القائمة الرئيسية

لبناء قوة عاملة جاهزة للذكاء الاصطناعي، لا تقتصروا على الجامعات التقليدية

لبناء قوة عاملة جاهزة للذكاء الاصطناعي، لا تقتصروا على الجامعات التقليدية
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة الدور المحوري الذي يمكن أن تؤديه كليات المجتمع والمعاهد التقنية في إعداد قوة عاملة جاهزة لعصر الذكاء الاصطناعي، من خلال توفير تدريب عملي ومرن يستجيب بسرعة لاحتياجات سوق العمل. كما تسلط الضوء على نماذج ناجحة للشراكة بين الحكومات والمؤسسات التعليمية وشركات التكنولوجيا، وتوضح لماذا قد يكون الاستثمار في هذه المؤسسات أحد أهم مفاتيح الحد من عدم المساواة وضمان استفادة أوسع من التحول الذي يقوده الذكاء الاصطناعي.

  • تُعد كليات المجتمع والمعاهد التقنية مؤسسات أساسية لبناء قوة عاملة عالمية شاملة وجاهزة لعصر الذكاء الاصطناعي.
  • تُظهر مبادرات أمريكية مثل الائتلاف الوطني للذكاء الاصطناعي التطبيقي (NAAIC) كيف يمكن للشراكات بين القطاعين العام والخاص أن تحافظ على حداثة برامج التدريب على الذكاء الاصطناعي وتوسّع نطاقها.
  • ينبغي للحكومات تمويل هذه المؤسسات المرنة واعتبارها ركيزة أساسية في السياسات التكنولوجية والاقتصادية.

لا يزال الخبراء يختلفون بشأن الجدول الزمني وحجم الاضطرابات التي قد يُحدثها الذكاء الاصطناعي في سوق العمل، لكن هناك اعترافاً متزايداً بضرورة استعداد الحكومات لهذه التحولات. وفي رسالة مفتوحة حديثة، دعا 16 من الحائزين على جائزة نوبل وأكثر من 200 من الاقتصاديين والباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي صانعي السياسات إلى وضع الآثار الاقتصادية للذكاء الاصطناعي في صميم أولوياتهم بدرجة أكبر.

ولا تزال أكثر مقترحات سياسات الذكاء الاصطناعي طموحاً قيد التبلور، لكن هناك خطوة يمكن اتخاذها منذ الآن، وهي تعزيز مؤسسات التعليم والتدريب العامة القادرة على مساعدة العمال على الانتقال من اقتصاد اليوم إلى اقتصاد الغد. ومن شأن هذه الخطوة أن تساعد على ضمان أن تسهم هذه الموجة الجديدة من الثورة الصناعية في تعزيز الطبقة الوسطى على مستوى العالم.

وإذا اقتصرت جهود تطوير المهارات وإعادة التأهيل المهني على المدارس الثانوية والجامعات التقليدية، فلن تكون كافية. فمن أكثر الأدوات التي لا تحظى بالتقدير الكافي لتعزيز الثقافة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وتنمية المواهب المؤسسات التعليمية المفتوحة التي تقع بين مرحلة التعليم الثانوي والجامعة.

في أمريكا الشمالية، تُعرف هذه المؤسسات باسم كليات المجتمع أو الكليات التقنية. وفي مناطق أخرى من العالم، تُعرف بالمعاهد التقنية أو كليات التعليم الإضافي أو الكليات المتوسطة. ويضم هذا القطاع من التعليم ما بعد الثانوي أكثر من 24 نوعاً مختلفاً من المؤسسات حول العالم، من سنغافورة إلى سويسرا. وتركز هذه المؤسسات على احتياجات أصحاب العمل، والتعلم التطبيقي، وتوفير فرص إقليمية للوصول إلى الوظائف التي تتطلب تعليماً يتجاوز المرحلة الثانوية ولكنها لا تستلزم الحصول على شهادة جامعية تقليدية.

وتوفر هذه المؤسسات تدريباً عملياً وميسور التكلفة من خلال الدرجات التطبيقية، والشهادات قصيرة الأجل، وبرامج التدريب المهني، والمعسكرات التدريبية المكثفة، والتعلم القائم على العمل. ونظراً لأنها تخدم فئات متنوعة، من الخريجين الجدد إلى العاملين الذين يسعون إلى اكتساب مهارات جديدة في منتصف مسيرتهم المهنية، فضلاً عن كونها تتيح مساراً للانتقال إلى الجامعة، فإنها مؤهلة بصورة مثالية لدعم انتقال العمال في عصر الذكاء الاصطناعي.

وقد بدأت هذه القدرة تظهر بالفعل في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، حيث يلتحق في المتوسط 42% من طلاب المرحلة الثانوية العليا بالبرامج المهنية، فيما تُعد مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات أكثر التخصصات شعبية في برامج التعليم العالي قصيرة المدة. كما يلتحق الطلاب من الفئات الأقل حظاً بالمسارات المهنية بنسبة أعلى من أقرانهم الأكثر حظاً، وتشكل النساء نحو 44% من خريجي التعليم المهني.

الاستثمار في قدرات كليات المجتمع لتعليم الذكاء الاصطناعي

للتعامل مع تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل، يتعين على الحكومات حول العالم الاستثمار في قدرات هذه المؤسسات. ففي الولايات المتحدة، تؤدي أكثر من ألف كلية مجتمع بالفعل دوراً حيوياً في تلبية احتياجات سوق العمل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ودعم سياسات الابتكار والصناعة الرامية إلى تحفيز النمو القائم على التكنولوجيا حول التقنيات الناشئة.

ومن خلال المؤسسة الوطنية للعلوم (NSF)، تعمل الحكومة على تحديث هذه الكليات لتوسيع نطاق الثقافة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، والتعليم، وتطوير المهارات. وتقدم المبادرات الممولة من المؤسسة الوطنية للعلوم، مثل الائتلاف الوطني للذكاء الاصطناعي التطبيقي (NAAIC)، الذي تقوده كلية ميامي ديد، ومنطقة كليات ماريكوبا المجتمعية، وكلية هيوستن سيتي، نموذجاً جيداً يمكن للحكومات الأخرى الاستفادة منه.

ويمثل الائتلاف الوطني للذكاء الاصطناعي التطبيقي مجتمعاً للممارسة تديره كليات المجتمع ومن أجلها، ويعمل بشكل وثيق مع قطاع الصناعة لبناء قدراتها في مجال تعليم الذكاء الاصطناعي وتنمية القوى العاملة. ويجمع الائتلاف المناهج والمواد التعليمية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، ويدير برامج إرشاد وتوجيه بين الكليات، ويدرّب المدرسين على تدريس أحدث التطورات في هذا المجال. وحتى الآن، أسهم في تطوير مهارات أكثر من 2000 من أعضاء هيئة التدريس والموظفين في أكثر من 300 مؤسسة تعليمية في جميع الولايات الأمريكية تقريباً.

كما دخلت شركات غوغل ومايكروسوفت وأوبن إيه آي وإنتل في شراكات مع الائتلاف، وقدمت مجموعة من الموارد الخاصة بها. وخلال المؤتمر السنوي للائتلاف في فبراير، أشاد أنشول سوناك، المدير العالمي ورئيس برامج الجاهزية الرقمية في إنتل، باستثمارات المؤسسة الوطنية للعلوم في مبادرات مثل الائتلاف، مؤكداً أن المؤسسة أدت دوراً مهماً في بناء شراكات بين قطاع الصناعة ومؤسسات التعليم العالي في مجال الذكاء الاصطناعي، وأن ذلك كان عاملاً أساسياً في نجاح هذه الجهود.

كيف يمكن للحكومات المساعدة

يؤدي صانعو السياسات دوراً حاسماً في مساعدة كليات المجتمع على بناء هذه القدرات. وفي شهادة حديثة أمام الكونغرس الأمريكي، عرض كاتب المقال مجموعة من الأولويات لتعزيز التدريب على الذكاء الاصطناعي، وهي أولويات يمكن تطبيقها على المؤسسات التعليمية في مختلف أنحاء العالم. وتستند هذه التوصيات إلى نتائج أبحاث مستمدة من مبادرات مثل الائتلاف الوطني للذكاء الاصطناعي التطبيقي، ومسرّع كليات المجتمع في اقتصاد الابتكار، وهو برنامج أطلقه فريق الكاتب في مؤسسة «نيو أمريكا» بالتعاون مع المؤسسة الوطنية للعلوم بهدف إعداد العمال للعمل في قطاعات التكنولوجيا الناشئة.

وتشمل هذه الأولويات تحديث البنية التحتية للبيانات بحيث تتمكن الكليات من الجمع بين معلومات سوق العمل ونماذج محسنة للحصول على ملاحظات وتغذية راجعة من قطاع الصناعة، بما يساعدها على متابعة التغير السريع في الوظائف والمهارات المطلوبة. كما تشمل إنشاء آلية مستدامة تضمن مواكبة المدرسين لأحدث التطورات في الذكاء الاصطناعي وغيره من المجالات الناشئة، وتوسيع نطاق التعلم القائم على العمل، مثل التدريب الداخلي، وبرامج التعليم التعاوني، والتدريب المهني.

وتشير التوصيات أيضاً إلى ضرورة تحديث المرافق والتجهيزات المادية، وبناء شراكات مع المنظمات غير الحكومية ومقدمي خدمات شبكات الأمان الاجتماعي، وتحسين التنسيق الإقليمي بين المدارس الثانوية والجامعات والنقابات العمالية والجمعيات الصناعية والحكومات المحلية. وقد شكّل هذا النوع من التنسيق محوراً مهماً آخر في استثمارات المؤسسة الوطنية للعلوم واستراتيجية القوى العاملة الأمريكية في مجال الذكاء الاصطناعي.

ولن تقتصر فوائد هذه الاستثمارات في بناء القدرات على مجال الذكاء الاصطناعي وحده. فالاستثمار في كليات المجتمع يمثل أيضاً عنصراً أساسياً لدعم الاقتصاد الحيوي، ومنظومات الحوسبة الكمية، والتحول نحو الطاقة النظيفة، واقتصاد الرعاية العالمي.

التعلم عبر الحدود

ولا يتعين على الكليات خوض هذه المهمة بمفردها. فبدعم مالي من شركة كوغنيزانت ومؤسسة سيريل تايلور الخيرية، قامت رابطة أمناء كليات المجتمع (ACCT)، التي تمثل أكثر من 6500 عضو في مجالس الأمناء عبر ألف كلية حول العالم، بتجربة نموذج يتيح للمؤسسات التعليمية في مختلف الدول التعلم من بعضها البعض.

وفي عام 2025، قامت الرابطة برسم خريطة للمشهد العالمي لكليات المجتمع. واليوم، يعمل «الائتلاف العالمي للقوى العاملة» التابع لها على ربط كليات المجتمع الأمريكية بنظيراتها الدولية، ليس فقط لتوسيع فرص الدراسة في الخارج، بل أيضاً لتعزيز تنمية القوى العاملة بالشراكة مع قطاع الصناعة. وقد دعم الائتلاف بالفعل مجموعات من كليات المجتمع في الولايات المتحدة والهند والمملكة المتحدة للتعاون مع الشركات في قطاعات مثل تكنولوجيا المركبات الكهربائية والبناء المستدام.

ويركز الائتلاف بصورة متزايدة على دمج الذكاء الاصطناعي في مجموعة واسعة من البرامج، من التمريض إلى الميكاترونكس. ويؤكد أميت ب. سينغ، رئيس كلية إدموندز، أن التبادلات الدولية تسرّع الابتكار من خلال إتاحة الوصول إلى أفكار وشراكات وممارسات ربما لم يكن من الممكن تطويرها بشكل منفرد، مضيفاً أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل جميع الاقتصادات، ولذلك فإن التعلم من النظراء حول العالم يساعد المؤسسات على التحرك بسرعة أكبر واتخاذ قرارات أفضل.

لن يضمن التقدم التكنولوجي وحده دائماً تحقيق الازدهار المشترك. أما الدول التي تستثمر في كليات المجتمع والمؤسسات المماثلة لها، فستكون أكثر قدرة على الحد من مخاطر اتساع عدم المساواة الناتجة عن الاضطرابات التي يحدثها الذكاء الاصطناعي، وضمان حصول الطبقات الوسطى على حصة أكبر من مكاسب عصر الذكاء الاصطناعي، وتلبية احتياجات سوق العمل من المواهب للوظائف الحالية والمستقبلية. ولذلك، ينبغي النظر إلى تعزيز المؤسسات المشابهة لكليات المجتمع باعتباره ركيزة أساسية في السياسات التكنولوجية العالمية.

المصدر

مقالات ذات صلة