القائمة الرئيسية

نهاية ثقافة الشركات كما عهدناها

نهاية ثقافة الشركات كما عهدناها
ملخص المقال

لم تعد الثقافة المؤسسية مجموعة من الامتيازات المكتبية والأنشطة الترفيهية، بل أصبحت بنية أساسية تحدد كيفية تحقيق الأداء واستدامته، إذ تتجسد في القرارات اليومية، وطريقة تعامل المديرين مع الأخطاء والأخبار الصعبة، ووضوح الأولويات، وحرية إبداء الرأي، وآليات استخدام الذكاء الاصطناعي. ومع تراجع رموز الثقافة التقليدية بسبب العمل الهجين وضغوط الكفاءة والتحول التقني، يجب ألا يتراجع الاهتمام بجوهرها، لأن الثقة والانتماء والوضوح ليست نقيضاً للإنتاجية بل شروطاً لها. وتكتسب الثقافة مصداقيتها عندما تتطابق القيم المعلنة مع الممارسات الفعلية؛ فلا معنى للحديث عن الابتكار إذا عوقبت التجارب الفاشلة، أو التمكين إذا ظلت القرارات خاضعة للمراجعة المستمرة، أو الشفافية إذا غاب سياق القرارات المهمة. ويؤدي المديرون الدور الأهم في ترجمة هذه القيم إلى تجربة يومية، ما يجعل دعمهم وتزويدهم بالوضوح والمهارات والاستقلالية ضرورة لبناء ثقافة متماسكة، مع الحاجة إلى قياسها بصورة مستمرة لا عبر استطلاعات سنوية فقط. وفي ظل إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي للوظائف والهياكل واستمرار تغير أنماط العمل، تصبح الثقافة مصدر المرونة والصمود الذي يمنح الموظفين وضوحاً بشأن كيفية اتخاذ القرارات والتعامل مع بعضهم والقيم التي تظل ثابتة عندما يتغير كل شيء آخر.

لم تعد المسألة مفاضلة بين الثقافة المؤسسية ومستوى الأداء، بل أصبحت الثقافة هي الموجه الأول لكيفية تحقّق هذا الأداء وصياغته.

طاولة "الفوسبول" التي ملأت المكاتب يوماً، أضحت اليوم مجرد مادة فاكهة ومزاح.

لسنوات طويلة، ظلت الشركات تتغنى بامتيازات المكاتب، والهدايا الترويجية المزينة بشعار الشركة، وجلسات الترفيه وال فعاليات الاجتماعية، باعتبارها أدلة ساطعة على قوة ثقافتها. كان المتقدمون للوظائف يتجولون بين مكاتب تزخر بالوجبات الخفيفة، ويستمعون لوعود برحلات سنوية ممتعة، بينما يتسلم الموظفون قمصاناً طُبعت عليها شعارات القيم المؤسسية.

لكن تلك المظاهر لم تكن يوماً هي الثقافة بحق. هل كانت تعكس شيئاً منها؟ ربما، في بعض الأحيان. لكنها في أغلب الأوقات كانت ستاراً مريحاً يسمح للمؤسسات بالظهور بمظهر المهتم بالموظفين، دون أن تكبد نفسها عناء العمل الأشق: بناء الثقة ورسم توقعات واضحة للجميع.

قضيت عقوداً من مسيرتي المهنية في قيادة قطاع الأفراد والثقافة قبل أن أتولى منصبي الحالي كرئيسة لشركة "أب سبيس". ولم أؤمن يوماً بأن ميزة مكتبية قادرة على نقل شعور العمل الحقيقي داخل أي مؤسسة. فالمرء يلمس الثقافة في اللحظات المفصلية الحازمة: كيف يتصرف المدير عندما يقع خطأ ما؟ هل يتحدث القادة بشفافية عن الأخبار الصعبة؟ أي الآراء تؤخذ على محمل الجد؟ وهل تصمد القيم المعلنة على الجدران أمام ضغوط ربع سنوي مليء بالتحديات؟

توارَت الرموز، فتراجع الالتزام

اليوم، غابت معظم تلك الرموز التقليدية؛ فالعمل أضحى أكثر تشتتاً وتوزيعاً، ونادراً ما تجتمع الفرق في مكان واحد أو تعيش التجربة ذاتها. الميزانيات أصبحت تحت مجهر الرقابة الصارمة، وتركيز القادة المنطقي ينصب على الأداء، في حين اقتحم الذكاء الاصطناعي الواجهة، فارضاً أسئلة مصيرية حول الإنتاجية، والمهارات، والهياكل التنظيمية، ومستقبل الوظائف نفسها.

ولكن المؤسف أنه مع تواري تلك الرموز، سمحت بعض المؤسسات لجوهر الالتزام بالتراجع والاندحار معها.

قلّ الحديث عن الثقافة اليوم، وأصبح يطرح باستحياء وكأنه اعتذار، لدرجة أن الاهتمام بتجربة الموظف بات يُقرأ وكأنه غياب للانضباط المهني والتجاري. وسرعان ما تحولت المحادثات من مفاهيم الانتماء والتواصل إلى أرقام الكفاءة ومعدلات الإنتاج.

وهذا لعمري تقْسِيم زائف؛ فالثقافة ليست معزولة عن الأداء، بل هي البيئة التي تنبت فيها الإنتاجية وتتشكل.

يرى الباحثون في كلية إدارة الأعمال بجامعة ستانفورد أن الثقافة أداة إدارية صارمة، وليست مجرد رفاهية لصنع مكان عمل لطيف. فالثرة القوية هي التي توحد الأفراد حول السلوكيات المطلوبة لتنفيذ استراتيجية الشركة، لا سيما في اللحظات التي يغيب فيها القائد عن توجيه القرارات التفصيلية.

وهي النتيجة ذاتها التي خلصت إليها "ماكينزي" في تقريرها لعام 2026 عن حالة المؤسسات؛ إذ ربطت البحوث بين الأداء المستدام والقوة التنظيمية التي تشمل الممارسات الإدارية، والأنظمة، والثقافة، وسلامة الموظفين. إنها البنية التحتية التي تجعل النجاح أمراً قابلاً للتكرار.

غير أن الواقع يشير إلى غياب هذه البنية التحتية في كثير من الأحيان؛ إذ تؤكد دراسات "غالوب" أن 20% فقط من الموظفين حول العالم كانوا مندمجين كلياً في عملهم خلال عام 2025، ما كبّد الاقتصاد العالمي خسائر في الإنتاجية تُقدّر بنحو 10 تريليونات دولار.

ما زالت الثقافة حاضرة ومؤثرة، ولكن السؤال الفعلي: هل لدى القادة الاستعداد للتعاطي معها بذات الجدية والحزم اللذين يُمنحان للتكنولوجيا، والأداء المالي، وخطط النمو؟

أين يلمس الموظفون الثقافة اليوم؟

لم يكف موظفو اليوم عن البحث عن الثقافة، لكنهم باتوا يتلمسونها في مواضع جديدة.

يجدونها في نبرة المدير، وفي مرونة العمل، وفي سهولة التدفق للمعلومات. تعيش الثقافة في تفاصيل إدارة الاجتماعات، وفي طريقة شرح القرارات، وفيما إذا كان إبداء الرأي يفتح باباً للحوار البنّاء أم يشكل مخاطرة بالمستقبل المهني.

وبشكل متزايد، سيلمس الموظفون الثقافة في كيفية توظيف المؤسسة لتقنيات الذكاء الاصطناعي.

أرى كل يوم كيف تخدم التكنولوجيا بيئة العمل، لكن لا يوجد برنامج أو تطبيق قادر على منح الموظف الشعور بالثقة أو الدعم أو الانتماء؛ فهذه مسؤولية القيادة أولاً وأخيراً.

إذا وفر الذكاء الاصطناعي وقتاً للموظف، هل تُستغل تلك المساحة في عمل ذي قيمة أم تُغرق الموظف بمهام إضافية؟ وعندما تتغير الأدوار، هل يسمع الموظف ذلك من قائد موثوق أم عبر الشائعات؟ توفر التكنولوجيا البيانات، فهل تُستخدم للدعم والتمكين أم للمراقبة والترصد؟ كل قرار من هذه القرارات يحمل رسالة كاشفة.

القرارات اليومية هي التي تحيي القيم

لا تتلاشى ثقافة الشركة لمجرد أن القادة كفّوا عن الحديث عنها، بل إنها تتشكل حينها بعشوائية ودون قيد. والفرصة الحقيقية تكمن في إدارتها بنفس الانضباط المطبق على الاستراتيجية التشغيلية، بحيث تغدو الثقافة محركاً للنجاح التجاري وظاهرة في الممارسات اليومية.

شاهدت على مر السنين العديد من القيم المؤسسية المحررة بكلمات برّاقة مثل "الابتكار"، "النزاهة"، و"العمل الجماعي". لكن الكلمات أسهل ما يُكتب. وكما يقال إن الحب أفعال لا أقوال، فكذلك الثقافة.

إذا كان الابتكار قيمة عليا، فكيف يتعامل القادة مع فكرة واعدة تعثرت؟ وإذا كانت الثقة أساساً، فما هي القرارات التي يحق للموظف اتخاذها دون الدخول في دوامة الموافقات؟ وإذا كان خدمة العميل جوهر الاستراتيجية، فما الذي يفضله الموظف عندما تتضارب مصلحة العميل مع إجراء داخلي عقيم؟

تتجسد الثقافة واقعاً عندما يجيب الموظف عن هذه الأسئلة دون الحاجة للعودة إلى ملصق على الجدار، أو كتيب إرشادي، أو قرار من الرئيس التنفيذي.

على القادة أيضاً التثبت من مدى انسجام ممارساتهم التشغيلية مع الثقافة التي يعلنونها؛ فلا يمكن لمؤسسة أن تدعي دعم العمل التفكيري العميق بينما تمنح مكافآتها للسرعة أو للانشغال الشكلي فقط، كما أوضحت في مقالي السابق.

ولا استقامة لادعاء الشفافية بينما تُمرر القرارات المصيرية بلا سياق واضح، ولا معنى للقول بتمكين الأفراد بينما يراجع المدراء كل صغيرة وكبيرة، ولا مصداقية للحديث عن التعاون بينما يُشجع الموظفون على احتكار المعلومات أو التنافس الداخلي.

إن الموظفين يصدقون ما يرونه في النظام التشغيلي الواقعي، لا ما يقرؤونه في الشعارات.

المدراء.. صانعو التجربة اليومية

يحمل المدراء أهمية استثنائية لأنهم المترجم الفعلي لتطلعات الشركة في واقع الموظف اليومي؛ فهم من يوضح الأولويات، ويفك التشابك، ويقدر الجهود، وربط المهام الفردية بالهدف الأكبر. ورغم ذلك، يُطالب الكثير من المدراء اليوم بقيادة تحولات ضخمة بجهات مجهدة ووقتاً أضيق ودعم محدود؛ إذ يُنتظر منهم إدارة فرق هجينة، وتطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي، ورفع الكفاءة، إلى جانب إدارة أعبائهم الشخصية المتزايدة.

إذا أراد القادة ثقافة راسخة، فإن دعم المدراء ليس ترفاً، بل ضرورة حتمية. تحتاج الشركات إلى تزويدهم بالوضوح، والمعلومات النافعة، ومساحة التقدير المستقل، والمهارات الكفيلة بإدارة المحادثات الصعبة. إن أي استراتيجية ثقافية تغفل تجربة المدير لن تتجاوز جدران مكاتب الإدارة التنفيذية.

كما يجدر بالقادة مقاومة الرغبة في اختزال قياس الثقافة في استطلاع سنوي يتيح مؤشرات عامة؛ فالأصل أن الثقافة تولد وتتجدد كل يوم. تحتاج المؤسسات إلى الإصغاء المستمر، وفحص آلية سير العمل الفعلية، ورصد الفجوات بين القيم المعلنة وتجارب الموظفين الحية، بهدف معرفة ما إذا كانت البيئة تصنع مناخاً يعين الموظف على إنجاز متطلبات الاستراتيجية.

الثقافة.. درع المرونة والصمود

سيبقى هناك دائماً متسع للاحتفالات، واللقاءات الاجتماعية، وحتى تلك الهدايا التذكارية من وقت لآخر. لكن تلك الأمور لن تسد الفراغ الناجم عن غياب الأولويات، أو اضطراب القيادة، أو انعدام الثقة، أو العمل الخالي من المعنى.

إن القادة الذين يستوعبون هذه الحقيقة لن ينظروا إلى الثقافة باعتبارها حنيناً لماضٍ كان فيه الجميع تحت سقف مكتب واحد، ولا كميزة وظيفية متبقية من عصر تجاري أقل قسوة، بل سيتعاملون معها باعتبارها مكمن المرونة وحائط الصمود خلال واحدة من أكبر موجات التغيير التي تشهدها المؤسسات.

قد يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الوظائف، وديناميكيات العمل، والهياكل التنظيمية، وقد يواصل العمل الهجين رسم خريطة العلاقات المهنية، وستظل توقعات الموظفين في تبدل مستمر. وفي وسط هذا التغيير، يحتاج الأفراد إلى معرفة آلية اتخاذ القرار، وكيفية تعامل الزملاء في ما بينهم، وما هي القيم التي تعتز بها المؤسسة وتظل ثابتاً لا يتزعزع حين يتغير كل شيء آخر.

لقد تداعت الدائميات القديمة لثقافة الشركات، لكن جوهر العمل الثقافي الحقيقي لم يكن يوماً بأهمية ما هو عليه الآن.

المصدر

مقالات ذات صلة