القائمة الرئيسية

كيف تقود بحيرة بيوا في اليابان مسيرة الاقتصاد الإيجابي للطبيعة

كيف تقود بحيرة بيوا في اليابان مسيرة الاقتصاد الإيجابي للطبيعة
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف تحولت بحيرة بيوا في اليابان إلى نموذج رائد للاقتصاد الإيجابي للطبيعة، من خلال إدارة متكاملة للغابات والأنهار والأراضي الزراعية والبحيرة، وربط التمويل بأهداف التنوع البيولوجي والاقتصاد الدائري، وتعزيز التعاون بين الحكومات والشركات والمجتمعات المحلية، بما يبرهن على أن حماية الطبيعة يمكن أن تسير جنباً إلى جنب مع التنمية الاقتصادية وبناء القدرة على الصمود أمام تغير المناخ.

  • تُظهر بحيرة بيوا في اليابان كيف يمكن للتعامل مع مستجمعات المياه باعتبارها أنظمة مترابطة أن يسهم في حماية الطبيعة والاقتصاد.
  • تربط آليات تمويل مبتكرة، مثل «قرض شيغا ثلاثي الروابط»، بين إقراض الشركات وأهداف حماية التنوع البيولوجي.
  • تثبت الشراكات بين مختلف القطاعات أن استعادة الطبيعة وتحقيق أثر إيجابي عليها أمران أساسيان لتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ.

تُعد البحيرات مكونات أساسية للنظم البيئية السليمة، إذ توفر موائل لعدد لا يُحصى من الأنواع، إلى جانب إمداد السكان بالمياه العذبة ودعم الاقتصادات المحلية. إلا أن البحيرات حول العالم تتعرض لضغوط متزايدة نتيجة تغير المناخ والأنشطة البشرية. فبحر قزوين، أكبر بحيرة في العالم، آخذ في الانكماش بسبب بناء السدود على الأنهار التي تغذيه، ما يؤدي إلى انخفاض تدفقات المياه إليه. وفي الوقت نفسه، أصبحت ظاهرة ازدهار الطحالب الضارة أكثر تواتراً وشدة مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية، وهو ما يؤدي إلى تدهور جودة المياه وتهديد التنوع البيولوجي.

وقد عانت بحيرة بيوا، أكبر بحيرة في اليابان، بدورها من تلوث المياه الناتج عن النمو السكاني والأنشطة الصناعية، رغم استمرار جهود الحفاظ عليها منذ عقود. تقع البحيرة في محافظة شيغا المجاورة لكيوتو، وتغطي مساحة تقارب مساحة سنغافورة. وتتدفق مياهها عبر نهر سيتا لتصل إلى خليج أوساكا على مسافة نحو 50 كيلومتراً في اتجاه مجرى النهر، كما توفر مياه الشرب لنحو 14.8 مليون شخص في كيوتو وأوساكا والمناطق المحيطة بهما.

وتُعد بحيرة بيوا أيضاً واحدة من أقدم بحيرات العالم، إذ يعود تاريخها إلى نحو أربعة ملايين عام. وباعتبارها ثالث أقدم بحيرة عتيقة في العالم، فهي موطن لـ62 نوعاً متوطناً لا يوجد طبيعياً في أماكن أخرى، من بينها سمك الشبوط «نيغوروبونا»، ما يجعلها واحدة من أكثر النظم البيئية للمياه العذبة قيمة من الناحية البيئية في اليابان.

وتحيط ببحيرة بيوا الجبال والسهول، وهي جزء من مشهد طبيعي مترابط تعمل فيه الغابات والأنهار وحقول الأرز والبحيرة نفسها كنظام بيئي واحد يُعرف باسم «نظام بحيرة بيوا». ويدعم هذا المشهد المترابط تنوعاً بيولوجياً غنياً ودورات مائية سليمة، في حين عاشت المجتمعات المحيطة بالبحيرة في انسجام مع الطبيعة لأكثر من ألف عام.

ومن الأمثلة على ذلك نظام المياه التقليدي المعروف باسم «كاباتا» في منطقة هارييه على الضفة الغربية لبحيرة بيوا. ففي هذا النظام، تُجلب مياه الينابيع مباشرة إلى المنازل، وتُستخدم بشكل متتابع في الطهي والغسل وغيرها من الأغراض المنزلية. وتقوم الأسماك باستهلاك المخلفات العضوية قبل إعادة المياه إلى البحيرة، ما يخلق نظاماً مستداماً لإدارة المياه استمر عبر أجيال متعاقبة.

لكن التوسع الحضري السريع، إلى جانب مياه الصرف الزراعي والصناعي، أدى إلى تدهور كبير في جودة مياه بحيرة بيوا منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي. ولم تقتصر تداعيات ذلك على أمن مياه الشرب، بل امتدت لتؤثر في الصناعات والمجتمعات التي تعتمد على البحيرة.

ودفعت هذه التحديات محافظة شيغا إلى تنفيذ مجموعة واسعة من المبادرات البيئية التي سبقت في مضمونها كثيراً من المبادئ التي تُعرف اليوم بمفهوم «الإيجابية تجاه الطبيعة». وبدأت هذه الجهود بحركة شعبية عُرفت باسم «حركة الصابون»، شجعت الأسر على استبدال المنظفات الصناعية بالصابون، ثم توسعت لاحقاً لتشمل استعادة أحواض القصب، ومكافحة الأنواع الغازية، والتعليم البيئي. وأسهمت هذه المبادرات مجتمعة في إشراك السكان والشركات والحكومات المحلية في حماية نظام بحيرة بيوا باعتباره منظومة بيئية متكاملة.

ربط التمويل بالأداء البيئي

من أحدث المبادرات في هذا المجال «قرض شيغا ثلاثي الروابط»، الذي أُطلق في أبريل 2026. ويجمع إطار التمويل هذا بين حكومة المحافظة والمؤسسات المالية والشركات بهدف تعزيز العمل البيئي لدى المؤسسات العاملة في محافظة شيغا. ويستهدف البرنامج بصورة أساسية الشركات الصغيرة والمتوسطة، ويربط شروط الإقراض بالأداء البيئي ضمن ثلاثة محاور هي: الحياد الكربوني، والممارسات الإيجابية تجاه الطبيعة، والاقتصاد الدائري.

وبينما ركز التمويل المرتبط بالاستدامة تقليدياً على أهداف قابلة للقياس تتعلق بخفض انبعاثات الكربون، يمثل هذا البرنامج أول إطار تمويلي في اليابان يدمج مؤشرات مرتبطة بالإيجابية تجاه الطبيعة والاقتصاد الدائري، بما في ذلك مكافحة الأنواع الغازية، والحد من هدر الغذاء، وإعادة استخدام الملابس. ومن خلال توسيع نطاق معايير تقييم الأداء البيئي، يخفض البرنامج الحواجز أمام المشاركة، ويشجع في الوقت نفسه على تبني نهج أكثر شمولاً تجاه الاستدامة.

أول مرسى على بحيرة في آسيا يحصل على شهادة العلم الأزرق

اعتمدت جهود الحفاظ على البيئة في محافظة شيغا على التعاون بين الحكومة والشركات والمجتمعات المحلية. وقد أسهمت عقود من العمل الجماعي في تحقيق تحسينات قابلة للقياس في جودة المياه وصحة النظام البيئي، بما في ذلك انخفاض تركيزات النيتروجين والفوسفور، وتراجع أعداد الأنواع الغازية، وزيادة اعتماد ممارسات زراعية صديقة للبيئة واستخدام الأخشاب المحلية.

كما حظيت هذه الإنجازات باعتراف دولي. ففي عام 2025، أصبح مرسى «يانمار سانسيت»، الذي تديره شركة يانمار، أول مرسى يقع على بحيرة في آسيا يحصل على شهادة «العلم الأزرق»، ونجح في تجديد هذه الشهادة في عام 2026. وتُعد «العلم الأزرق» واحدة من أقدم وأكثر برامج الشهادات البيئية الدولية احتراماً على مستوى العالم.

الاستثمار في الجيل القادم من القيادات البيئية

رغم هذه النجاحات، لا يزال هناك تحدٍّ ملح يتمثل في تراجع أعداد المعلّمين البيئيين والمتخصصين القادرين على نقل المعرفة المتعلقة بالنظم البيئية لبحيرة بيوا إلى الأجيال القادمة.

ولمعالجة هذه المشكلة، أنشأت محافظة شيغا «برنامج شيغا لتنمية قادة التعلم البيئي»، الذي يقدم منهجاً تدريبياً يتألف من ثماني جلسات تغطي موضوعات من بينها استعادة النظم البيئية، وجمع التمويل، والتعليم البيئي، وإدارة المخاطر. ومن خلال تزويد جيل جديد من الممارسين بالمهارات العملية، يسعى البرنامج إلى ضمان الإشراف طويل الأمد على البيئة الطبيعية في المنطقة وحمايتها.

حماية البحيرات لبناء القدرة على الصمود

تدعم البحيرات التنوع البيولوجي، وفي الوقت نفسه توفر موارد أساسية تشكل دعامة لرفاه الإنسان والنشاط الاقتصادي. ومع استمرار تغير المناخ والتنمية في إعادة تشكيل النظم البيئية للمياه العذبة، أصبحت حماية البحيرات أكثر أهمية من أي وقت مضى، ليس فقط لاستعادة التنوع البيولوجي، بل أيضاً لتعزيز الأمن المائي وقدرة المجتمعات على الصمود.

وتُظهر بحيرة بيوا كيف يمكن لإدارة مستجمع مياه كامل باعتباره نظاماً بيئياً مترابطاً أن تحقق فوائد بيئية واجتماعية واقتصادية مستدامة. كما توضح تجربتها أن التعاون بين الحكومات والشركات والمؤسسات المالية والمجتمعات المحلية يمكن أن يسرّع التقدم نحو تحقيق نتائج إيجابية للطبيعة، وفي الوقت نفسه يعزز قدرة المناطق على الصمود.

وتتيح تجربة التحول في بحيرة بيوا فرصة لإعادة التفكير ليس فقط في البحيرات نفسها، بل أيضاً في الغابات والأنهار والأراضي الزراعية والمجتمعات التي تحافظ عليها وتدعمها بوصفها أجزاء من نظام واحد مترابط. ويتطلب تحقيق مستقبل إيجابي للطبيعة التعامل مع الطبيعة ليس باعتبارها قيداً على التنمية الاقتصادية، بل أصلاً أساسياً يدعم الازدهار على المدى الطويل. وسيكون توسيع نطاق الإدارة المتكاملة لمستجمعات المياه، وتعزيز التعاون بين القطاعات، وضمان الاستثمارات المستدامة، عوامل حاسمة في بناء مجتمعات قادرة على الصمود في عالم تزداد فيه القيود المرتبطة بالمناخ.

المصدر

مقالات ذات صلة