القائمة الرئيسية

أيها القادة: لم تعد مسؤوليتكم مجرد إدارة الإنتاجية

أيها القادة: لم تعد مسؤوليتكم مجرد إدارة الإنتاجية
ملخص المقال

أصبح الذكاء الاصطناعي يقلل فرص التعلم التي كانت تنشأ تلقائيًا من أداء المهام اليومية، ما يفرض على القادة أن يتحولوا من إدارة الإنتاجية فقط إلى التصميم المتعمد للتطوير المهني وبناء حسن التقدير؛ فالمخرجات المصقولة لم تعد دليلًا كافيًا على الكفاءة، ولذلك ينبغي للقائد شرح خلفيات قراراته ومفاضلاته، وسؤال الموظفين عن كيفية وصولهم إلى النتائج والبدائل التي درسوها والمخاطر التي يرونها، مع الحفاظ عمدًا على بعض المهام التي تمنح الموظفين المبتدئين خبرات لا يمكن اكتسابها بمجرد استخدام الذكاء الاصطناعي. كما يتطلب ذلك حماية وقت التفكير العميق، وإتاحة فرص التفاعل المباشر مع أصحاب الخبرة ومشاهدة كيفية تعاملهم مع القرارات المعقدة والغامضة، واختبار قدرة الموظف على التكيف والتفكير النقدي بدل الاكتفاء بجودة مخرجاته. وفي النهاية، ينبغي أن يصبح نمو المواهب وتطور قدرتها على الحكم واتخاذ القرار معيارًا أساسيًا لتقييم القادة، لأن التركيز المفرط على السرعة والكفاءة قد يحقق نتائج أفضل على المدى القصير، لكنه قد يستنزف في الوقت نفسه الخبرات والتجارب التي تصنع الجيل القادم من الكفاءات.

أعاد الذكاء الاصطناعي تشكيل بيئة العمل وطرق تنمية المواهب؛ وإليكم كيف تصممون مسار التطوير المهني بشكل متعمد وواعٍ.

بدأت تتبلور في بيئات العمل المدعومة بالذكاء الاصطناعي أساليب إدارية تبدو في ظاهرها كفاءة تشغيلية، لكنها في جوهرها تجسيد للتنصل من المسؤولية. يتلخص هذا النمط في أن يكلف القائد موظفه بمهمة ما، فيلجأ الموظف إلى الذكاء الاصطناعي لإنتاج مخرجات مصقولة، ليقوم القائد بمراجعتها وإعادتها، ثم تتكرر هذه الدورة بشكل أسرع من أي وقت مضى، دون أن يتحقق أي تطوير مهني حقيقي على كلا الطرفين.

ومع استمرار الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل معالم العمل، يتوجب على القادة إعادة تصور دورهم الجوهري.

إذا كانت مؤسستك قد تبنت تقنيات الذكاء الاصطناعي بأسلوب ملموس، فقد جنيت السرعة والقدرة على التوسع، لكنك في المقابل ورثت مسؤولية قيادية جديدة: لم يعد بإمكانك الاعتماد على طبيعة العمل ذاتها لتطوير طاقات فريقك. إن الخبرات التراكمية الضمنية التي اكتسبتها الأجيال السابقة عبر التكرار والممارسة الفعلية — كفهم الديناميكيات المؤسسية، وبناء حس التقدير، وملاحظة موازين القوى — أخذت تتلاشى من مسارات العمل اليومية. لذا، إذا أردت لموظفيك أن يتطوروا، فعليك أن تصمم مسارات هذا التطوير بنفسك.

وهذا يمثل تحولاً جذرياً في مفهوم قيادة فرق العمل.

صرح بخلفيات تفكيرك

إن أحد أثمن التصرفات التي يمكن للقائد القيام بها حالياً لا يتطلب أي ميزانية أو برامج رسمية، بل يتطلب فقط الرغبة في التفكير بصوت عالٍ.

عندما تكلف أحداً بمهمة، اشرح له السياق العام ولا تكتفِ بطرح المهمة مجردة؛ أطلعه على الديناميكيات السياسية المؤثرة، وناقشه في المفاضلات التي تزنها، وأخبره بما يقلق الأطراف المعنية ولماذا، ووضح له تبعات الخيار الخاطئ. بهذه الطريقة ينتقل الفكر التنفيذي وحسن التقدير من جيل إلى آخر.

إن النموذج الإداري القديم — المتمثل في التفويض، ثم المراجعة، ثم التوجيه — أخذ يفقد وظائفه التطويرية؛ إذ أضحي الذكاء الاصطناعي يتولى معظم عمليات التنسيق والتسويد والتلخيص التي كانت تجبر الموظفين الجدد على التعامل مع تعقيدات المؤسسة. أما ما تبقى فهو المحاكمة العقلية الكامنة وراء القرارات، وتلك المحاكمة تظل حبيسة ذهنك ما لم تقرر الإفصاح عنها.

انتقل من أسلوب "هذا ما يجب أن يحدث" إلى أسلوب "هذا سبب أهمية الأمر، وهذه هي النقاط التي أفاضل بينها، وهذا ما ينبغي لك التفكير فيه". إن تطبيق هذا التحول بشكل مستمر هو السبيل لبناء كفاءات تفكر باستراتيجية وتنفذ بكفاءة، ولعل هذا هو التغيير الأكثر إلحاحاً الذي يتعين على القادة تبنيه.

قيم عمق التفكير لا مجرد المخرجات

في بيئة العمل المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، لم تعد المخرجات المصقولة دليلاً دامغاً على الكفاءة؛ فالتقرير المنسق بعناية لا يخبرك بشيء تقريباً عن مدى قدرة من قدمه على المحاكمة العقلية وسط الضبابية، أو تحديد الثغرات، أو الصمود عند مناقشة قيادي تنفيذي.

ابدأ بطرح أسئلة من نوع مختلف؛ لا تسأل "هل يبدو هذا جيداً؟"، بل قل "اشرح لي كيف وصلت إلى هذه النتيجة". اسأله عن البدائل التي درسها ولماذا استبعدها، وعن المخاوف التي لا تزال تراوده، وعن جوانب النقص المحتملة في نتائج الذكاء الاصطناعي التي تتطلب سياقاً بشرياً لمعالجتها، وما الذي كان سيفعله بشكل مختلف لو تغيرت الفرضيات.

تحقق هذه الحوارات هدفين في وقت واحد: فهي تكشف عن المستوى التطويري الحقيقي لأفراد فريقك، وتبني بفاعلية طريقة التفكير التي تسعى لغرسها؛ وبذلك يندمج التقييم والتطوير في نفس النقاش.

وقد أظهرت أبحاث صادر عن هارفارد بيزنس ريفيو عام 2026 أن الذكاء الاصطناعي يزيد من كثافة العمل بدلاً من تخفيفه؛ إذ يعمل الموظفون بسرعة أكبر، ويتولون نطاقات أوسع، ويقضون ساعات أطول في العمل دون طلب مباشر. هذه الكثافة تعني أن أفراد فريقك قد يشعرون بالانشغال الدائم رغم ممارستهم لدرجة أقل من العمل الذهني العميق والمستفيض الذي يبني الكفاءة. لذا، فإن مهمتك هي حماية المساحة المخصصة للتفكير العميق، وليس فقط مكافأة حجم المخرجات.

(هذا هو الجزء الثالث من سلسلة "تنمية الكفاءات المحورية حول الإنسان في اقتصاد الذكاء الاصطناعي" المكونة من أربعة أجزاء).

حافظ على أجزاء العمل الكفيلة بالتطوير

ليست كل إنتاجية منخفضة هادفة للضياع، فبعضها يستهدف التعليم.

في كتابها "فجوة الذكاء الاصطناعي: المرأة، والذكاء الاصطناعي، والقفزة الكبرى القادمة"، تحدد خبيرة القيادة إيريكا روني جوهر المشكلة قائلة: "الذكاء الاصطناعي لا يعرف من هو الكفء، بل يعرف ما هو شائع ثم يقيس عليه. وإذا ألغينا التجارب التي تكشف عن الكفاءة، فلن نفقد المواهب فحسب، بل سنطمرها بأسلوب فعال".

قبل أتمتة أي مهمة أو إنجازها عبر الذكاء الاصطناعي، تساءل عما كان سيتحصل عليه الموظف المبتدئ لو أتمها بنفسه. فالمسودات الأولى تعلم طريقة بناء الحجج، والبحث يعلم كيفية تقييم المصادر وتحديد الفجوات، والتواصل المباشر مع العملاء يعلم كيفية تبسيط التعقيدات وإدارة التوقعات. وعندما تلغي هذه التجارب سعياً وراء السرعة، فإنك تقضي أيضاً على فرص تطويرية قد يصعب تعويضها.

هذا لا يعني تجنب أدوات الذكاء الاصطناعي، بل يعني التروي والتدقيق في تحديد الخبرات التي يحتاجها أفراد فريقك لبناء حسن التقدير والتفكير النقدي. واحرص على إيجاد أوقات يتوجب فيها على الكفاءات الواعدة التفكير والتجميع بشكل مستقل قبل مراجعة مخرجات الذكاء الاصطناعي، مع إتاحة الفرص لهم للدفاع عن توصياتهم.

أعد تصميم بيئة العمل لتعزيز التواجد المباشر والرموز الإرشادية

أظهرت دراسة صدرت في يونيو 2026 عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك أن العمل عن بعد يفسر نحو 64% من الارتفاع الأخير في معدلات البطالة بين الخريجين الجدد؛ وذلك لتردد المؤسسات في توظيف كفاءات لا يمكنها تقديم الإرشاد المباشر لها بفاعلية. وقد تبين أن مهندسي البرمجيات تلقوا ملاحظات تقييمية أكثر بنسبة 20% عند عملهم بالقرب من زملائهم مقارنة بالعمل عن بعد، بل إن السير لمدة عشر دقائق بين المكاتب كان يشكل عائقاً يقلل الملاحظات بشكل ملموس.

تؤكد هذه الأبحاث حقيقة يدركها القادة بفطرتهم لكنهم لم يولوها الأهمية الكافية: التواجد المباشر محوري في التطوير المهني. وحيثما أمكن، أوجد ظروفاً تمكن الموظفين الجدد من مشاهدة ذوي الخبرة وهم يمارسون حسن التقدير عملياً. أشرك الموظفين المبتدئين في النقاشات الاستراتيجية في مراحل بكرة، ودعهم يشهدون الطبيعة المعقدة والضبابية والسياسية للقرارات، وعرضهم للتجارب الناقصة ودعهم يتعافون منها.

إن الملازمة المهنية، وجلسات العمل التشاركية، والتعديل المباشر، والتوجيه اللحظي ليست أنشطة ثانوية؛ بل هي في بيئة العمل المدعومة بالذكاء الاصطناعي الآليات الأساسية التي تعمق الخبرة.

فرق بين الثقة بالذات والكفاءة الفعلية

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يظهر الموظف في بداية مساره المهني بمظهر المصقول والمنظم بدرجة لافتة. لذا يحتاج القادة إلى تطوير حس التقدير للتفريز بين التنسيق الظاهري والجاهزية الحقيقية.

اختبر القدرة على التكيف، ولا تكتفِ بتقييم جودة المخرجات. اعرض على أفراد الفريق مشكلة لا تملك إجابة قاطعة، وراقب كيف يتعاملون مع الضبابية، أو أشركهم في نقاش تتغير معطياته في المنتصف، أو اطلب منهم شرح موضوع معقد لشخص غير متخصص. تكشف هذه السيناريوهات ما إذا كانت الكفاءة حقيقية أم استعراضية — وهذا التمييز بالغ الأهمية عندما تتخذ قرارات بشأن من هو الجاهز لتحمل مسؤوليات أكبر.

اجعل التطوير المهني معياراً لقيادة المؤسسة

تقس المؤسسات ما توليه قيمة. وإذا أردت من القادة إعطاء الأولوية لتنمية الكفاءات البشرية، فيجب أن ينعكس ذلك في طريقة تقييمهم.

وهذا يعني تقييم المديرين ليس فقط بناءً على مخرجات الفريق، بل على مسار نمو الأفراد الذين يقودونهم. هل يطور أفراد الفريق حس تقدير أكثر نضجاً مع الوقت؟ هل يبنون علاقات ومصداقية عبر قطاعات المؤسسة؟ وهل يتم إعدادهم لأدوار ذات نطاق ومسؤوليات أكبر؟ هذه أسئلة مصيرية لاستدامة المؤسسة — وتستحق نفس القدر من الاهتمام الممنوح لمؤشرات الأداء الربع سنوية.

إن القادة الذين يبنون أفراداً استثنائيين سيبنون مؤسسات استثنائية. أما القادة الذين يركزون حصراً على تحسين الكفاءة والسرعة، فسيجدون مع الوقت أنهم قد قضوا على خط إمداد المواهب الذي يحتاجون إليه.

المصدر

مقالات ذات صلة