القائمة الرئيسية

كيف يمكن لنماذج العالم أن تساعد الذكاء الاصطناعي على فهم العالم المادي والتنقل فيه

كيف يمكن لنماذج العالم أن تساعد الذكاء الاصطناعي على فهم العالم المادي والتنقل فيه
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يمكن لـ«نماذج العالم» أن تمنح الذكاء الاصطناعي قدرة أكبر على فهم البيئة المادية والتنبؤ بنتائج أفعاله قبل تنفيذها، بما قد يفتح آفاقاً جديدة في الروبوتات والقيادة الذاتية والبنية التحتية والصناعة. كما تستعرض الزخم المتزايد حول هذه التقنية، وأبرز مجالات استخدامها، والتحديات المرتبطة بموثوقية المحاكاة، لتطرح سؤالاً مهماً: هل تستطيع هذه النماذج فعلاً تقريب الذكاء الاصطناعي من فهم العالم الحقيقي؟

  • تساعد نماذج العالم الذكاء الاصطناعي على التنبؤ بكيفية تغيّر البيئة استجابةً لفعلٍ ما، ما يتيح له مقارنة الخيارات قبل اتخاذ إجراء في العالم المادي.
  • يتسارع الاهتمام بهذه النماذج مع توجه الباحثين إلى ما هو أبعد من الذكاء الاصطناعي المتمحور حول اللغة، نحو أنظمة قادرة على تتبع المكان والزمان والحالات المادية المتغيرة.
  • لكن عمليات المحاكاة الواقعية ليست موثوقة دائماً، لذلك يجب اختبار كل من النموذج وآلية التخطيط والنظام المستخدم فعلياً ومقارنتها بالنتائج في العالم الحقيقي.
  • تخيّل روبوتاً في مستودع يمد ذراعه لالتقاط طرد لم يسبق له التعامل معه. وقبل أن يتحرك، يستخدم نموذجاً تعلّمه عن البيئة المحيطة به لمقارنة عدد من الإجراءات المحتملة.

يراهن الباحثون والمستثمرون على أن هذه القدرة على التنبؤ بما قد يحدث قبل اتخاذ أي إجراء يمكن أن تجعل أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على العمل في المصانع والمركبات والبنية التحتية.

ويُشار إلى مثل هذه الأنظمة باسم «نماذج العالم»، وهي نماذج تمثل كيفية تغيّر البيئات وتتنبأ بتأثير الأفعال المختلفة فيها.

ما هو نموذج العالم؟

لا يوجد حتى الآن تعريف متفق عليه بشكل نهائي. وتصف خارطة طريق حديثة صادرة عن مختبر شنغهاي للذكاء الاصطناعي نموذج العالم بأنه تمثيل داخلي لبيئة ما ولكيفية تغيّر حالتها بمرور الوقت. ويتعلم النموذج من الملاحظات مثل مقاطع الفيديو والصور وقراءات أجهزة الاستشعار، إضافة إلى البيانات التي تربط بين الأفعال ونتائجها، ثم يتنبأ بكيفية استجابة البيئة لفعل معين.

يحاول نموذج العالم الإجابة عن سؤال عملي: إذا اتخذ وكيل ذكي إجراءً معيناً، فما الذي يُرجح أن يحدث بعد ذلك؟ ويولّد النموذج نتائج محتملة، ثم تتولى في كثير من الأنظمة آلية تخطيط منفصلة مقارنتها قبل اختيار الإجراء المناسب. ويميز تصنيف اقترحته فاي فاي لي وشركة World Labs بين ثلاثة أدوار رئيسية: تمثيل شكل العالم، ومحاكاة كيفية تصرفه، والتخطيط لما ينبغي على الوكيل الذكي القيام به.

ولا يعني التنبؤ الدقيق بالضرورة وجود فهم سببي حقيقي. فقد يتعلم النموذج أنماطاً معينة ثم تفشل هذه الأنماط عندما تتغير الظروف المحيطة.

لماذا يتزايد الزخم حول نماذج العالم الآن؟

الفكرة ليست جديدة. فقد أظهرت أبحاث سابقة، من بينها World Models في عام 2018، ونموذجا MuZero وDreamerV3، كيف يمكن للوكلاء الذكيين التعلم أو التخطيط من خلال محاكاة سيناريوهات مستقبلية.

لكن الزخم الحالي يعكس وجود فجوة في الذكاء الاصطناعي المتمحور حول اللغة. فنماذج اللغة قادرة على الاستدلال انطلاقاً من أوصاف الواقع، إلا أن معظمها لم يُدرَّب أساساً على بيانات تربط الأفعال المادية بنتائجها.

وتهدف نماذج العالم إلى تتبع المكان والزمان والحالات المتغيرة والتدخلات المختلفة. ويشير تقرير «أفضل 10 تقنيات ناشئة لعام 2026» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى عوامل من بينها توافر بيانات أكثر ثراءً عن العالم المادي، وظهور نماذج أكبر حجماً، وتطوير معماريات تتنبأ بتمثيلات مضغوطة بدلاً من محاولة التنبؤ بكل تفصيل بصري.

كما يعتمد الذكاء الاصطناعي المادي على بيانات توضح كيفية تأثير الأفعال في البيئات الحقيقية. وغالباً ما تأتي هذه السجلات من الروبوتات والمركبات وأنظمة التشغيل عن بُعد وغيرها من العمليات المادية، وليس من محتوى الإنترنت المتاح للعامة. ويحذر معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان من أن ندرة هذه البيانات قد تؤدي إلى تركيز السيطرة في أيدي المؤسسات التي تمتلك أساطيل تشغيل كبيرة أو مصادر مماثلة لبيانات التفاعل مع العالم الحقيقي.

وتتحرك الأبحاث والاستثمارات الحالية في ثلاثة اتجاهات رئيسية: تحسين القدرة على التنبؤ بالعالم المادي، وتوليد عمليات محاكاة تفاعلية، وتطوير بدائل لنموذج التوسع الذي يتمحور حول نماذج اللغة.

ويطبّق نموذج V-JEPA 2 من شركة Meta تمثيلات تنبؤية في مجال تخطيط الروبوتات، في حين يستطيع Genie 3 من Google DeepMind إنشاء بيئات تفاعلية. كما جمعت شركة AMI Labs التابعة ليان لوكون 1.03 مليار دولار لتطوير نهج يركز على نماذج العالم والاستدلال والتخطيط. وتشير تقديرات Dealroom إلى أن الشركات العاملة في هذه الفئة جمعت 3.2 مليار دولار خلال عام 2026 حتى الآن. ويعكس هذا التمويل ثقة المستثمرين بهذه التكنولوجيا، لكنه لا يمثل دليلاً على أن نماذج عالم عامة الاستخدام أصبحت واقعاً فعلياً بالفعل.

وتقول AMI Labs إنها تسعى إلى تطوير أنظمة ذكية عالمية تتمحور حول نماذج العالم. وعلى المدى القريب، قد تعمل نماذج العالم جنباً إلى جنب مع نماذج اللغة، بحيث تجمع بين الاستدلال الدلالي من جهة ونماذج قادرة على فهم المكان والحالة والأفعال من جهة أخرى.

وبدأ المفهوم أيضاً في التوسع إلى ما هو أبعد من البيئات المادية. إذ تبحث دراسات حديثة حول «نماذج العالم الاجتماعي» في إمكانية تمثيل الذكاء الاصطناعي للمعتقدات والنوايا والتفاعلات من أجل التنبؤ بالديناميكيات الاجتماعية، بينما بدأت أدوات مشابهة لمحاكاة السلوك الاجتماعي تجد طريقها إلى الاستخدام التجاري. ومع ذلك، لا يزال التنبؤ الموثوق بالسلوك الاجتماعي المعقد في العالم الحقيقي تحدياً مفتوحاً.

أين يمكن لنماذج العالم أن تحقق قيمة أولاً؟

يقدم مجال الروبوتات بعضاً من أوضح الأدلة المنشورة حتى الآن من خلال الاختبارات المعيارية. فالتدريب في العالم الحقيقي بطيء ومكلف، وقد يكون خطيراً في بعض الأحيان. وتشير Meta إلى أن نموذج V-JEPA 2 حقق معدلات نجاح تراوحت بين 65% و80% في مجموعة مختارة من مهام التقاط الأشياء ووضعها، شملت أشياء وبيئات جديدة. ومع ذلك، تظل هذه النتائج محصورة في اختبارات مخبرية محدودة النطاق.

أما القيادة الذاتية، فتوفر بيئة أوسع نطاقاً لاختبار عمليات محاكاة نماذج العالم. وتقول Waymo إن نموذج العالم الخاص بها قادر على إنشاء عمليات محاكاة قابلة للتحكم للكاميرات وأجهزة «ليدار»، تشمل أحداثاً نادرة ومسارات تم تعديلها. وقد تجعل النماذج المتعلمة إنشاء السيناريوهات وتغييرها أسهل مقارنةً بأجهزة المحاكاة التي تعتمد بصورة أساسية على بيئات يتم تحديدها يدوياً. غير أن القيمة الحقيقية لهذه النماذج ستعتمد في نهاية المطاف على مدى قدرة التحسينات التي تظهر في المحاكاة على الانتقال بشكل موثوق إلى الأداء الفعلي على الطرق.

ولا تزال الاستخدامات المتعلقة بالبنية التحتية والعمليات الصناعية أكثر افتراضية. ويعرض تقرير «أفضل 10 تقنيات ناشئة» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي مثالاً افتراضياً لميناء يستخدم البيانات التشغيلية وبيانات الطقس لاختبار خطط التحميل تحت ظروف مختلفة قبل أن يوافق عليها الموظفون. ويمكن لأنظمة مشابهة مستقبلاً أن تساعد صناع القرار على دراسة كيفية تأثير التغيرات في النقل والطاقة وغيرها من أنظمة البنية التحتية المترابطة بعضها في بعض. لكن هذه السيناريوهات تمثل في الوقت الراهن استخدامات محتملة أكثر من كونها تطبيقات مثبتة وواسعة الانتشار.

وتتمثل إحدى أبرز فرص الاستخدام التجاري على المدى القريب في خفض تكلفة ومخاطر التجارب. إذ يمكن لنماذج العالم المتعلمة أن تجعل إنشاء البيئات الافتراضية وتعديلها وتحديثها أسهل مع توفر بيانات تشغيلية جديدة. وبذلك تستطيع الفرق استبعاد بعض الخيارات قبل تخصيص رؤوس الأموال لها أو تعريض الأشخاص والمعدات للمخاطر.

وتظهر أيضاً مسألة أخرى تتعلق بالحوكمة عندما تكون الشركة نفسها هي التي توفر النظام المستقل ونظام المحاكاة المستخدم للتحقق من سلامته. ففي هذه الحالة، قد يجد العملاء والجهات التنظيمية صعوبة في التمييز بين المتانة الحقيقية للنظام وبين الأداء الجيد ضمن ظروف اختارها المورد نفسه. كما أن الإشراف البشري لا يحل هذه المشكلة بالكامل ما لم يكن المراجعون قادرين على فهم الخيارات المتاحة، والتدخل في الوقت المناسب، وتجاوز قرارات النظام عند الضرورة.

فجوة الموثوقية في نماذج العالم

ليست أخطاء المحاكاة واضحة دائماً. ويصف معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان مشكلة تُعرف باسم «فخ المعقولية البصرية»، حيث تبدو البيئة متماسكة وواقعية بصرياً رغم أنها تمثل بعض الخصائص الفيزيائية المهمة بصورة غير صحيحة.

فعلى سبيل المثال، قد يبدو روبوت في بيئة محاكاة وكأنه نجح في التعامل مع جسم معين، رغم أن كتلة هذا الجسم أو احتكاكه أو صلابته قد جرى تمثيلها بشكل غير دقيق. وقد يبدو الإجراء مقنعاً على الشاشة لكنه يفشل عند تنفيذه في العالم المادي. ويمكن أن تقوض المشكلة نفسها عمليات التقييم أيضاً؛ فعندما تُستخدم بيئة متعلمة للتدريب والاختبار معاً، قد يتكيف النظام مع افتراضات جهاز المحاكاة ويحصل على تقييم مرتفع، بينما يظل غير آمن عند مواجهة ظروف العالم الحقيقي.

ولا تزال الأنظمة الحالية محدودة من حيث نطاقها ومدة استخدامها. وتشير DeepMind إلى أن Genie 3 يدعم نطاقاً محدوداً من الإجراءات ولا يتيح سوى بضع دقائق من التفاعل المتواصل. وتحد هذه القيود حالياً من فائدته في التخطيط طويل الأمد وإجراء اختبارات سلامة موسعة.

لذلك، يجب أن تشمل عملية التقييم السلسلة بأكملها: مدى دقة تنبؤات النموذج، وما إذا كانت آلية التخطيط تختار الإجراءات المناسبة، ومدى أمان أداء النظام المتكامل في العالم الحقيقي.

ويتطلب ذلك مقارنة نتائج النماذج بنتائج واقعية، واختبارها في الحالات الاستثنائية، ومراقبتها بعد بدء استخدامها، وإتاحة أدلة الأداء لجهات مستقلة. وبالنسبة إلى التطبيقات التي تكون فيها السلامة بالغة الأهمية، ينبغي النظر إلى الأداء في المحاكاة باعتباره دليلاً أولياً وليس إثباتاً على موثوقية النظام في العالم الحقيقي.

ولا تُعد نماذج العالم ضرورية لكل تطبيقات الذكاء الاصطناعي. إذ يمكن لأدوات التنبؤ وأنظمة التحسين ونماذج اللغة المتصلة ببيانات موثوقة وأجهزة المحاكاة التقليدية حل العديد من المشكلات بتكلفة أقل.

وينبغي للمؤسسات التفكير في استخدام نموذج عالم عندما تؤدي الأفعال إلى تغييرات جوهرية في الظروف المستقبلية، أو عندما يكون إجراء التجارب في العالم الحقيقي مكلفاً أو خطيراً، أو عندما يمكن التحقق من النتائج باستخدام أدلة مستقلة، مع بقاء خيارات احتياطية آمنة متاحة. أما عندما لا تتوفر هذه الشروط، فقد توفر أساليب المحاكاة أو التنبؤ أو التحسين التقليدية حلولاً أقل تكلفة وأكثر موثوقية.

المصدر

مقالات ذات صلة