لستَ منهكًا إلى حد الاحتراق الوظيفي، ولستَ في أفضل حالاتك أيضًا. كل ما في الأمر أنك «بخير» منذ عام كامل. وهذه تحديدًا إشارة قد لا ينتبه إليها القادة.
مرحبًا بكم في عصر «القدرة على الاستمرار».
لقد أصبحنا أكثر قدرة على التعرف إلى الحالات القصوى في طيف الرفاهية في بيئة العمل. نعرف جيدًا كيف يبدو الاحتراق الوظيفي، ونعرف علاماته التحذيرية، ولدينا برامج وتقييمات وموارد لمساعدة الأشخاص عندما يصلون إلى مرحلة حقيقية من المعاناة.
وفي الطرف الآخر من الطيف، بدأنا نتحدث بصورة متزايدة عن الازدهار في العمل: موظفون يتمتعون بالحيوية، ويجدون معنى فيما يفعلونه، ويتمتعون بدرجة عالية من التفاعل والانتماء، ويعملون في ظروف تساعدهم على تقديم أفضل ما لديهم.
لكن هناك فئة ثالثة لا تحظى بالاهتمام نفسه. إنها فئة الأشخاص الذين تبدو أمورهم على ما يرام.
هؤلاء أشخاص ينجزون أعمالهم، ويلبون التوقعات، ويمارسون الرياضة، ويحضرون إلى العمل، ويردون على الرسائل، ويبدون من الخارج في حالة جيدة.
لكنهم في الداخل يشعرون بفتور متزايد، أو بانفصال عن عملهم وحياتهم، أو باستنزاف يتراكم ببطء.
ولو سألت أحدهم عن حاله، فقد يجيبك ببساطة: «أنا بخير».
وهذه الإجابة قد تكون مطمئنة على نحو مضلل.
ثمة أمر لافت ثقافيًا في الطريقة التي اعتدنا بها على اعتبار أن مجرد كوننا «بخير» أمر طبيعي ومقبول.
ولنكن واضحين: ليس في أن تكون «بخير» مشكلة بحد ذاتها. هناك مراحل في الحياة يكون فيها مجرد الاستمرار أمرًا كافيًا ومطلوبًا. قد يمر العمل بفترة ضغط، وقد تصبح الحياة أكثر تعقيدًا، وليس مطلوبًا أن نسعى إلى تحسين كل مرحلة من حياتنا أو تحويلها إلى تجربة مثالية.
المشكلة تبدأ عندما تتحول حالة «البخير» المؤقتة إلى وضع دائم. عندما تصبح هي المستوى الذي نستقر عنده بصمت، ثم نعيد ترتيب حياتنا وعملنا حوله من دون أن ندرك أننا فعلنا ذلك.
المشكلة ليست في الحالة نفسها، وإنما في الاستنزاف البطيء الذي قد ينشأ عندما تستمر هذه الحالة طويلًا.
أشارت مؤسسة غالوب مؤخرًا إلى أمر يستحق التوقف عنده. فللمرة الأولى منذ بدء تسجيل هذه البيانات، أصبح عدد العاملين في الولايات المتحدة الذين يقولون إنهم يواجهون صعوبات أكبر من عدد الذين يقولون إنهم يزدهرون.
لكن كلمة «يواجهون صعوبات» في إطار غالوب لا تعني أن هؤلاء الأشخاص ينهارون أو يعجزون عن أداء حياتهم اليومية. إنها تشير إلى المنطقة الواقعة بين الازدهار والمعاناة الشديدة، أي حالة تتسم بعدم الاستقرار، وعدم اليقين، والاعتدال.
وهذا يعني أن الشخص قد يكون، وفق هذا التعريف، في حالة «مواجهة للصعوبات»، ومع ذلك يبدو من الخارج تمامًا مثل الأشخاص الذين نصفهم عادة بأنهم «بخير».
قد يظل ذلك الشخص هو الموظف الذي ينجز عمله، ويلتزم بمواعيده، ويحضر في الوقت المحدد، ويؤدي المطلوب منه، ولا يثير أي مشكلات تلفت الانتباه.
أن تؤدي وظيفتك ليس بالضرورة أن يعني أنك تزدهر
هناك فرق كبير بين أن يكون الشخص قادرًا على أداء مهامه، وبين أن يمتلك القدرة والطاقة والظروف التي تمكنه من تقديم أفضل ما لديه.
قد يواصل الإنسان تلبية التوقعات باستمرار، لكنه يصبح مع مرور الوقت أقل فضولًا. وقد يستمر في تحقيق النتائج المطلوبة، لكن مع طاقة أقل للإبداع. وقد يظل منخرطًا في عمله بالقدر الذي يمكنه من إنهاء أسبوع العمل، لكنه يصبح أقل استعدادًا للمجازفة، أو لتحدي الافتراضات السائدة، أو لتخيل طرق مختلفة للعمل.
قد لا يكون هناك خطأ واضح يمكن الإشارة إليه.
لكن هذا لا يعني أن كل شيء على ما يرام.
فربما يكون هناك شيء مهم مفقود.
وهنا تحديدًا تكمن صعوبة رؤية «الوسط الهائل».
فالأنظمة المؤسسية مصممة، في الغالب، لرصد الحالات الواضحة والمتطرفة. إذا تراجع أداء الموظف، فغالبًا ما يلاحظ أحد ذلك. وإذا بدأ في التغيب، فسيظهر الأمر. وإذا وصل إلى مرحلة الاحتراق الوظيفي، فقد تظهر علاماته. وإذا قرر ترك المنظمة، فسيظهر ذلك بوضوح في معدلات دوران الموظفين.
لكن ماذا عن الشخص الذي أصبح أقل حيوية قليلًا؟ وأقل ارتباطًا بعمله؟ وأقل انفتاحًا واتساعًا في طريقة تفكيره؟
قد لا يلفت هذا الشخص أي انتباه على الإطلاق.
بل قد يبدو تمامًا كموظف ناجح.
وفي الواقع، قد يكون موظفًا ناجحًا بالفعل.
المشكلة ليست في أن تكون «بخير»
ليس من السيئ أن تكون «بخير». هناك فترات في حياتنا يكون فيها مجرد الحفاظ على التوازن والاستمرار هو الإنجاز المطلوب. قد يزدحم العمل، وقد تتعقد الحياة، وقد تمر علينا مراحل لا نملك فيها الوقت أو الطاقة لإعادة اختراع أنفسنا أو السعي إلى أقصى درجات الأداء.
المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الحالة المؤقتة إلى خط أساس دائم نقبله من دون تفكير.
وعندما يحدث ذلك، قد نبدأ تدريجيًا في تصميم أعمالنا وفرقنا وبيئاتنا حول مستوى من الأداء لا يتجاوز مجرد القدرة على الاستمرار.
إذا كان الشخص قادرًا باستمرار على أداء عمله، لكنه نادرًا ما يمتلك المساحة أو الطاقة أو الظروف التي تسمح له بأن يفعل أكثر من ذلك، فإننا قد نترك قدرًا كبيرًا من الإمكانات البشرية دون استثمار.
وليس السبب بالضرورة أن أحدًا لا يهتم.
بل لأن هذا النوع من التآكل التدريجي يحدث ببطء شديد، ولذلك يصعب اكتشافه.
وهذه المسألة لا تتعلق بالرفاهية وحدها.
فالفضول عنصر أساسي في الابتكار. والمساحة الذهنية ضرورية للإبداع. والقدرة على التراجع قليلًا عن دوامة العمل والتفكير بهدوء ضرورية لاتخاذ قرارات جيدة. والشعور بالترابط والانتماء عنصر أساسي في التعاون.
وعندما تبدأ هذه الأمور في التراجع، قد لا يظهر أثرها فورًا في مؤشرات الأداء.
لكن بمرور الوقت، يمكن أن تتأثر جودة العمل، وجودة القيادة، وقدرة المنظمة على التكيف مع المتغيرات.
وهنا تكمن خطورة الأمر.
فالمشكلة قد لا تكون في أن الموظف لم يعد قادرًا على أداء عمله، وإنما في أنه لم يعد يقدم القدر نفسه من الفضول والطاقة والإبداع والقدرة التي كان يمكن أن يقدمها.
ما الذي ينبغي للقادة أن يبحثوا عنه؟
ربما نحتاج إلى توسيع نطاق الأسئلة التي نطرحها على أنفسنا وعلى فرقنا.
فبدلًا من الاكتفاء بالسؤال: «هل يعاني موظفونا من الاحتراق الوظيفي؟» أو «هل موظفونا منخرطون في العمل؟»، ربما ينبغي أن نطرح أسئلة تكشف الفرق بين مجرد أداء الوظيفة وبين الازدهار فيها.
هل لا يزال موظفونا يشعرون بالفضول، أم أنهم أصبحوا يركزون أساسًا على إكمال المهام؟
هل يساهمون بأفكار جديدة، أم أن دورهم أصبح يقتصر في الغالب على الاستجابة للطلبات؟
هل لديهم مساحة كافية للتفكير بين فترات العمل المكثف؟
هل يتطورون وينمون، أم أنهم يكتفون بمحاولة مواكبة المتطلبات؟
هل تتاح لهم فرص تجعلهم يشعرون بالحيوية والطاقة تجاه عملهم؟
وعندما تزداد الضغوط والمتطلبات، هل يتبقى لديهم شيء من الطاقة يمكنهم الاعتماد عليه؟
هذه الأسئلة لا تهدف إلى تحويل كل موظف إلى «مشروع رفاهية» يحتاج إلى المتابعة والتقييم والتدخل.
بل العكس تمامًا.
إنها أسئلة تتعلق بالظروف التي تسمح بإنجاز عمل جيد.
عندما يواجه أحد الموظفين صعوبة، غالبًا ما نبحث عن حل على المستوى الفردي. قد نطلق برنامجًا لمساعدته، أو نوفر له التدريب والتوجيه، أو نمنحه إجازة من العمل.
وفي أحيان أخرى، ننظر إلى المنظمة نفسها ونسأل: ما الذي ينبغي تغييره في طبيعة العمل أو طريقة تنظيمه؟
وكلا الجانبين مهم.
هناك ظروف يمكن للمنظمة أن تغيرها من حول الموظف، مثل حجم أعباء العمل، والأولويات، وهيكل الفرق، وممارسات الإدارة، والطريقة التي صُمم بها العمل من الأساس.
وفي المقابل، هناك أنماط شخصية لا تقل أهمية، مثل الطريقة التي يتعامل بها الفرد مع الضغوط، والكيفية التي ينفق بها طاقته، وطريقة استعادته لها، وما الذي يوجه إليه انتباهه، والعادات التي تساعده على استعادة طاقته أو تستنزفها.
والفرصة الحقيقية تكمن في التعامل مع الجانبين معًا.
فالمنظمات تستطيع أن تخلق ظروفًا أفضل تساعد الناس على أداء عملهم بصورة جيدة، والأفراد يستطيعون في الوقت نفسه أن يطوروا وعيًا أكبر بأنماطهم الشخصية وقدرة أكبر على التحكم في الأمور التي يمكنهم تغييرها بالفعل.
وهذا التكامل مهم للغاية.
فحتى أفضل بيئة عمل تصميمًا لن تستطيع إزالة كل مصادر الضغط من حياة الناس.
وفي المقابل، لن يتمكن أي قدر من تطوير الذات أو تحسين الأداء الشخصي من تعويض بيئة عمل غير مستدامة في جوهرها إلى ما لا نهاية.
لذلك، ليس الهدف هو تحميل الفرد المسؤولية عن كل شيء، ولا إلقاء المسؤولية كلها على المنظمة.
الهدف هو أن نفهم ما يقع ضمن مسؤولية كل طرف، ثم نمنح الأفراد والمنظمات الأدوات التي تمكنهم من التصرف في الأمور التي يستطيعون تغييرها.
الفرصة الحقيقية موجودة في الوسط
قد تكون أكبر فرصة أمامنا هي أن نبدأ بملاحظة هؤلاء الموجودين في «الوسط الهائل».
إنهم الأشخاص الذين تسير أمورهم على ما يرام، لكنهم يستطيعون أن يكونوا أفضل حالًا.
إنهم الأشخاص الذين لا يطلبون المساعدة لأنه لا يوجد شيء واضح يبدو خاطئًا.
إنهم الأشخاص الذين يؤدون عملهم بكفاءة، لكنهم ربما قلصوا تدريجيًا مقدار ما يقدمونه من أنفسهم في العمل وفي الحياة.
وهم الأشخاص الذين تكيفوا ببراعة مع المتطلبات المحيطة بهم، إلى درجة أن قدرتهم على التكيف نفسها أصبحت غير مرئية.
وهذا ما نراه أيضًا في البيانات.
في عملي في شركة MEvolution، أقيس هذه الظاهرة على نطاق واسع من خلال «مؤشر إدارة الطاقة» المعروف اختصارًا باسم EMQ. وهو تقييم يحدد موقع الشخص على امتداد متصل من حالات القدرة، يبدأ من الاستنزاف، ويمر بالقدرة على الاستمرار، وصولًا إلى الازدهار. كما يحدد الأنماط المحددة والقابلة للتغيير التي تقف وراء وصول الشخص إلى الحالة التي هو عليها.
وعبر مختلف القطاعات، تروي البيانات القصة نفسها.
معظم الناس لا يتمركزون عند أحد طرفي الطيف.
إنهم موجودون في وسط هش.
إنهم قادرون على أداء وظائفهم، ويحققون النتائج المطلوبة، ويشعرون بأنهم في حالة جيدة أحيانًا، لكنهم في الوقت نفسه يعملون بهامش أقل بكثير من الطاقة والقدرة مما قد يوحي به مظهرهم الخارجي.
وهذا مهم جدًا للقادة.
فالمسألة ليست محاولة جعل الجميع أكثر سعادة أو أكثر إنتاجية طوال الوقت.
وليست الغاية أن نحول مكان العمل إلى مساحة لا يشعر فيها أحد بالضغط أو التعب.
بل الغاية هي أن ندرك أن القدرة على الاستمرار تمثل حدًا أدنى يمكن الوصول إليه، وليست بالضرورة الوجهة التي ينبغي أن نتوقف عندها.
فالمنظمة الصحية ينبغي لها بالتأكيد أن تساعد الناس عندما يواجهون صعوبات.
لكن عليها أيضًا أن تخلق الظروف التي تسمح للأشخاص الذين تبدو أمورهم «على ما يرام» بأن يظلوا فضوليين، وقادرين، ومرتبطين بعملهم، وقادرين على تقديم أفضل ما لديهم.
وربما لهذا السبب، فإن السؤال الحقيقي ليس: «هل يعاني موظفونا من الاحتراق الوظيفي؟»
وليس حتى: «هل يزدهر موظفونا؟»
ربما يكون السؤال أبسط من ذلك، لكنه في الوقت نفسه أصعب مما يبدو.
إذا كان هناك شخص في فريقك ظل «بخير» بهدوء طوال عام كامل، يؤدي عمله، ويحضر إلى العمل، وينجز المطلوب منه، بينما أصبح تدريجيًا أقل فضولًا بقليل، وأقل حيوية بقليل، وأقل ارتباطًا بعمله، وأقل شبهًا بنفسه التي كان عليها، فهل ستلاحظ ذلك؟
والأهم من ذلك كله، هل ستعرف ماذا ينبغي أن تفعل بعد ذلك؟
