كلما صقل الذكاء الاصطناعي كلماتنا، خفتت في خلفيتها النبرة البشرية.
أذكر أول مرة قرأت فيها رسالة على تطبيق "سلاك" لشخص أعرفه، ولم أجد فيها روحه ولا أسلوبه. حينها تجاوزت الأمر، وعللت لنفسي بأن الرجل ربما كان عجلاً، أو لعله أراد التأنق في خطابه.
لكن الأمر لم يقف عند تلك المرة.
صارت العبارات سبائك محكمة التنسيق، واللغة محايدة إلى حدٍّ يدعو للريبة، ثم بدأت ألمح التراكيب ذاتها تتكرر على ألسنة زملاء مختلفين. عندئذ أدركت الحقيقة: هذه ليست مهارة جديدة في الكتابة، بل هو بصمة الذكاء الاصطناعي.
ومع دخول أدوات مثل "غرامارلي غو" و"نوشن AI"، بل وحتى الخصائص المدمجة في "سلاك"، إلى صلب تواصلنا اليومي، بات الخط الفاصل بين الصوت البشري ونبرة الآلة يتلاشى شيئاً فشيئاً.
تتجه شركات كبرى مثل "بي دبليو سي" بكل ثقلها نحو هذا التحول، محتضنة تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي بين عشرات الآلاف من موظفيها. ففي عام 2023، رصدت الشركة استثماراً ضخماً بلغت قيمته مليار دولار على مدار ثلاث سنوات لتطعيم عملياتها في الولايات المتحدة بتقنيات متقدمة مثل "تشات جي بي تي" وخدمة "أزور" للذكاء الاصطناعي. وبحلول منتصف 2024، كانت هذه الأدوات في أيدي أكثر من 75 ألف موظف؛ تعينهم على صياغة التقارير، وتدبيج الخطابات للعملاء، وتوليد الشفرات البرمجية، وتحليل البيانات. وهي خطوة تراها الشركة تمكيناً استراتيجياً يضاعف إنتاجية الكوادر، ويصقل خدماتها في مجالي الاستشارات والتدقيق.
تبدو الصورة من الخارج مبشرة بحق: رسائل أسرع، وملخصات أوضح، وأخطاء إملائية نادرة. غير أن ثمة تحولاً أعمق يتسلل في الخفاء؛ فما الذي يتبقى من الثقة حين تصبح كل تحديثات العمل محايدة وتتشابه حتى الذهول؟
هل تحول التواصل في بيئة العمل إلى مجرد صياغة للأوامر البرمجية؟
في ظاهر الأمر، يمنحنا الذكاء الاصطناعي قدرة أكبر على التعبير؛ فيصوب الهنات اللغوية، وينظم الأفكار، ويضمن ألا تفوتنا فكرة جوهرية. ولعل هذا يبدو فتحاً عظيماً لفرق العمل التي تدار عن بعد أو بنظام العمل الهجين، حيث تقوم المحادثات المكتوبة على "سلاك" و"زوم" بالعبء الأكبر في بناء العلاقات.
وليس من الصعب فهم سر هذا الانجذاب. تخيل أنك غارق في المهام حتى أذنيك، وعليك تقديم تقريرك الأسبوعي؛ ما الذي يمنعك حينئذ من إلقاء التبعة على مساعدك الذكي؟ سيخرج لك نصاً فصيحاً، مرتباً، وخالياً من العيوب، وهو كل ما يعجز عنه ذهنك المجهد في أواخر ساعات العمل.
غير أن المشكلة تبدأ عندما يفعل الجميع الشيء نفسه.
التحديث الأسبوعي الذي كان يشي بشيء من سخرية زميلك الطريفة أو إحباطه العابر، يرتدي اليوم قناعاً متزناً بلا ملامح. المتابعات اليومية تفقد حرارتها، حتى كلمات الثناء من قبيل: "عمل رائع في هذا العرض!" أضحت تتكرر بقالب واحد يبعث على الشك.
حين ترتدي الآلة عباءة الصدق
يتسلل هذا التحول بهدوء، لكنه يمتد في كل اتجاه. يبدأ باقتراحات سريعة للكلمات، ثم بصياغة فقرات كاملة، حتى نصل إلى اليوم الذي تتحدث فيه الفرق كلها بنبرة واحدة خالية من التعرجات، صقلتها اليد الخفية ذاتها. والنتيجة: تواصل يسيَر المعاملات، لكنه يغطّي الشخوص.
تبنى الثقة في الحقيقة على تفاصيل صغيرة؛ فالأخطاء المطبعية، والعبارات الدارجة، وحتى طريقة وضع علامات الترقيم، كلها إشارات بشرية تمنحنا مفاتيح لفهم مزاج الآخر ونيته وحقيقته. ومتى ما جُرّدت النصوص من هذه الإشارات، نُترك في تخمين لا ينتهي.
عبّر مدير منتجات في شركة ناشئة للتقنية المالية عن هذا المعنى قائلاً: "كنت أعرف ضغط العمل الذي يمر به زميلي من مجرد إيجازه الشديد في الرسائل. أما اليوم، وفي ظل صياغة الذكاء الاصطناعي، تبدو كل رسالة هادئة ومتزنة، حتى وأنا أعلم يقيناً أن بيئة العمل تحترق من حوله."
والأمر يتجاوز الأسلوب والشكليات؛ فعندما يعجز المرء عن معرفة الكاتب الحقيقي، يساوره الشك في المغزى كله. هل قصد المديري هذا التقييم بحق، أم أن الآلة هي من صاغته؟ وهل هذا المقترح نابع من فكره، أم أنه مجرد تجميع لما جاد به المحرك الآلي؟
هل الكفاءة الآلية تستحق هذا الثمن؟
لا ينازع أحد في أن الذكاء الاصطناعي يرفع مستوى الكفاءة؛ فهو يسعف غير الناطقين باللغة على التعبير بسلاسة، ويختصر أوقات الاجتماعات عبر تفكيك المحاضر وتلخيصها، ويدفع عجلة العمل حين ينال التعب من أصحابه.
ولكن كلما استعرنا لسان الآلة لنتحدث به، خاطرنا بأن نفقد حضورنا الإنساني، فيستحيل التواصل إلى مجرد تبادل نفعي، عارٍ من الدفء والصلة.
حدثتني مسؤولة رفيعة في الموارد البشرية بإحدى شركات "فورتشن 500" أن فريقها اعتمد مؤخراً رسائل ترحيب بالموظفين الجدد صيغت بالكامل عبر الذكاء الاصطناعي، ثم أردفت: "وفر علينا ذلك وقتاً كبيراً، لكننا لاحظنا في المقابل أن الموظفين الجدد شعروا بغربة وجفاء؛ إذ لم يتيقنوا من يقف حقاً خلف تلك الكلمات الدافئة."
إن التواصل البشري مربك، ويستنزف الوقت، لكنه الصانع الأول للحياة في بيئة العمل.
كيف نبقي على الإنسانية حاضرة؟
كيف نحافظ على التفاعل الحقيقي في بيئة عمل تدار عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي؟ لا يكمن الحل في حظر هذه الأدوات؛ فهذا خيار غير عملي ولا مطلوب، إذ يمكن لهذه التقنيات أن تسدي خدمات جليلة، لا سيما في تقريب الفجوات. لكن المطلوب هو الاستخدام الواعي والمقصود.
من الخطوات البسيطة في هذا الباب: الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي. لا تحتاج الأمر إلى إعلان رسمي، بل يكفي تعليق عابر من قبيل: "استعنت بالذكاء الاصطناعي في ترتيب خطوط هذا النص"؛ فهذه الشفافية البسيطة تجدد الثقة.
ومن النهج النافع أيضاً: إعادة إدخال المشقة المحمودة؛ فليس كل تفاعل بحاجة إلى الضبط والتهذيب الأقصى. ربما يجدر بك كتابة ملاحظات لقاءاتك الفردية بخط يدك، أو ترك تلك الهفوة الإملائية في رسالتك كما هي، ما دامت تبقيك كما أنت.
وللقادة في هذا دور يقتدى به؛ فقد يمنحك الذكاء الاصطناعي كلمة أكثر سلاسة في الخطابات العامة، لكن القليل من العفوية يذكر فريقك بأن هناك قلباً ينبض خلف هذا النص.
وأخيراً، أعد الاعتبار للتواصل المباشر في وقته الحي؛ فالآلة لا تملك البديل للمحادثة الحية التي تتبلور فيها النبرة وتتشكل خلالها الثقة في اللحظة ذاتها. وإن كان إجهاد الشاشات أمراً واقعاً، فإن إجهاد الاصطناع والتكلف لا يقل عنه إرهاقاً، لا سيما حين تغدو كل التفاعلات مصقولة بزيادة ومسرحية الأداء.
إننا نطأ عتبة جديدة في ثقافة العمل والتواصل؛ وكما أعاد البريد الإلكتروني تشكيل أساليبنا من قبل، يأتي الذكاء الاصطناعي اليوم ليعيد كتابة القواعد من جديد. وحسن التعامل مع هذه المرحلة يقتضي معرفة متى نستعين بالآلة، ومتى نترك لـ صوتنا البشري، بجميع غرائبه ونقائصه، أن يشرق وينفذ إلى الآخرين.
فالثقة في نهاية المطاف، لا تبنى على الرسائل الكاملة، بل على الرسائل الصادقة.
