القائمة الرئيسية

لماذا سيقود الاستثمار بين بلدان الجنوب الموجة المقبلة من رأس المال المناخي

لماذا سيقود الاستثمار بين بلدان الجنوب الموجة المقبلة من رأس المال المناخي
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يمكن للاستثمار المناخي بين بلدان الجنوب أن يقود الموجة المقبلة من رأس المال العالمي، من خلال نقل حلول وتقنيات أثبتت نجاحها في الأسواق الناشئة إلى أسواق مشابهة بدلاً من التركيز على ابتكار تقنيات جديدة. وتوضح كيف تمنح الخبرة المحلية، ونماذج التمويل المرنة، وفهم تحديات البنية التحتية هذه الشركات ميزة تنافسية حقيقية، محولةً الاستثمار المناخي من مجرد أداة تنموية إلى فرصة واعدة لتحقيق النمو والعوائد وبناء اقتصادات أكثر مرونة.

  • كثير من التقنيات المناخية التي تحتاجها الأسواق الناشئة أثبتت بالفعل جدواها التجارية؛ ولم يعد التحدي في ابتكارها، بل في تكرار نماذجها وتوسيع نطاقها.
  • غالباً ما تكون الشركات التي نشأت في بلدان الجنوب العالمي أكثر قدرة من نظيراتها في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على تنفيذ الاستثمارات المناخية وتوسيع نطاقها.
  • يمثل الاستثمار المناخي بين بلدان الجنوب فرصة تنافسية مدفوعة بالعوائد، وليس عملاً خيرياً.

على مدى معظم العقدين الماضيين، اتبعت الاستثمارات المناخية نمطاً مألوفاً، إذ تدفقت رؤوس الأموال والتكنولوجيا والخبرات من الأسواق المتقدمة إلى الاقتصادات الناشئة سعياً إلى خفض الانبعاثات وتحقيق التنمية. وقد أسهم هذا النموذج في إرساء الأسس الأولى للطاقة المتجددة والبنية التحتية المناخية في العديد من مناطق الجنوب العالمي.

لكن المرحلة المقبلة من النمو المناخي ستكون مختلفة، إذ ستتحدد من خلال توسيع نطاق الحلول المثبتة ونقلها من سوق ناشئة إلى أخرى.

فالعديد من التقنيات المناخية التي تحتاجها الأسواق الناشئة أثبتت بالفعل جدواها التجارية. وفي مختلف أنحاء أفريقيا وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وجنوب آسيا، أثبتت الشركات نجاح نماذج قابلة للتطبيق في مجالات الطاقة الموزعة، وتخزين البطاريات، والتنقل الكهربائي، وخفض الانبعاثات الصناعية، وكفاءة الطاقة، وإدارة المياه، والتكيف مع تغير المناخ. ولم يعد التحدي يتمثل في الابتكار، بل في تكرار هذه النماذج وتوسيع نطاقها.

لماذا تختلف قابلية حلول الأسواق الناشئة للتوسع؟

يعكس الاستثمار في التكنولوجيا المناخية بين بلدان الجنوب تحولاً هيكلياً في الطريقة التي يتطور بها الابتكار والبنية التحتية ورأس المال في الأسواق الناشئة، كما يمثل فرصة تجارية كبيرة تقوم على تحقيق العوائد وليس على العمل الخيري.

تاريخياً، مال المستثمرون إلى التقليل من قدرة الجهات المشغلة في الأسواق الناشئة، التي غالباً ما تكون في موقع أفضل من نظيراتها في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للتعامل مع تحديات المناخ والبنية التحتية. ويُظهر مفهوم «الابتكار المقتصد»، على سبيل المثال، أن الشركات التي نشأت في الجنوب العالمي غالباً ما تكون مصممة للعمل في بيئات تعاني ضعف البنية التحتية، وتشتت شبكات الخدمات اللوجستية، ومحدودية القدرة الشرائية للمستهلكين. ولذلك تطور هذه الشركات نماذج تشغيل تتسم بالكفاءة من حيث التكلفة والمرونة والقدرة على التكيف، وغالباً بدرجة تفوق الحلول المستوردة من الأسواق المتقدمة.

ويمنح ذلك هذه النماذج ميزة فريدة عند نقلها إلى أسواق تتمتع بظروف مماثلة. فعندما تدخل شركة هندية متخصصة في تقنيات الطاقة الشمسية الموزعة إلى شرق أفريقيا، أو تتوسع منصة للتنقل الكهربائي من جنوب شرق آسيا إلى رواندا، فإنها غالباً ما تحمل معها مخاطر تكنولوجية أقل، وتكاليف أدنى، وفهماً أعمق لكيفية التوسع في البيئات التي تعاني قيوداً في البنية التحتية مقارنة بالشركات الأجنبية التقليدية. وفي كثير من الحالات، لا تقدم هذه الشركات تقنيات جديدة، بل تنقل ببساطة نماذج أثبتت نجاحها إلى أسواق متشابهة.

وتكمن قوة هذا النموذج في جدواه الاقتصادية. فتكرار النماذج بين بلدان الجنوب يقلل من مخاطر التنفيذ لأن هذه النماذج سبق اختبارها والتحقق من نجاحها. كما يختصر الوقت اللازم لتحقيق الإيرادات، ويخفض تكاليف التطوير، ويحسن القدرة على توقع معدلات التبني، ويرفع كفاءة استخدام رأس المال.

تكرار نماذج الأعمال وليس التقنيات فقط

تدرك أنجح استراتيجيات الاستثمار المناخي بين بلدان الجنوب أن خلق القيمة في الأسواق الناشئة نادراً ما يأتي من التكنولوجيا وحدها، بل من دمج البنية التحتية والتمويل والعمليات ضمن منظومة نمو متكاملة.

لنأخذ التنقل الكهربائي مثالاً. فقد أثبتت دول جنوب شرق آسيا إمكانية توسيع نماذج المركبات الكهربائية ذات العجلتين والثلاث عجلات. وتشترك شرق أفريقيا في العديد من الظروف الهيكلية نفسها، ولذلك لا تقتصر الفرصة على تصدير المركبات، بل تشمل تكرار المنظومة الأوسع بأكملها، بما في ذلك تبديل البطاريات، والتمويل، وإدارة أساطيل المركبات، والبنية التحتية للشحن باستخدام الطاقة المتجددة.

ومن منظور استثماري، يشكل دمج البنية التحتية للطاقة عاملاً تمكينياً في حد ذاته. ففي العديد من الأسواق الناشئة، تؤدي شبكات الكهرباء غير الموثوقة وتقلب أسعار الطاقة إلى مخاطر تشغيلية كبيرة أمام الشركات التي تسعى إلى التوسع. ويمكن للمستثمرين الذين يربطون نشر التكنولوجيا المناخية بتوليد مخصص للطاقة المتجددة وحلول التخزين أن يحققوا استقراراً في تكاليف التشغيل، وفي الوقت نفسه يحسنوا قابلية الأصول للتمويل. وهكذا لا تصبح الطاقة مجرد استثمار في البنية التحتية، بل عاملاً مباشراً لتمكين النمو.

وما يجعل هذه النماذج قوية في الأسواق الناشئة هو تأثيرها الشبكي عبر الأنظمة وسلاسل القيمة. فالابتكارات التي يتم إدخالها في جزء واحد من سلسلة القيمة تولد فوائد تمتد إلى أجزاء أخرى. ويمكن للتنقل الأكثر موثوقية والأقل تكلفة، على سبيل المثال، أن يحسن وصول صغار المزارعين إلى الأسواق ويخفض تكاليف التوصيل بالنسبة للشركات الصغيرة. كما يمكن للبنية التحتية للبطاريات أن تتيح حلول التخزين البارد، مما يقلل من هدر الأغذية ويطيل مدة صلاحيتها. وبذلك يصبح التنقل عاملاً داعماً للمرونة الاقتصادية والإنتاجية على نطاق أوسع.

ولا يقتصر هذا المبدأ على قطاع التنقل. فسوق الطاقة الشمسية التجارية والصناعية في الهند يقدم مثالاً واضحاً آخر. فعلى مدى العقد الماضي، طوّر مطورو الطاقة الشمسية في الهند نماذج تشغيل قابلة للتوسع بدرجة كبيرة، تعتمد على اتفاقيات شراء الطاقة طويلة الأجل، والمشترين الصناعيين، والتنفيذ الفعال للمشروعات. وفي الأسواق التي ترتفع فيها أسعار الكهرباء، وتعاني مرافقها من قصور في الإمدادات، ويواجه قطاعها الصناعي انعداماً في أمن الطاقة، يزداد الطلب على حلول الطاقة الخاصة. وهنا أيضاً تكمن الفرصة في نقل نموذج تشغيل وتمويل أثبت نجاحه إلى أسواق ذات هياكل مشابهة، حيث يمكن تطبيقه بسهولة وتلبية احتياجات فورية.

ولا يقل أهمية عن ذلك الدور الذي يؤديه الابتكار في التمويل نفسه لتلبية احتياجات المستهلكين النهائيين. فقد نجحت بعض أبرز شركات المناخ في الأسواق الناشئة لأنها عالجت قيود القدرة على تحمل التكاليف من خلال هياكل تمويل مبتكرة، وليس من خلال اختراقات تكنولوجية. وتعد شركات الطاقة الشمسية بنظام الدفع حسب الاستخدام في شرق أفريقيا مثالاً بارزاً على ذلك. إذ لم يكن ابتكارها في الألواح الشمسية بحد ذاتها، بل في الجمع بين المدفوعات عبر الهاتف المحمول، وتمويل المستهلكين، والتوزيع اللامركزي.

وبالمثل، مكّنت نماذج «الإيداع المصغر» في أمريكا الوسطى رواد الأعمال المحليين من توزيع منتجات الطاقة الشمسية في المجتمعات النائية من خلال توفير المخزون لهم بالائتمان، مما ساعد على تقليل الحواجز المالية الأولية، وتوسيع الوصول إلى المناطق النائية، وخلق فرص دخل محلية.

أهمية تبني رؤية شاملة للأنظمة من أجل تحقيق التوسع

لا يتمثل أحد أكبر القيود التي تواجه نشر الحلول المناخية في الأسواق الناشئة اليوم بالضرورة في غياب رأس المال، بل في عدم التوافق بين رأس المال المتاح والهياكل القابلة للاستثمار. فكثيراً ما تواجه نماذج التمويل التقليدية صعوبات لأنها تنقل افتراضات المخاطر المعتمدة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أسواق مختلفة جذرياً. وفي العديد من الحالات، يقوم المستثمرون بتسعير المخاطر على نحو واسع للغاية، ويعتمدون بشكل مفرط على الاستشارات الخارجية، أو يقللون من أهمية المعرفة التشغيلية المحلية.

ويمثل ذلك بالنسبة للمستثمرين رؤية استراتيجية مهمة. فأكثر الفرص المناخية قابلية للتوسع في الجنوب العالمي غالباً لا تتمثل في تقنيات رائدة جديدة تتطلب تحمّل مخاطر مرتفعة لرأس المال المغامر، بل في نماذج أعمال أثبتت نجاحها وتحتاج إلى رأس مال للنمو، ودمج للبنية التحتية، وهيكلة ذكية للمخاطر حتى تتمكن من التوسع إلى أسواق مجاورة.

وقد بدأ بعض المستثمرين، ومن بينهم مستثمرون في منطقة الخليج، في إدراك هذه الفرصة. فبين عامي 2012 و2022، استثمرت دول الخليج أكثر من 100 مليار دولار في أنحاء أفريقيا، شملت قطاعات الطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية والموانئ والبنية التحتية الصناعية. ويبرز ذلك كيف يقوم مستثمرو الأسواق الناشئة بنقل رأس المال والخبرات التشغيلية معاً إلى البيئات التي تعاني قيوداً في البنية التحتية.

ومع ذلك، لا يزال العديد من مزودي رأس المال يتعاملون مع الأسواق الناشئة من خلال استراتيجيات مجزأة ومخصصة لكل دولة، بدلاً من التفكير في تكرار النماذج على المستوى الإقليمي. ويتطلب فهم نماذج التشغيل التي يمكن نقلها بين الأسواق التي تتشابه من حيث التركيبة السكانية وقيود البنية التحتية والخصائص الصناعية من المستثمرين التفكير بمنظور الأنظمة المتكاملة بدلاً من التركيز على المشروعات الفردية.

ميزة تنافسية وليست مساعدات

من الأهمية بمكان التأكيد أن الاستثمار المناخي بين بلدان الجنوب لا يتعلق فقط بتحقيق أثر تنموي، بل أصبح بصورة متزايدة مرتبطاً بالميزة التنافسية وقدرة الاقتصادات المحلية على الصمود. فعلى سبيل المثال، تعمل شركات المناخ في الأسواق الناشئة على بناء قدرات تشغيلية ستكون ذات أهمية كبيرة للاقتصاد العالمي في المستقبل، وتصبح محركات أساسية للقدرة التنافسية طويلة الأجل. وغالباً ما تفعل ذلك ضمن مستويات من المخاطر تتماشى مع ما قد يجده المستثمرون في الاقتصادات الأكثر تقدماً.

وقد لا يكون مستقبل الاستثمار المناخي في نهاية المطاف من نصيب الجهات التي تبتكر تقنيات جديدة بالكامل في الأسواق المتقدمة، بل ربما يكون من نصيب من يمتلكون القدرة على تحديد ما أثبت نجاحه بالفعل في اقتصاد ناشئ، ثم توسيع نطاقه في اقتصاد ناشئ آخر.

أما الذين يواصلون النظر إلى الجنوب العالمي في المقام الأول من منظور المساعدات أو رأس المال الميسر أو المخاطر المنفصلة لكل دولة، فقد يفوتون واحدة من أكبر الفرص الاستثمارية الهيكلية التي يتيحها التحول في قطاع الطاقة.

ويشارك المجلس العالمي للمستقبل المعني بترابط الطاقة الأفكار والأمثلة من خلال سلسلة «رؤى ترابط الطاقة»، التي تضم مدونات ومقالات ورسومات معلوماتية، إلى جانب أدلة موجهة لصناع القرار في القطاعين العام والخاص، وتحليلات قطاعية.

المصدر

مقالات ذات صلة