الذكاء الاصطناعي، وهو ما يندر وجوده في الواقع العملي.
بل إن بعض المؤسسات تتردد في تبني الذكاء الاصطناعي من الأساس، نظراً لربطها المباشر بينه وبين المحتوى الرديء أو رعبها من التقارير الإعلامية التي تتحدث عن التكاليف الباهظة للرموز البرمجية. هذا التردد يمنع الشركات من الاستثمار في أدوات وعمليات قد تعود عليها بنفع كبير في حال نشرها واستخدامها بأسلوب استراتيجي.
وللغوص بشكل أعمق في كيفية نشر الذكاء الاصطناعي ومتطلبات نجاح مبادراته، التقت شبكة "ريووركد" بكل من باتريك كراغثورب شيرلي، مدير قسم البيانات والذكاء الاصطناعي، ونيك مانور، المدير التنفيذي في شركة "آر بي إيه كونسلتينغ".
تركز الحوار حول تحديات تبني الذكاء الاصطناعي وضرورة الجاهزية المناسبة للبيانات، كما تناولنا أهمية القيادة في فرض مبادئ البيانات، والإمكانات الواعدة للهندسة البرمجية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وضرورة بناء الثقة وتوفير التعليم اللازم عند تطبيق هذه التقنيات.
كيف تفكر المؤسسات في الذكاء الاصطناعي؟
في أيامنا هذه، يُطبق الذكاء الاصطناعي في كثير من الأحيان كعلاج شامل لجميع المشكلات. ما تزال العديد من المؤسسات تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كمطرقة ثقيلة تُستخدم لحل كل معضلة، بدلاً من التعامل معه كمشرط جراحي يُستخدم بدقة متناهية. غير أن هذا الاعتماد المفرط لم يثبت جدواه؛ فقد أظهرت أبحاث أجرتها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 2025 أن 95% من المشاريع التجريبية للذكاء الاصطناعي التوليدي فشلت في تحقيق أي عائد ملموس على الاستثمار.
وبدلاً من التعامل مع الذكاء الاصطناعي كحل موحد لكافة المشكلات، ينبغي للمؤسسات تحديد كيفية التطوير باستخدام الذكاء الاصطناعي، أو الأتمتة الأساسية، أو تحسين العمليات. وإن الطريق لتجاوز مقولة فشل 95% من المشاريع التجريبية يكمن في تحديد مهام ضيقة وعالية القيمة للذكاء الاصطناعي، وتنسيق عمل عدة وكلاء ذكاء اصطناعي صغار، مع إبقاء العنصر البشري في قلب عملية التوجيه والإشراف.
ما هي العقبات التي تعترض التنفيذ الناجح للذكاء الاصطناعي؟
تظل جاهزية البيانات وغياب السياق الدقيق من أبرز العقبات أمام التطبيق الناجح للذكاء الاصطناعي. فقد كشف بحث أجرته شبكة "ريووركد" بالتعاون مع "آر بي إيه كونسلتينغ" في الربع الأخير من عام 2025 أن 70% من المشاركين وافقوا على هذه العبارة: "تواجه مؤسستنا صعوبة في الحفاظ على نظافة البيانات وتحديثها لاستخدامها الفعال في التحليلات والذكاء الاصطناعي".
ونحن اليوم في منتصف عام 2026، ولم يتغير الكثير؛ إذ يكمن العائق الأساسي في البيانات غير المهيأة أو الفوضوية أو السيئة التنظيم، ولا سيما المحتوى غير المهيكل والتدفقات التي تفتقر إلى السياق. وفي هذا الصدد يقول باتريك: "من الصعب جداً على الذكاء الاصطناعي تحديد أماكن كل تلك العناصر، لأن البيانات ليست منظمة أو موجهة بطريقة تدعم سهولة البحث".
وفي بعض الأحيان، تنبع العوائق من داخل المؤسسة نفسها، خاصة عندما يساور القادة القلق بشأن التكلفة. ومع ذلك، إذا استخدمت المؤسسات الذكاء الاصطناعي بأساليب دقيقة ومحددة، فإن التكاليف ستكون قابلة للتحكم بشكل كبير. ويؤكد مانور: "اعتماداً على طبيعة عملك، فإن استخدام النماذج الصغيرة وبناء وكلاء صغار يمكن أن يكون حلاً ميسور التكلفة لعملية تتطلب كثافة بشرية ويمكن أتمتتها بسهولة بواسطة وكيل افتراضي، مما يفرغ موظفيك لأعمال أكثر قيمة".
كيف تنجح المؤسسات في تطبيق الذكاء الاصطناعي؟
هناك أمران لا يقبلان المساومة لنجاح تطبيقات الذكاء الاصطناعي: الحوكمة القوية والمصدر الموثوق الوحيد للبيانات. فبدون حوكمة صارمة ونماذج بيانات معيارية، تنتهي المؤسسات إلى نسخ متعددة من الكيانات الأساسية، مما يضعف التحليلات والذكاء الاصطناعي على حد سواء.
ويقدم باتريك مثالاً على ذلك: "عملنا مع شركة كانت تضم عدة أقسام معزولة، مما أدى إلى غموض في تحديد هوية عملائهم. كانت شركة واحدة، لكنها امتلكت أربعة أو خمسة تعريفات مختلفة للعميل. وعندما حاولنا الإجابة عن سؤال: 'كم ينفق هذا العميل معنا؟'، كان علينا أن نسأل أولاً: 'أي عميل تقصد؟ هل هو هذا، أم ذاك، أم هذا؟'".
مجالس الحوكمة تعمل كأدوات للتمكين؛ وفي حين قد يربط الفكر التقليدي بين الحوكمة والقيود، فإنها في الواقع تعمل كمظلة توفر الرؤية الشاملة عبر الفرق المعزولة لمنع تكرار المشاريع وتداخلها. وهذا يمنح فائدة إضافية تتمثل في تقليل المخاوف بشأن التكاليف، نظرًا لوجود جهة مراقبة تمنع الأقسام من العمل على مشاريع مكررة. علاوة على ذلك، أوضح نيك نقطة حاسمة مفادها أن الهدف طويل الأجل لمجلس الحوكمة هو التمكين وتقليل الاحتكاك، حيث يجب أن يكون هدفهم إنشاء مسار واضح وموثوق ليتبعه الموظفون، بدلاً من الاقتصار على دور حارس البوابة.
في الوقت نفسه، تُعد انضباطية القيادة أمراً حاسماً؛ فلا يمكن للقادة مجرد القول إن الحوكمة وجودة البيانات مهمتان، بل يجب عليهم رفض الطرق المختصرة والاستثناءات والتفافات العمل. وإذا لم يفعلوا ذلك، فإن الثقافة المؤسسية ستتبع "أدنى سلوك مقبول"، ولن يتحسن أي شيء. ويضيف باتريك: "يجب على القيادة أن تكون منضبطة بما يكفي لتقول: 'لا، يجب علينا فعل ذلك بالطريقة الصحيحة، فهذا أمر إجباري'".
ما الذي يعزز الثقة في الذكاء الاصطناعي؟
تأتي الثقة في الذكاء الاصطناعي من الإنجازات المحددة والمرئية، إلى جانب تثقيف الموظفين بشكل أفضل. لن تُكسب الثقة عبر تقديم وعود كبيرة ومجردة، بل تنبع من رؤية الأفراد للذكاء الاصطناعي وهو يعمل بموثوقية في مهام ملموسة، ومن التعليم الأوضح حول ما يفعله النظام بالفعل. يقول باتريك: "عليك أن تراه يعمل بالفعل، وأن تراه يؤدي وظائفه بشكل صحيح لتتغلب على تردد الموظفين في استخدام هذه الأدوات". ويضيف مانور: "التثقيف أمر ضروري بالتأكيد، لأن الذكاء الاصطناعي بالنسبة لكثير من الناس ما يزال صندوقاً أسود لا يفهمونه بشكل كامل".
كيف تساعد التطبيقات الناجحة للذكاء الاصطناعي القيادة المؤسسية؟
إن الوعد الحقيقي للذكاء الاصطناعي يتجسد في إتاحة الفرصة لقادة الأعمال لقضاء وقت أقل في عملية التنفيذ ووقت أكبر في التخطيط الاستراتيجي. وبالنسبة للمطورين وموظفي المعرفة، فإن الفائدة من التطبيق الناجح تعني التحول من كتابة الشفرات البرمجية وأداء المهام التكرارية إلى تفريغ الوقت لحل المشكلات الأكثر عمقاً، مما يحقق توافقاً أفضل مع احتياجات العمل الفعلية. إن البحث عن عمليات محددة يمكن أتمتتها بالذكاء الاصطناعي يمكن أن يحقق نجاحات سريعة وميسورة التكلفة.
تتمتع التطبيقات الناجحة للذكاء الاصطناعي بالقدرة على تغيير طريقة إنجاز الأعمال. يقول باتريك: "يزيل الذكاء الاصطناعي حاجتك إلى القيام بأعمال روتينية، ويسمح لك بحل تحديات أكبر وأكثر تعقيداً". ويختتم مانور قائلاً: "في نهاية المطاف، سيحسن الذكاء الاصطناعي قدرتك على قضاء وقت أطول في دراسة المشكلة ووقت أقل في تنفيذ الحل".
