- في عام 2021، التزمت المنظمة الدولية للتقييس (ISO)، من خلال إعلان لندن، بإدماج الاعتبارات المناخية في المعايير الدولية.
- تتجلى الأهمية الحقيقية للإعلان في جانب أقل وضوحاً، لكنه ربما أكثر تأثيراً، وهو إحداث تغيير في الأسس التي تقوم عليها عملية تطوير المعايير.
- ينبغي أن تصبح الاعتبارات المناخية ممارسة متسقة في مختلف أنحاء منظومة المعايير، مدعومة بالخبرات المناسبة ومطبقة كلما كان ذلك ذا صلة.
قبل خمس سنوات، اتخذ أعضاء المنظمة الدولية للتقييس (ISO) قراراً جماعياً بسيطاً في ظاهره، لكنه بالغ الأهمية.
لم يعد من الممكن التعامل مع تغير المناخ باعتباره مسألة متخصصة تقتصر أهميتها على المعايير البيئية أو على عدد محدود من المجتمعات التقنية. بل كان لا بد من أن يصبح جزءاً من الطريقة التي نفكر بها في المعايير عبر النظام الدولي بأكمله.
وتجسد هذا القرار في إعلان لندن، الذي يمثل التزام المنظمة الدولية للتقييس بإدماج الاعتبارات المناخية في عملية تطوير المعايير الدولية الجديدة ومراجعة المعايير القائمة، وتعزيز دور العلوم المناخية في هذه العملية، وتوسيع نطاق المشاركة ليشمل المجتمع المدني والفئات الأكثر عرضة لتداعيات تغير المناخ.
وفي ذلك الوقت، كان الإعلان بمثابة تعبير مهم عن النوايا.
وبعد مرور خمس سنوات، يمكن ملاحظة أهميته الحقيقية في تحول أقل وضوحاً، لكنه ربما أكثر تأثيراً، يتمثل في تغيير الأسس التي تقوم عليها عملية تطوير المعايير.
كيف أثّر تغير المناخ في تطوير المعايير
عندما يفكر الناس في المعايير المرتبطة بالمناخ، فقد تتبادر إلى أذهانهم أولاً محاسبة انبعاثات غازات الدفيئة أو الإدارة البيئية أو الطاقة المتجددة. وهذه مجالات أساسية بلا شك، إلا أن تأثير تغير المناخ يمتد إلى نطاق أوسع بكثير.
فهو يؤثر في كيفية تصميم البنية التحتية، وإدارة سلاسل الإمداد، وإنتاج الغذاء، وتقييم المخاطر المالية، واستعداد المجتمعات للظروف البيئية المتغيرة. كما تترتب عليه آثار تطال النقل والبناء والتكنولوجيا والمياه والصحة والتصنيع، وتقريباً جميع جوانب الاقتصاد الأخرى.
وقد يؤثر أي معيار يُطوّر في أحد هذه المجالات في القرارات المتخذة لسنوات، بل وربما لعقود. إذ يمكنه التأثير في المواد المستخدمة، والمخاطر التي تستعد المؤسسات لمواجهتها، وكيفية قياس الأداء، وما يُعتبر ممارسة جيدة في الأسواق العالمية.
لذلك، فإن السؤال الذي واجه مجتمع المعايير في عام 2021 كان أكبر من مجرد التساؤل عما إذا كان ينبغي للمنظمة الدولية للتقييس تطوير المزيد من المعايير المتعلقة بالمناخ. بل تمثل في كيفية الاستفادة من العلوم المناخية وواقع التحول المناخي في صياغة المعايير كلما كان ذلك ذا صلة.
وهذا هو التحول الأعمق الذي يقف وراء إعلان لندن.
فبدلاً من التعامل مع العمل المناخي باعتباره مساراً منفصلاً، ألزم الإعلان مجتمع المنظمة الدولية للتقييس بالنظر في كيفية جعل التخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معها وتعزيز القدرة على الصمود جزءاً من عملية تطوير المعايير نفسها.
المناخ يصبح عاملاً متزايد الأهمية في تطوير المعايير
وبالانتقال إلى الوقت الحاضر، أصبحت الاعتبارات المناخية تدخل بشكل متزايد في الطريقة التي تخطط بها اللجان لأعمالها وتقيمها. وقد أظهر استطلاع أُجري عام 2025 أن غالبية اللجان الفنية التابعة للمنظمة الدولية للتقييس كانت بالفعل تدمج الاعتبارات المناخية في أنشطتها المتعلقة بتطوير المعايير، أو تخطط للقيام بذلك.
ويمثل ذلك تقدماً ملموساً، إذ يُظهر أن المناخ أصبح يُعامل بصورة متزايدة باعتباره عنصراً ثابتاً ومتوقعاً في عملية تطوير المعايير، بدلاً من أن يكون اعتباراً إضافياً لا يُنظر فيه إلا بعد الانتهاء من العمل الفني الأساسي. كما يعكس هذا التقدم حجم المهمة المطروحة.
فالمنظمة الدولية للتقييس تطور معايير تغطي نطاقاً بالغ الاتساع من القطاعات والتقنيات. وستختلف طبيعة العلاقة بالمناخ من سياق إلى آخر. فالاعتبارات المرتبطة بمراجعة معيار خاص بالبنية التحتية القادرة على الصمود تختلف عن تلك المتعلقة بمعايير التقنيات الرقمية أو الزراعة أو العمليات الصناعية.
ولا توجد إجابة فنية واحدة يمكن تطبيقها في جميع المجالات. ولكن ما يمكن توحيده هو التوقع بأن تُؤخذ العلوم المناخية في الاعتبار بصورة فعلية، وأن تُفهم المخاطر والفرص ذات الصلة، وأن تُصمم المعايير بما يتناسب مع الظروف البيئية التي ستحتاج إلى العمل في ظلها.
المعايير تخلق لغة مشتركة للعمل المنسق
تُستخدم المعايير الدولية يومياً من جانب الحكومات والشركات والمؤسسات العامة والمنظمات على اختلاف أحجامها. وهي تساعد على تحويل الأهداف العامة إلى أنظمة وعمليات ومقاييس عملية قابلة للتطبيق. وتعتمد الأهداف المناخية العالمية على القرارات المتخذة في مختلف قطاعات الاقتصاد، وتحتاج تلك القرارات إلى أدوات يمكن تطبيقها عبر المؤسسات والقطاعات وسلاسل القيمة والولايات القضائية المختلفة.
وتساعد المعايير على إنشاء اللغة المشتركة والبنية التحتية اللازمة لجعل العمل المنسق ممكناً. كما تدعم تحقيق الانسجام بين الطموحات والتنفيذ، وبين الأولويات الوطنية والأسواق الدولية، وبين اللوائح التنظيمية والواقع التشغيلي الذي تواجهه المؤسسات.
وقد أدت الشراكات أيضاً دوراً مهماً في دفع هذا العمل إلى الأمام. فمن خلال التعاون مع المنظمات الدولية والحكومات وقطاعات الصناعة والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني، عززت المنظمة الدولية للتقييس الخبرات ونطاق التأثير والعمل الجماعي اللازم لإدماج الاعتبارات المناخية بصورة أكثر فاعلية في منظومة المعايير الدولية.
ويُعد هذا الدور الرابط أمراً أساسياً. فأعضاء المنظمة الدولية للتقييس، وهم هيئات التقييس الوطنية التي تشكل المنظمة، يضطلعون بدور محوري في هذه العملية. فهم يربطون منظومة المعايير الدولية بأولويات وسياسات وأصحاب المصلحة في بلدانهم، وينقلون الخبرات المحلية إلى عملية تطوير المعايير العالمية، ويساعدون على ضمان إمكانية فهم الحلول المتفق عليها دولياً واعتمادها وتطبيقها في السياقات الوطنية.
ولهذا السبب أيضاً تكتسب المشاركة أهمية كبيرة. فالمعايير الفعالة تستند إلى طيف واسع من المعارف والخبرات. ويمكن للمجتمع المدني والباحثين والمجتمعات الأكثر تعرضاً لتأثيرات تغير المناخ تقديم وجهات نظر قد تغيب لولا ذلك عن المناقشات الفنية.
أهمية إعلان لندن في تطوير معايير تستجيب للتحديات المناخية
أقر إعلان لندن بأن المعايير المستجيبة لتحديات المناخ تحتاج إلى علوم قوية ومشاركة شاملة في الوقت نفسه. وسيظل توسيع نطاق هذه المشاركة أمراً ضرورياً مع استمرار تطور هذا العمل.
وتمثل الذكرى الخامسة لحظة مهمة للتأمل في التقدم المحرز. فالاعتبارات المناخية أصبحت مدمجة بصورة متزايدة في مختلف جوانب منظومة تطوير المعايير التابعة للمنظمة الدولية للتقييس. وقد ساعد المجتمع الفني على تحويل تعهد جماعي إلى تغيير عملي، فيما يعمل الأعضاء على ربط هذه الجهود بالأولويات الوطنية، وتستمر الأدلة في الظهور بشأن الكيفية التي يمكن من خلالها للمعايير أن تسهم في خفض الانبعاثات وتعزيز القدرة على الصمود وتحقيق نتائج أوسع في مجال الاستدامة.
لكن هذه المحطة تمثل أيضاً فرصة للتفكير في العمل الذي لا يزال يتعين إنجازه.
فالتقدم لا يزال متفاوتاً، وينبغي أن تصبح الاعتبارات المناخية ممارسة متسقة في جميع أنحاء المنظومة، مدعومة بالخبرات المناسبة ومطبقة في كل المجالات التي تكون فيها ذات صلة.
ولذلك، تركز المرحلة المقبلة على العمق والاتساق والتوسع. ويعني ذلك مواصلة دعم اللجان الفنية أثناء دراستها للظروف المناخية المتغيرة ومسارات التحول ضمن أعمالها، وضمان امتلاك أعضاء المنظمة الدولية للتقييس للأدوات والشراكات اللازمة لربط المعايير بالسياسات المناخية الوطنية.
كما يعني ذلك تعزيز المشاركة لضمان مساهمة الأشخاص والمجتمعات الأكثر تأثراً بتغير المناخ في صياغة الحلول التي يُفترض أن تدعمهم. ويعني كذلك زيادة استخدام المعايير الدولية من جانب المؤسسات والحكومات والقطاعات الصناعية التي تبحث عن مسارات موثوقة وعملية لاتخاذ إجراءات مناخية.
ومن أهم الدروس المستفادة خلال السنوات الخمس الماضية أن العمل المناخي لا يمكن أن يبقى على هامش الأنظمة القائمة، بل يجب أن يصبح جزءاً من الطريقة التي تعمل بها هذه الأنظمة.
وهذا هو الأثر الدائم لإعلان لندن، الذي بدأ بتعهد. أما الفصل المقبل من التزام المنظمة الدولية للتقييس تجاه المناخ، فسيُكتب من خلال العمل الفعلي.
