- قد يسهم الذكاء الاصطناعي في تحسين الإنتاجية على المدى القصير، لكنه في الوقت نفسه يهدد المسار الذي يُنتج الكفاءات التقنية الخبيرة في المستقبل.
- مع تولّي الذكاء الاصطناعي المهام الروتينية، يتعين على الشركات تنمية المهارات التقنية المتعمقة، والمعرفة بالمجال، وفهم هندسة الأنظمة، وحسن التقدير، والقدرة على تنسيق عمل أنظمة الذكاء الاصطناعي.
يجب أن تتطور أساليب التدريب بالسرعة نفسها التي يتغير بها العمل، من خلال إعادة تصميم أصحاب العمل والمؤسسات التعليمية لمسارات التطور المهني في بداية الحياة الوظيفية، بحيث تركز على الخبرة في بيئات الإنتاج الفعلية، والمعرفة المتخصصة بالمجال، وحسن التقدير، وأساليب العمل المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
من خلال عملي مع مئات فرق تطوير البرمجيات، بدأت ألاحظ بعض الأنماط قبل أن تظهر في المؤشرات العامة للشركات. ومن بين هذه الأنماط واحد يسهل إغفاله: يتولى مطوّر برمجيات كبير مهمة كان من المعتاد إسنادها إلى مطوّر مبتدئ، وينجزها بشكل أسرع بمساعدة الذكاء الاصطناعي، فتبدو دورة العمل وكأنها تسير على ما يرام.
وعلى الورق، لا يبدو أن شيئاً قد حدث بشكل خاطئ، لكن المطوّر المبتدئ الذي كان سيتعلم من تنفيذ تلك المهمة لم يعد موجوداً في المشهد.
وهذا نمط يستحق الانتباه إليه قبل أن يتحول إلى نقص فعلي في الكفاءات. ففي استطلاع «Dev Barometer» للربع الثاني من عام 2026، الذي شمل أكثر من 1,500 مطوّر برمجيات في 77 دولة، وافق 54% من كبار المطورين على أن الذكاء الاصطناعي يجعل دور المطوّر المبتدئ أقل أهمية.
لطالما اعتمدت المعرفة المؤسسية التي يمتلكها كبار المطورين على وجود مسار ينتقل فيه المطورون المبتدئون تدريجياً عبر التجارب نفسها وصولاً إلى المستويات الأعلى. لكن هذا المسار بدأ يضيق. وبدأ القطاع يحاول تحديد ما الذي سيحل محله، وتشير الإجابة الناشئة إلى ثلاثة مستويات، يرتبط كل منها برؤية مختلفة للمكان الذي ستتركز فيه القيمة مستقبلاً.
أما أكثر الاستنتاجات إثارة للقلق في اجتماع نقاشي حديث ضم 26 من كبار قادة التكنولوجيا في الولايات المتحدة، فقد تعلق بمسألة الرؤية والوضوح. إذ إن مكاسب الإنتاجية التي يحققها الذكاء الاصطناعي تخفي في الواقع تراجعاً في بناء القدرات.
تبدو مؤشرات الإنتاج جيدة تحديداً لأن الفرق التي تضم نسبة كبيرة من كبار المطورين، وتستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبحت تستوعب الأعمال التي كانت تُستخدم سابقاً لتدريب الجيل التالي من المطورين. والنتيجة هي تركّز المعرفة الحيوية لدى مجموعة صغيرة من كبار المطورين الذين تعتمد عليهم الشركات بصورة كبيرة، من دون وجود آلية واضحة لنقل هذه المعرفة عندما يغادرون.
ولا يقتصر هذا النمط على تطوير البرمجيات. فقد أظهر تحليل للمنتدى الاقتصادي العالمي حول الذكاء الاصطناعي والعمل في المستويات الوظيفية المبتدئة أن ثلاثة أرباع كبار القادة في مختلف القطاعات يتوقعون إعادة هيكلة كبيرة في الوظائف المبتدئة، أي ما يقارب ضعف النسبة المتوقعة للوظائف المتوسطة والعليا. وبذلك، كان التسلسل الهرمي للمؤسسة يؤدي في الوقت نفسه دور نظام التدريب.
ومع تقلص قاعدة هذا الهرم، لا تعود القدرات تُبنى تلقائياً. ويحدث الانقطاع في نقل المعرفة بصمت، بينما تبقى مستويات الإنتاج مستقرة إلى أن تتوقف فجأة عن ذلك.
مديرو التكنولوجيا: ثلاثة تصورات لما سيحل محل المسار التقليدي من مطوّر مبتدئ إلى مطوّر كبير
تمحورت آراء المشاركين في الاجتماع حول ثلاث رؤى لما يمكن أن يأتي بعد المسار التقليدي الذي ينتقل فيه المطوّر من المستوى المبتدئ إلى المستوى الكبير، وكل رؤية منها تعيد تعريف مفهوم الأقدمية والخبرة.
يرى الفريق الأول أن المسألة تتعلق بالتطوير المهني. فبحسب هذا الرأي، يتكوّن كبار المطورين من خلال التدرّب العملي، ومراجعة الشيفرات البرمجية، والتعامل مع الأعطال في بيئات الإنتاج، وقضاء سنوات في فهم كيفية عمل المؤسسة فعلياً. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن تقليص قاعدة المطورين المبتدئين لا يلغي التكلفة، بل يؤجلها ويضمن أن تصبح أعلى لاحقاً.
أما الفريق الثاني فيعتبر التحدي مشكلة في تصميم الوظائف. فالأدوار المبتدئة لا تختفي بالضرورة، وإنما تتغير طبيعة المهام التي يُطلب من أصحابها تنفيذها. فالذكاء الاصطناعي يتولى المهام الروتينية التي كانت تشغل السنوات الأولى من مسيرة المطوّر المهنية.
وبدلاً من ذلك، يجب تدريب المطورين المبتدئين على فهم المجال نفسه، سواء كان ذلك يتعلق بالعميل، أو بنموذج الأعمال، أو بالبيئة التنظيمية والتشريعية. وكما عبّر أحد مديري التكنولوجيا عن ذلك: «تتغير التقنيات المستخدمة بمرور الوقت، لكن المعرفة بالمجال تتراكم وتتزايد قيمتها».
أما الفريق الثالث فيرى أننا أمام تحول هيكلي. فمع تولّي الذكاء الاصطناعي حصة متزايدة من مراحل البناء والتنفيذ والتسليم، تنتقل القيمة إلى اتخاذ القرار، وهندسة الأنظمة، والمعرفة بالمجال. وسيكون مطوّر البرمجيات الكبير في المستقبل بمثابة منسّق يوجّه وكلاء الذكاء الاصطناعي ويحوّل المعرفة المؤسسية إلى عمليات موثقة. وهنا تصبح الأقدمية المهنية مرتبطة بالقدرة على إدارة قوة عمل رقمية والإشراف عليها.
ولا أرى أن هذه التصورات متنافسة. فهي ثلاثة مستويات من الاستثمار نفسه في المهارة التقنية المتقنة، وفهم المجال، وحسن التقدير. كما تحذر جميعها من أن مؤشرات الإنتاجية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تخفي وراءها تراجعاً في مسار إعداد الكفاءات.
ويصبح هذا الفقد أكثر وضوحاً عندما يغادر كبار المطورين ولا يكون هناك من هو مستعد لتولي المعرفة والمسؤوليات من بعدهم. وحتى قبل الوصول إلى تلك المرحلة، قد تظهر المشكلة في صورة احتراق وظيفي، أو تعطل في خطط التعاقب الوظيفي، أو اعتماد مفرط على عدد محدود من الأفراد.
كبار المطورين: الكفاءات التقنية لا تزال عنصراً أساسياً
يكشف الاستطلاع نفسه عن أمر مشترك بين الرؤى الثلاث. فعندما سُئل كبار المطورين عن المهارة الأهم بالنسبة إلى المطوّر المبتدئ في عصر الذكاء الاصطناعي، جاء التفكير النقدي في المرتبة الأولى بنسبة 25%، متقدماً على الإلمام بالذكاء الاصطناعي الذي اختاره 18%.
كما احتلت المعرفة الأساسية والقدرة على تحليل المشكلات وتقسيمها إلى أجزاء مراتب متقدمة، ما يشير إلى أن كبار المطورين يمنحون أهمية كبيرة لمهارات التفكير والاستدلال التي تدعم الاستخدام الفعال للذكاء الاصطناعي.
وأظهر المطورون المبتدئون توجهاً مشابهاً.
فقد اختار 48% منهم التفكير التحليلي وحل المشكلات باعتبارهما المهارتين الأكثر قيمة في سوق العمل اليوم، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف نسبة الـ18% الذين اختاروا إتقان أدوات الذكاء الاصطناعي.
والكفاءات التي يقدّرها سوق العمل أكثر من غيرها هي في الأساس المهارات التي لطالما كانت في صميم التدريب التقني. لكن التحدي يكمن في الفارق بين سرعة قدرة برامج التدريب على التكيف وسرعة إعادة الذكاء الاصطناعي تشكيل الممارسة المهنية.
فقد غيّر الذكاء الاصطناعي التوليدي توقعات سوق العمل بشأن الكفاءات المطلوبة خلال أقل من 18 شهراً، بينما لم تُصمم معظم أنظمة التدريب الرسمية لتحديث المناهج وأساليب التعليم بهذه السرعة.
ما المهارات التي يجب تطويرها بالتوازي مع زيادة الإنتاج بفضل الذكاء الاصطناعي؟
عندما سُئل المطورون المبتدئون عن المجالات التي ينبغي أن يركز عليها تدريبهم بصورة أكبر، اختار 49% منهم الخبرة في المشاريع الواقعية، لتكون بذلك الإجابة الأكثر شيوعاً بفارق واضح. وهذا يؤكد حاجة أصحاب العمل والمؤسسات التعليمية إلى التعاون بصورة أوثق، وربط التدريب التقني بالمشاريع الحقيقية، وبرامج التدريب العملي، والبرمجة في ظروف وبيئات إنتاج فعلية.
لكن مجرد توفير هذه الخبرات ليس كافياً إذا لم تتغير طبيعة التجارب التي يتعرض لها المطورون المبتدئون. فالذكاء الاصطناعي أصبح يتولى الأعمال الروتينية التي كانت تحدد سنواتهم المهنية الأولى. وما يحل محل هذه المهام هو التعمق في معرفة المجال، وهي معرفة تتراكم قيمتها حتى مع تغير التقنيات المستخدمة بمرور الوقت. وهذا ما أراه بالفعل داخل فرقنا.
فكبار المطورين لدينا يقضون بالفعل وقتاً أقل في كتابة الشيفرة البرمجية، ووقتاً أطول في تنسيق عمل أنظمة الذكاء الاصطناعي، ومراجعة مخرجاتها، وتحويل المعرفة المؤسسية إلى عمليات قابلة للتكيف. وهذا الشكل الجديد من الأقدمية والخبرة المهنية موجود بالفعل.
وقد وصف المشاركون في الاجتماع ثلاثة مستويات للاستثمار نفسه. أما بالنسبة إلى المسؤولين التنفيذيين، فالسؤال الذي يجمع بين هذه المستويات هو: هل تسهم الإنتاجية التي نحققها اليوم أيضاً في بناء المهارة، وفهم المجال، وحسن التقدير التي ستحتاج إليها فرق الغد للإشراف على ما ينتجه الذكاء الاصطناعي؟
إذا كان الرقم الوحيد الذي يرتفع هو حجم الإنتاج، فهذا يعني أن مسار بناء الكفاءات يتآكل من تحته.
وفي المرة المقبلة التي يتولى فيها مطوّر كبير بهدوء مهمة كانت تُسند سابقاً إلى مطوّر مبتدئ، بينما تبدو دورة العمل وكأنها تسير بشكل طبيعي، لا تسألوا فقط ما إذا كانت المهمة قد أُنجزت. اسألوا أيضاً: ما الذي تم بناؤه داخل الفريق، وليس فقط داخل المنتج؟
