كيف يمكنك تحقيق التوازن بين تجربة الموظف والتركيز على زيادة الإنتاجية؟ المسألة ليست سهلة، ولكنها ممكنة، وإليك السبيل إلى ذلك.
إن فكرة ثقافة العمل "الصارمة" ليست جديدة؛ ففي عام 2022، أقام إيلون ماسك استعراضاً بفرضه ثقافة لا تقبل المساومة في شركة تويتر. وقبل ذلك، وخلال طفرة شركات التكنولوجيا في التسعينيات، اشتهر وادي السيليكون بأسلوب العمل على مدار الساعة، وإن كان المصطلح المفضل حينها هو "السعي الحثيث" وليس "الصرامة".
مؤخراً، عادت نقاشات العودة إلى المكاتب مصحوبة بنبرة واضحة مفادها أن "وقت اللعب قد انتهى". وفي مذكرات جرى تداولها على نطاق واسع، قال جون ستانكي، الرئيس التنفيذي لشركة إيه تي أند تي، للموظفين: "نحن ندير أعمالاً ديناميكية تتواجه مباشرة مع العملاء، ونعالج مبادرات ضخمة وشاقة. وإذا كانت المقتضيات التي تفرضها هذه الديناميكية لا تتوافق مع رغباتك الشخصية، فمن حقك التام البحث عن فرصة مهنية تناسب تطلعاتك واحتياجاتك".
طريق مختصر لارتفاع معدل دوران الموظفين
لقد ضربت ثقافة العمل الصارمة، التي تتسم بالضغط الشديد لتحقيق النتائج والمعايير القاسية في تقييم الأداء، جذورها في العديد من المؤسسات. فالشركات مثل تيك توك باتت توجه المدراء بعدم إظهار "اللطف الزائد" في مراجعات الأداء. ونشر سكوت وو، الرئيس التنفيذي لشركة كوجنيشن، عبر منصة إكس أن شركته "تعتمد ثقافة أداء متطرفة، ونحن نعلن عن هذا بوضوح أثناء التوظيف حتى لا تكون هناك مفاجآت لاحقاً. فنحن نتواجد في المكاتب بانتظام خلال عطلة نهاية الأسبوع، وننجز بعض أفضل أعمالنا في ساعات متأخرة من الليل".
وفي بعض الحالات، تعزز الشركات هذه الرسالة عبر تسريح من تطلق عليهم "ضعيفي الأداء" بشكل علني جداً. فعلى سبيل المثال، قامت شركة ميتا مؤخراً بتسريح 4,000 عامل بسبب الأداء دون المعياري، على الرغم من أن العديد منهم أكدوا حصولهم على تقييمات قوية سابقاً.
لكن هذا الأسلوب يعد طريقاً مختصراً لارتفاع معدل دوران الموظفين، وفقاً لـ دوغ دينرلاين، الرئيس التنفيذي لشركة بيتر وركس. وفي تصريحه لشبكة ريووركد، قال: "لا يمكننا أن ننسى أن الثقة والتعاطف والعدالة هي المحركات الأساسية لزيادة الاندماج. ولا ينبغي أن يتحول الأمر إلى مجرد فرض للسيطرة. إن الممارسات القديمة مثل خطط تحسين الأداء العقابية، والمراجعات السنوية الفردية، وحالياً ثقافات العمل الصارمة، هي ممارسات ترجح إلحاق الضرر بالروح المعنوية بدلاً من رفعها".
لقد وُضع أصحاب العمل تحت المجهر سابقاً بسبب فرضهم لثقافة تنافسية متشددة، ولم تكن النتائج مبهجة دائماً. ففي عام 2013، ألغت شركة ميكروسوفت نظام تقييم الأداء التصاعدي الصارم، والذي كان مشهوراً بخلق الحواجز بين الأقسام وتشجيع التنافس الشرس بين الزملاء. وفي الفترة ذاتها تقريباً، عزز بنك ويلز فارجو بيئة مبيعات شرسة شجعت على الاحتيال والانهيار الأخلاقي حتى انفجرت الأزمة علناً.
ومهما كان التاريخ، يجد المدراء أنفسهم اليوم في محاولة ممارسة الضغط على الموظفين، في الوقت الذي يسعون فيه للحفاظ على نوع من اندماج الموظفين. وفي واقع الأمر، يتعين عليهم التوازن بين تجربة الموظف والحاجة إلى زيادة الإنتاجية بأي ثمن تقريباً، وهو أمر ليس باليسير.
مع ذلك، تتوفر طرق لتحقيق هذا التوازن.
كن واضحاً وكن محدد
كبداية، كن واضحاً. إذا كنت تستخدم طريقة الأهداف والنتائج الرئيسية أو أسلوباً مشابهاً لقياس الأداء، فحدد الأهداف بوضوح وشفافية. لكن الوضوح وحده لا يكفي؛ فالبيئة التي يُقيم فيها الأداء يجب أن تشجع الموظفين أنفسهم على الثقة بهذا التقييم. وهذا يتطلب من المدير، من بين أمور أخرى، أن يقدم القدوة بنفسه، ويتواصل بانتظام، ويشجع العمل الجماعي.
ضع في اعتبارك أن التغذية الراجعة الإيجابية قد تكون أكثر فائدة من النقد المستمر. وأظهرت البحوث أن تقديم التقييم بالشكل المناسب يمكن أن يحفز الموظفين ويزيد الإنتاجية، وإلا فإنه قد يتركهم في حالة من الإحباط ويضر بمعدلات الإنتاج.
مراعاة الثقافة والسياق في مراجعات الأداء
إن أفضل أطر تقييم الأداء، مثل نظام التقييم الشامل بزاوية 360 درجة أو مقاييس التقدير السلوكية، توفر السياق إلى جانب التعليقات والانتقادات. ولأن هذه الطرق تجمع المعلومات من زملاء العمل، والمدراء خارج القسم، والعملاء الداخليين والخارجيين، فضلاً عن المشرف المباشر للموظف، فإنها تساعد المدراء على تقييم مهارات العامل وسلوكياته بالإضافة إلى نتائجه.
وهذا ينقلنا إلى مفهوم الثقافة. فالثقافة في هذا السياق هي مظلة تظلل السياق الذي يحدده مكان العمل نفسه: القيم المشتركة، التقاليد، المعتقدات، المواقف، فضلاً عن كيفية تصرف الأفراد تجاه بعضهم البعض. وفي الواقع، تضع الثقافة القواعد الأساسية ليس فقط لما يفعله الموظفون، بل لكيفية القيام به.
ووفقاً لـ مارك برايس، الرئيس السابق لسلسلة المتاجر البريطانية وايت روز، فإن الثقافة طريق ذو اتجاهين. وذكر برايس لصحيفة الغارديان أن الموظفين يستحقون أجراً عادلاً، والأدوات اللازمة لعملهم، والشفافية، والاحترام، والفرص. وفي المقابل، يجب على الموظفين الالتزام بتقديم أفضل ما لديهم، والتحلي بالإيجابية، والتواجد في العمل في الوقت المحدد، ووضع المصلحة العليا لشركتهم في الاعتبار. وأضاف أن هذه العلاقة تساعد في تسليط الضوء على المجالات التي يمكن للموظفين التحسن فيها، أو الأماكن التي يحتاجون فيها إلى التدريب، أو ما إذا كان ينبغي لهم التفكير في شغل موقع جديد داخل الشركة أو خارجها.
الإيمان بنمو الموظف
يجب أن تشجع الثقافة المؤسسية أيضاً عقليَة النمو. فالتقييمات الضيقة تنظر إلى الخلف، وتميل إلى التركيز على الأداء كما هو في حاضره؛ حيث يُشاد بالموظفين للحفاظ على أدائهم أو يُنتقدون إذا تراجع. بينما تأخذ عقلية النمو بعين الاعتبار أموراً مثل التعلم، والقدرة على التكيف، والإمكانات الواعدة.
كما أن عقليات النمو تعود بالنفع على الشركة نفسها. فقد أشار 64% من التنفيذيين في استطلاع أجرته منصة تالنت إل إم إس إلى أن عقلية النمو ساهمت في تحسين الإنتاجية والأداء، بينما أكد 58% منهم أنها رفعت من اندماج الموظفين ورضاهم، وأفاد 48% من المشاركين بأنها زادت من الربحية.
مصائد يجب تجنبها
مع كل ما قيل، هناك بعض المصائد التي يجب تجنبها.
أولاً، لا تفقد رؤية السلامة النفسية للموظفين، وهي الشعور بالدعم من قبل أصحاب العمل بما يتيح لهم التحدث بحرية، والاعتقاد بأن أصواتهم مسموعة، وتلقي توجيهات واضحة، ومنحهم الأدوات التي يحتاجونها للنمو والتطور والقيام بمساهمات ذات قيمة.
وكما كتب دونالد طومسون وبوب باتشيلور مؤخراً، فإن السلامة النفسية "لا تقوض المساءلة، بل تخلق أساساً لتعزيز الابتكار والإبداع والتعاون، وهي السمات الأساسية التي تساعد في إرساء التميز في مكان العمل".
يمكن للثقافات الصارمة أيضاً أن تؤدي إلى "عقاب الأداء" أو " الترقية الصامتة"، حيث يُمنح الموظفون ذوو الأداء العالي مسؤوليات إضافية دون حوافز إضافية، وهو ما يعد عقاباً فعلياً للعمل الجيد. وفي حين قد يرى المدراء أن إسناد المسؤوليات الإضافية طريقة لمكافأة الموظفين، فإنها في الواقع مسألة محبطة؛ إذ يرى الموظفون أن أنفسهم يبخسون حقهم وأن الشركة تحاول الحصول على المزيد من العمل مقابل نفس القدر من التعويض المالي.
إن التعامل مع ثقافة العمل الصارمة يتطلب من المدراء الموازنة بين الموضوعية والتعاطف. وفي حين أن القياس والمساءلة أمران أساسيان، فإن الوضوح والدعم والسلامة النفسية وجودة التغذية الراجعة والعدالة والتركيز على نمو الموظف لا تقل أهمية. إن التقييم الفعال للموظفين في بيئة صارمة لا يتعلق بالخيار بين التعاطف أو التميز، بل يتعلق بتحقيق كليهما معاً.
