القائمة الرئيسية

الديناميكيات الخفية لحياة الشركات الناشئة

الديناميكيات الخفية لحياة الشركات الناشئة
ملخص المقال

تتشكل بيئات ريادة الأعمال ليس بالأفكار ورأس المال فقط، بل أيضًا بالطقوس والتفاعلات الاجتماعية اليومية التي تحدد من يكتسب الثقة والشرعية والدعم ومن يتعرض للتهميش، إذ يمكن لجلسات عرض المشاريع وملاحظات الأقران واللقاءات غير الرسمية أن تعزز التضامن والانتماء، أو تحول البيئة إلى ساحة تنافس تؤدي إلى تفكيك شبكات الدعم. وتكشف الأبحاث أن المعاملة بالمثل لا تكون قاعدة ثابتة، بل تنشأ تدريجيًا من تتابع التفاعلات، كما أن الممارسات الاجتماعية غير الرسمية قد تعيد إنتاج التحيزات، بما فيها المرتبطة بالنوع الاجتماعي، عندما تمنح بعض الفئات فرصًا أكبر لبناء العلاقات والوصول إلى الموارد. لذلك، فإن فهم الطقوس الاجتماعية داخل مسرّعات الأعمال والمنظومات الناشئة يمثل مدخلًا مهمًا لتصميم بيئات أكثر شمولًا، من خلال تحديد الممارسات التي تبني الثقة والانتماء وتلك التي تنتج الاستبعاد، مع إدراك أن ريادة الأعمال ظاهرة اجتماعية وثقافية بقدر ما هي اقتصادية، وأن المنصات الرقمية مثل «سلاك» و«زوم» و«واتساب» أصبحت بدورها ساحات تتشكل فيها المعايير والعلاقات وديناميكيات القوة.

لا تتشكل ريادة الأعمال بالأفكار والاستثمارات فحسب، بل تتأثر أيضًا بالتفاعلات الاجتماعية اليومية. وتستكشف الشقيقتان الدكتورة ريخا كريشنان والدكتور راجيف كريشنان كوزيكود، من جامعة سايمون فريزر في كندا، كيف تؤثر طقوس التفاعل، مثل جلسات عرض المشاريع، وملاحظات الأقران، والتواصل غير الرسمي، في الثقة والتعاون والاستبعاد داخل منظومات الشركات الناشئة. ويركز عملهما على كيفية نشوء النظام الاجتماعي وتطوره في هذه البيئات التي تتسم بضغط شديد، وكيف يمكن لبعض الطقوس أن تؤدي بصورة خفية إلى إدماج بعض الأشخاص أو استبعاد آخرين.

تحدث بلغة باحث في مجال الأعمال

مسرّعة الأعمال: برنامج أعمال يدعم الشركات الناشئة، ولا سيما من خلال الإرشاد وفرص بناء شبكات العلاقات.

رأس المال: الأموال أو الأصول المالية التي تمكّن الشركة من العمل.

رائد الأعمال: شخص ينشئ شركة استنادًا إلى فكرة أو منتج جديد، ويكون مستعدًا لتحمل المخاطر المهنية من أجل إنجاح مشروعه.

إثنوغرافي: متعلق بدراسة الثقافات.

التحيز القائم على النوع الاجتماعي: تحيز ضد نوع اجتماعي معين.

طقس التفاعل: شكل مركز ومنظم من التفاعل الاجتماعي والشخصي.

عرض المشروع: عرض رسمي يهدف إلى الحصول على عقد تجاري، وغالبًا ما يكون في صورة تقديم عرض أو عقد اجتماع وجهًا لوجه.

وادي السيليكون: منطقة في كاليفورنيا بالولايات المتحدة تشتهر بشركات التكنولوجيا المبتكرة.

الشركة الناشئة: شركة حديثة التأسيس.

تتشكل ريادة الأعمال ليس من خلال الأفكار والاستثمارات فحسب، وإنما أيضًا من خلال التفاعلات الاجتماعية اليومية. وتدرس شقيقتان وأخ، الدكتورة ريخا كريشنان والدكتور راجيف كريشنان كوزيكود، ويعملان في جامعة سايمون فريزر، كيف تشكل طقوس التفاعل، مثل جلسات عرض المشاريع وملاحظات الأقران والتواصل غير الرسمي، الثقة والتعاون والاستبعاد داخل منظومات الشركات الناشئة. ويركز عملهما على كيفية نشوء النظام الاجتماعي وتطوره في هذه البيئات التي تتسم بضغط شديد، وكيف يمكن لبعض الطقوس أن تؤدي بصورة خفية إلى إدماج بعض الأشخاص أو استبعاد آخرين. وبينما يرتكز عمل ريخا وراجيف على فهم كيفية مساهمة هذه الطقوس في بناء مجتمعات رواد الأعمال أو تفككها، فإنه يسلط الضوء أيضًا على كيفية تعزيز المعايير والتحيزات المرتبطة بالنوع الاجتماعي من خلال التفاعلات الروتينية.

مسرّعات الشركات الناشئة: حيث يتشكل النظام الاجتماعي

يجمع ريخا وراجيف بياناتهما من برامج مكثفة لمسرّعات الشركات الناشئة، حيث يحصل المؤسسون على الإرشاد والتدريب على تقديم عروض المشاريع وإمكانية الوصول إلى شبكات المستثمرين. لكن بعيدًا عن هذه الهياكل الرسمية، تعمل مسرّعات الأعمال كساحات اجتماعية كثيفة، تؤدي فيها الطقوس اليومية، سواء كانت منظمة أو عفوية، دورًا قويًا في تشكيل النتائج.

تقول ريخا: «تمتلئ مسرّعات الأعمال بتفاعلات مشحونة بالعواطف. فمن الأحاديث أثناء احتساء القهوة إلى جلسات تقديم الملاحظات بين الأقران، تخلق هذه الطقوس إشارات دقيقة حول من ينتمي إلى المجموعة، ومن يكتسب الشرعية، ومن يتم استبعاده».

وتشجع بعض هذه الطقوس على الترابط والتضامن، بينما يشبه بعضها الآخر مسابقات عالية المخاطر. ويضيف راجيف: «لا يقتصر رواد الأعمال على بناء مشاريعهم، بل يكشفون أيضًا عن هوياتهم، وعن الأشخاص الذين يريدون أن يصبحوا مثلهم، والطريقة التي يريدون أن يراهم بها الآخرون».

وفي دراسة إثنوغرافية استمرت عامًا كاملًا داخل إحدى مسرّعات الأعمال في وادي السيليكون، لاحظ ريخا وراجيف أن الدعم كان ينشأ في كثير من الأحيان من خلال طقوس العطاء دون توقع مقابل، وهو نمط مفاجئ في بيئات تنافسية من هذا النوع.

توضح ريخا: «لم تكن هذه أفعالًا عشوائية من الكرم، بل كانت تستند إلى أفعال مبكرة من العطاء أدت إلى إطلاق "دورة العطاء والامتنان"».

وأظهرت النتائج، التي نُشرت في مجلة Administrative Science Quarterly، أن توقعات المعاملة بالمثل لا تكون ثابتة، بل تتطور من خلال سلاسل من التفاعلات الاجتماعية، وهو استنتاج مهم لفهم كيفية تشكل النظام الاجتماعي على المستوى الدقيق داخل مجتمعات ريادة الأعمال.

متى تدمج الطقوس الأشخاص ومتى تستبعدهم؟

يسلط بحث ريخا وراجيف الضوء على الطريقة التي يمكن بها لطقوس التفاعل أن تفرز المؤسسين وتفصل بينهم بصورة خفية. فقد تبدو طقوس مثل جلسات عرض المشاريع والفعاليات الاجتماعية محايدة، لكنها تشكل بصورة غير مباشرة من يحصل على الموارد والدعم العاطفي والتقدير.

يوضح راجيف: «ترفع بعض الطقوس مكانة مؤسسين معينين، بينما تجعل آخرين يشعرون بأنهم غير مرئيين. ولهذا السبب، فإننا لا نتعامل مع هذه الطقوس باعتبارها مجرد ضوضاء في الخلفية، وإنما باعتبارها قوى فاعلة في تشكيل النظام الاجتماعي».

ويصنف ريخا وراجيف هذه الطقوس ضمن فئتين عامتين: طقوس الترابط، التي تعزز الثقة والتضامن، وطقوس المنافسة، التي تزيد من حدة التنافس وتفكك الشبكات.

ورغم أن دراستهما المنشورة في مجلة Administrative Science Quarterly ركزت على بنية الطقوس وديناميكياتها العاطفية، وليس على النوع الاجتماعي، فإن هذه الأطر نفسها ساعدتهما على دراسة كيفية حدوث الاستبعاد بأشكال مختلفة، بما في ذلك الاستبعاد القائم على النوع الاجتماعي في سياقات أخرى.

الديناميكيات المرتبطة بالنوع الاجتماعي: رؤى ناشئة 

وعلى الرغم من أن النوع الاجتماعي لم يكن نقطة البداية في بحثهما، فقد بدأ ريخا وراجيف على نحو متزايد في استكشاف كيفية إعادة إنتاج المعايير المرتبطة بالنوع الاجتماعي أو تعطيلها من خلال طقوس التفاعل. وتُظهر نتائجهما أن التوقعات المرتبطة بالنوع الاجتماعي غالبًا ما تعاود الظهور من خلال الممارسات الاجتماعية غير الرسمية، حتى في المنظومات المصممة لتحقيق الشمول.

فعلى سبيل المثال، في إحدى مسرّعات الأعمال الهندية التي يدرسانها حاليًا بالتعاون مع الدكتور مقبل برهان، بنى المؤسسون الذكور علاقات وثيقة من خلال المشاركة المشتركة في طقوس الصيام الدينية. أما المؤسِسات النساء، اللواتي استُبعدن من لحظات الترابط هذه، فقد واجهن وصولًا أقل إلى شبكات الأقران وانخفاضًا في مستوى الظهور.

تقول ريخا: «استجابة لذلك، شكلت بعض النساء دوائر دعم خاصة بهن. لكنهن عبّرن بوضوح عن رغبتهن في البقاء مندمجات، لا في أن يتم عزلهن داخل برامج مخصصة للنساء فقط، وإنما في أن يكن جزءًا من منظومة مسرّعة الأعمال نفسها إلى جانب نظرائهن من الرجال».

وبالمثل، كشفت التجارب الميدانية التي أجراها الفريق في أسواق المنتجات لدى المجتمعات الأصلية في الهند، بالتعاون مع زميلتهما في مرحلة ما بعد الدكتوراه، الدكتورة نيثو بارفاثي، أن المشاركة في الطقوس يمكن أن تعزز المعايير المرتبطة بالنوع الاجتماعي والمتجذرة بعمق، حتى بين النساء المتمكنات.

تقول ريخا: «أوضحت هذه الدراسة أن طقوس التفاعل، سواء في وادي السيليكون أو في أسواق المنتجات في المناطق الريفية بالهند، تمثل مفتاحًا لفهم كيفية حدوث الإدماج والاستبعاد».

المستقبل: من الملاحظة إلى التأثير

أتاحت المنهجية متعددة الأساليب التي يتبعها الفريق، والتي تجمع بين العمل الميداني الإثنوغرافي والتجارب الميدانية، دراسة الطقوس في مناطق جغرافية متنوعة، بدءًا من مراكز التكنولوجيا المتقدمة مثل فانكوفر ووادي السيليكون، وصولًا إلى مسرّعات الأعمال المتضررة من النزاعات في جامو وكشمير، بالتعاون مع الدكتور مقبل برهان، ومخيمات اللاجئين في تنزانيا، والقرى القبلية في الهند.

وعبر هذه البيئات المختلفة، تظل هناك نتيجة واحدة ثابتة: الطقوس لا تعكس النظام الاجتماعي فحسب، بل تنتجه وتحدث اضطرابًا فيه أيضًا.

ويتطلع ريخا وراجيف مستقبلًا إلى أن يسهم بحثهما في تصميم مسرّعات أعمال أكثر شمولًا، بما يساعد قادة البرامج على فهم كيفية تأثير الطقوس الدقيقة في النتائج.

يقول راجيف: «نريد تحويل نتائجنا إلى ممارسات عملية. فإذا استطعنا تحديد أنواع الطقوس التي تعزز الثقة والشعور بالانتماء، فيمكننا المساعدة في إنشاء بيئات لريادة الأعمال يستطيع فيها عدد أكبر من الناس، وليس القلة المعتادة فقط، تحقيق النجاح والازدهار».

حول البحث في مجال الأعمال

يُعد البحث في مجال الأعمال مجالًا واسعًا يمكن أن يشمل دراسة أي جانب من جوانب الأعمال. ويهتم ريخا وراجيف بصورة خاصة بالجانب الاجتماعي للأعمال، أي بكيفية تأثير المعايير المجتمعية والتفاعلات الاجتماعية في نجاح الأعمال، والأسباب التي تقف وراء وجود هذه العوامل في المقام الأول. ومن خلال تحديد أوجه عدم المساواة ومعالجتها، يسهم بحثهما في جعل مجال الأعمال أكثر إنصافًا.

وعلى الرغم من أن عالم الأعمال عالمي بطبيعته، فإن طبيعته تعتمد بدرجة كبيرة على السياق الثقافي والاجتماعي. توضح ريخا: «يدرس بحثنا كيفية نشوء النظام الاجتماعي وتفككه داخل مجتمعات رواد الأعمال الجديدة، سواء كانت في مجال الأعمال عالية التقنية أو في الأسواق الريفية».

ومن خلال دراسة تجارب رواد الأعمال في سياقات مجتمعية مختلفة بصورة جذرية، يكتسب ريخا وراجيف رؤى أعمق حول دور طقوس التفاعل. يوضح راجيف: «تكشف هذه الطقوس أن ريادة الأعمال ليست اقتصادية فحسب، بل هي اجتماعية بعمق، وتعتمد على السياق، وغالبًا ما تعكس أوجه عدم المساواة والتطلعات الأوسع نطاقًا».

ويفتح ظهور البيانات الضخمة أبوابًا جديدة أمام الباحثين في مجال الأعمال، ولا سيما مع الزيادة الهائلة في كمية البيانات التي يمكن جمعها نتيجة نمو مساحات الأعمال الرقمية.

تقول ريخا: «أصبحت المنصات الافتراضية مثل Discord وSlack وZoom وWhatsApp ساحات رئيسية لطقوس التفاعل. فهي ليست مجرد أدوات للتواصل، وإنما مساحات اجتماعية كثيفة بالمعايير الاجتماعية والإشارات العاطفية وديناميكيات القوة الضمنية».

ويُعد الكشف عن كيفية تأثير هذه العوامل الاجتماعية في ممارسات الأعمال مجالًا متناميًا من مجالات البحث، ويعتقد ريخا وراجيف أن هذا المجال يمكن أن يخبرنا بالكثير عن تفاعلاتنا وعن الطرق التي يمكننا من خلالها تحسينها.

المصدر

مقالات ذات صلة