القائمة الرئيسية

من المسؤول عن التجربة الرقمية للموظفين لديك؟

من المسؤول عن التجربة الرقمية للموظفين لديك؟
ملخص المقال

نجاح التحول الرقمي لا يعتمد على شراء أحدث التقنيات بقدر ما يعتمد على بناء تجربة رقمية فعالة للموظف، لأن المشكلات التقنية الظاهرة قد تخفي وراءها فجوات تنظيمية وثقافية أوسع؛ فحتى عندما تعمل الأجهزة والأنظمة بكفاءة، قد يظل الموظفون يعانون من الإحباط وانخفاض الإنتاجية بسبب تعقيد الإجراءات أو ضعف الدعم أو غياب الاستراتيجية. ولردم هذه الفجوة، تحتاج المؤسسات إلى التعامل مع التجربة الرقمية باعتبارها أولوية استراتيجية مشتركة بين تقنية المعلومات والموارد البشرية والعمليات، وتعيين قيادة أو فريق مسؤول عنها، والاعتماد على البيانات لرصد المشكلات التي لا يبلغ عنها الموظفون وقياس الرضا والإنتاجية، مع مراعاة الكلفة النفسية للتغيير وإشراك الموظفين وتدريبهم بدلاً من فرض التحولات عليهم. كما ينبغي النظر إلى التجربة الرقمية كعملية مستمرة تتطلب الإنصات الدائم للموظفين واستخدام التحليلات والذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالمشكلات ومعالجتها استباقياً، بحيث تتحول التكنولوجيا من مصدر للإحباط والاحتكاك إلى عامل يعزز الإنتاجية والرضا والانتماء المؤسسي.

لا يبدأ التحول الناجح من البرامج والتطبيقات، بل ينطلق دائماً من الإنسان.

دعني أشاركك هذا الموقف الواقعي: تلقت إدارة الدعم الفني تذكرتين من موظفين يشكوان من بطء شديد في أجهزة الحاسوب الخاصة بهما. وعندما بدأ فريق تقنية المعلومات في تتبع المشكلة، اكتشفوا أن هناك ثمانيمائة موظف آخر يعانون من نفس البطء تماماً، لكنهم لم يتقدموا بأي بلاغ بعد.

وهنا يطرح السؤال نفسه: هل نحن أمام خلل تقني محض، أم أمام أزمة في الجاهزية والقدرة التنظيمية؟

الحقيقة أنها أزمة تجمع بين الأمرين معاً.

بحكم عملي الطويل في تقنية المعلومات وإدارتي السابقة للنظم، أؤمن إيماناً راسخاً بأهمية توفير الأدوات الرقمية المناسبة. فالتقنيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل روبوتات المحادثة وأنظمة المعالجة الذاتية، تمنح المؤسسات قفزات هائلة في الإنتاجية والكفاءة. غير أن الاعتماد على الأدوات وحدها لا يكفي إطلاقاً إذا أردت إحداث تحسين حقيقي في التجربة الرقمية للموظف.

لماذا تتصدر التجربة الرقمية الأولويات؟

تتسبب التجربة الرقمية السيئة في هدر أوقات ثمينة وإحباط القيادات، بل إنها السبب المباشر وراء دفع نصف الموظفين للبحث عن فرص عمل أخرى أو الاستقالة بالفعل. يرى العاملون أنهم لا يستغلون سوى ستين بالمائة فقط من طاقاتهم الإنتاجية بسبب هذه العوائق الرقمية. وفي المقابل، تلمس المؤسسات حجم هذه المعاناة، بدءاً من الضغط الخانق على فرق الدعم الفني، مروراً بتحديات الترقية بين أنظمة التشغيل، وصولاً إلى المطالبة المستمرة بتمديد العمر الافتراضي للأجهزة وتقليص تكاليف تراخيص البرامج.

لهذه الأسباب، اتجهت كبرى المؤسسات نحو إيلاء التجربة الرقمية اهتماماً استثنائياً. وتتوقع مؤسسة جارتنر للأبحاث أن تتكفل خمسون بالمائة من الشركات بتبني استراتيجيات وأدوات متخصصة في هذا المجال. غير أن الخلل يكمن في اندفاع تلك الجهات نحو شراء المنصات الرقمية لحل مشكلاتها، دون أن تعنى بتبني وتطوير القدرات الداخلية الكفيلة بتحسين بيئة العمل الفعلية للموظف.

كيف نردم الفجوة التنظيمية؟

من السهل جداً ضخ الأموال في استيراد التقنيات الحديثة والأمل في أن ترتفع معدلات رضا الموظفين تلقائياً. لكن لغة الأرقام وحدها لا تصنع التغيير، ولوحات التحليل والبيانات لن تحقق أي نجاح يذكر ما لم تترافق مع تحول ثقافي شامل يمتد عبر أروقة المؤسسة كافة.

إن المؤسسات التي تتعثر في هذا المسار غالباً ما تمتلك البنية التقنية المطلوبة، لكنها تخفق بسب غياب الاستراتيجية الواضحة، والهيكلة المناسبة، والمسؤولية المحددة. وتؤكد جارتنر في هذا الصدد أن ثلاثة أرباع المؤسسات التي تفتقر لاستراتيجية رقمية منظمة ستفشل حتماً في الحد من العقبات الرقمية التي تواجه كوادرها.

وبدلاً من حصر الاهتمام في استقرار الأجهزة ومقاييس تقنية المعلومات التقليدية، ينبغي النظر إلى المشهد من منظور أوسع: كيف يشعر الموظف أثناء أدائه لعمله؟ فالمرء قد يعاني من إحباط بالغ حتى وإن كان حاسوبه يعمل بكفاءة ممتازة. إن النجاح المستدام للتجربة الرقمية لا يتحقق إلا بمعالجة الفجوات التقنية والتنظيمية معاً.

ولتحويل هذه البيانات والرؤى إلى نتائج ملموسة على المدى البعيد، يمكن الاستناد إلى المبادئ التالية:

أولاً. صياغة استراتيجية متكاملة ينبغي التعامل مع التجربة الرقمية للموظفين باعتبارها ركيزة استراتيجية للمؤسسة، وليست مجرد لوحة لمتابعة مؤشرات الدعم الفني. هذا الفهم يضمن تخصيص الموارد الكافية لتطويرها، ويفرض ربطها المباشر بالأهداف الكبرى للمنشأة. كما يجب الاهتمام بالمراحل المفصلية في رحلة الموظف، مثل مرحلة التهيئة والانضمام التي تشكل انطباعه الأول عن بيئة العمل. ولضمان شمولية هذه الاستراتيجية، لا بد من إشراك قطاعات الموارد البشرية والعمليات والإدارات المعنية جنباً إلى جنب مع فريق تقنية المعلومات.

ثانياً. تحديد قيادة مخصصة وإدارة مسؤولة بدأنا نلاحظ مؤخراً ظهور مسمى "رئيس تجربة مكان العمل"، وهو دور يستوعب ضمن مهامه البيئة الرقمية. ولكن بالنظر إلى الأهمية المتزايدة للتقنية، يجدر بالمؤسسات الخطو خطوات أبعد من خلال إسناد إدارة التجربة الرقمية إلى قيادة أو فريق مخصص بشكل صريح. فغياب المسؤول المباشر يجعل من الصعب جداً تطوير بيئة العمل أو جني الثمار الحقيقية للاستثمارات التقنية. ويُفضل أن يضم هذا الفريق كفاءات تمتلك مهارات تواصل عالية، وقدرة على التنسيق بين الإدارات المختلفة، وسجلاً حافلاً في قيادة وإدارة التغيير.

ثالثاً. التوجيه بالبيانات والمؤشرات الذكية يتطلب المسار الصحيح قياس المقاييس الأساسية كخط بداية، مثل معدلات اندماج الموظفين ونسب دوران العمل. كما يجب متابعة المؤشرات التي تعكس مستوى الرضا العام، مثل متوسط الوقت المستغرق لحل البلاغات الفنية. وتتيح بيانات الأجهزة كشف الفئات التي تعاني في صمت دون أن تتقدم بشكاوى رسمية، والذين تصل نسبتهم إلى أربعين بالمائة من إجمالي القوى العاملة. علاوة على ذلك، يساعد دمج البيانات الديموغرافية مع استطلاعات رأي الموظفين في بناء تصورات دقيقة لما تتطلبه كل فئة، كاستيعاب متطلبات جيل الشباب الذي يتطلع لبيئة عمل رقمية تماثل في سلاستها شبكات التواصل الاجتماعي.

رابعاً. مراعاة الكلفة النفسية للتغيير تشير دراسات جارتنر إلى أن ثلاثة وسبعين بالمائة من قادة الموارد البشرية يلاحظون إجهاداً واضحاً لدى موظفيهم بسبب كثرة التغييرات المتلاحقة. لقد واجه الموظفون تحولات غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، بدءاً من العمل عن بعد، مروراً بالعودة الإلزامية للمكاتب، وصولاً إلى التسارع المذهل في إقحام أدوات الذكاء الاصطناعي. ولضمان النجاح، يجب إدراك أن التغيير الحقيقي يتأتى بالعمل مع الموظفين وإشراكهم، وليس بفرضه عليهم. يقتضي ذلك منحهم المهلة الكافية والتدريب المستمر، لا سيما عند انضمامهم للمؤسسة، مع الاستفادة من الشخصيات المؤثرة داخل فرق العمل ليكونوا سفراء وداعمين لهذا التحول.

التجربة الرقمية منهج مستمر وليست محطة مؤقتة

إن بناء القدرات التنظيمية وتطويرها ليس مشروعاً ينتهي بمجرد تدشينه، فرؤية الأفراد للتقنية وتفاعلهم معها يتغير باستمرار، وتارة يحدث ذلك ببطء وتارة بسرعة فائقة. يتطلب ذلك الإنصات الدائم لصوت الموظف ومعرفة انطباعاته، والاستفادة من الأدوات الحديثة مثل حلول الرصد الذكي والذكاء الاصطناعي لمتابعة التوجهات العامة ومستويات الرضا بشكل استباقي، مما يتيح إدخال التحسينات أولاً بأول.

في عالم التكنولوجيا، ثمة متغيرات كثيرة تقع خارج نطاق سيطرتنا، لكن التركيز على ترسيخ ثقافة تنظيمية واعية بالتجربة الرقمية كفيل بتحويل التقنية من مصدر للاحتكاك والعقبات في حياة الموظف اليومية، إلى عنصر فخر واعتزاز للمؤسسة بأكملها.

المصدر

مقالات ذات صلة