القائمة الرئيسية

كيف يؤثر الميكروبيوم في الجهاز التنفسي البشري على صحتنا؟

كيف يؤثر الميكروبيوم في الجهاز التنفسي البشري على صحتنا؟
ملخص المقال

يضم الجهاز التنفسي البشري مليارات الكائنات الحية الدقيقة التي تؤدي أدوارًا مهمة في تدريب جهاز المناعة والحماية من الأمراض، وقد أظهرت الأبحاث الحديثة أن الرئتين ليستا معقمتين كما كان يُعتقد، وأن تركيب الميكروبيوم التنفسي يختلف بين الأصحاء والمصابين بأمراض مزمنة مثل الربو والتليف الكيسي. وتركز أبحاث أريانجيلا كوزيك على بكتيريا «بريفوتيلا»، التي اكتُشف أنها قادرة على البقاء والنمو في مستويات من الأكسجين تصل إلى 5%، ما كشف خطأ تصنيفها طويلًا باعتبارها كائنًا لاهوائيًا إجباريًا وفتح الباب أمام دراسة آليات مقاومتها لتأثيرات الأكسجين. وقد تساعد معرفة هذه الآليات وفهم التفاعلات بين ميكروبات الجهاز التنفسي والجهاز المناعي في تفسير اختلاف استجابة المرضى للعلاجات التنفسية وتطوير أساليب علاج أكثر دقة. وتمتد أهمية البحث إلى ضرورة دراسة الميكروبات المتعايشة التي لا تسبب المرض، بدل التركيز على مسببات العدوى وحدها، مع الحذر من تفسير الاختلافات البيولوجية اعتمادًا على تصنيفات اجتماعية مثل العرق والإثنية، لأنها قد تؤدي إلى استنتاجات علمية مضللة.

تعد أفواهكم ورئاتكم ومجاريكم الهوائية موطناً لمليارات البكتيريا والأحياء الدقيقة الأخرى التي تشكل الميكروبيوم الخاص بجهازكم التنفسي. عندما يكون هذا مجتمع الكائنات الحية الدقيقة متوازناً بشكل جيد، فإنه يساعد في الحفاظ على صحتكم وحمايتكم من الأمراض. تدرس الدكتورة أريانجيلا كوزيك من جامعة ميشيغان في الولايات المتحدة البكتيريا التي تعيش في مجارينا الهوائية لمعرفة المزيد عنها وعن كيفية تأثيرها على صحتنا. ومن خلال اتباع فضولها وطرح الأسئلة الصحيحة، سلطت الضوء على مفارقة بيولوجية يعود تاريخها إلى قرن من الزمان وشكلت تحولاً في فهمنا للميكروبيوم في الجهاز التنفسي البشري.

تحدث كعالم أحياء دقيقة

كائن متعايش: كائن حي يعيش في كائن مضيف أو عليه ويستفيد من هذه العلاقة، بينما لا يتأثر المضيف نفعاً ولا ضراً.

الالتهاب: استجابة مناعية تساعد الجسم على شفاء الإصابات أو مكافحة العدوى، مما يسبب التورم والألم.

الميكروبيوم: مجتمع الكائنات الحية الدقيقة وجيناتها التي تعيش على جسم الإنسان وداخله.

تسلسل الجيل القادم: تقنية مخبرية عالية السرعة تسمح للعلماء بقراءة الشفرة الوراثية للعينات.

كائن لاهوائي إجباري: كائن حي لا يمكنه البقاء أو النمو في البيئات المؤكسجة.

كائن تكافلي: كائن حي يعيش في تفاعل بيولوجي وثيق وطويل الأمد مع كائن حي آخر من نوع مختلف.

قد لا تدركون ذلك، لكن ترليونات الكائنات الحية الدقيقة تعيش على بشرتكم وداخل أجسادكم. على سبيل المثال، يضم جهازكم التنفسي الذي يشمل الفم والأنف والمجاري الهوائية والرئتين مجتمعاً من الكائنات الحية الدقيقة التي تلعب دوراً معقداً في الحفاظ على صحتكم، وأحياناً تعريضها للخطر.

تقول الدكتورة أريانجيلا كوزيك من جامعة ميشيغان: "حتى وقت قريب، كنا نعتقد أن الرئتين السليمتين معقمتان ولا تحتويان على أي بكتيريا. ومع ذلك، وبفضل التقدم في تقنيات تسلسل الجيل القادم، نعلم الآن أن هناك ميكروبيومات حيوية ومتنوعة في جميع أنحاء مجارينا الهوائية". يلعب هذا الميكروبيوم المكون من البكتيريا والفطريات والفيروسات دوراً مهماً في تدريب جهازنا المناعي وحمايتنا من الأمراض. وتتابع أريانجيلا: "تشير الأدلة إلى أن الأشخاص الذين يعانون من أمراض المجاري الهوائية المزمنة، مثل الربو أو التليف الكيسي، لديهم مجتمعات ميكروبية مختلفة في مجاريهم الهوائية مقارنة بالأشخاص الأصحاء. لا نزال نحاول فهم كيفية أداء التغيرات في ميكروبيوم الجهاز التنفسي إلى حدوث المرض، ونعمل على رسم خريطة للعلاقات التي تعزز صحتنا".

ما هي الكائنات الحية الدقيقة التي تدرسها أريانجيلا؟

 تقول أريانجيلا: "على مر التاريخ، كان علماء الأحياء الدقيقة يركزون على الأمراض المعدية. إن معرفة كل ما يمكن معرفته عن الكائنات الحية الدقيقة التي تصيبنا وتؤذينا يمكن أن تساعدنا في علاج الأمراض". ومع ذلك، فإن جزءاً ضئيلاً فقط من الحياة الميكروبية على الأرض يكون ضاراً بالبشر. نحن نعرف أقل بكثير عن الميكروبات التي لا تشكل تهديداً لنا، حتى تلك التي تعيش في أجسادنا. تقول أريانجيلا: "أنا مهتمة بمعرفة ما تفعله هذه البكتيريا الأخرى".

تُعرف الكائنات الحية الدقيقة التي ليست مسببات للأمراض ولكنها تتفاعل معنا على المدى الطويل باسم الكائنات التكافلية. تقول أريانجيلا: "رغم أنها قد تبدو أقل إثارة الاهتمام للوهلة الأولى، إلا أن العديد من هذه الكائنات الحية الدقيقة تربطها علاقات طويلة الأمد معنا ومع أجسادنا. من المهم بالنسبة لنا أن نفهم ما تفعله هذه الكائنات الحية الدقيقة في أجسادنا وكيف قد تؤثر على صحتنا بطرق غير متوقعة".

ما هي بكتيريا بريفوتيلا؟ 

تهتم أريانجيلا بشكل خاص بجنس من البكتيريا يسمى بريفوتيلا. تم اكتشاف أول عضو في هذا الجنس، وهو بريفوتيلا ميلانينوجينيكا، منذ أكثر من 100 عام (رغم أنه كان يطلق عليه اسم آخر في ذلك الوقت). لم يتم تجميع بريفوتيلا ميلانينوجينيكا والبكتيريا الأخرى المشابهة لها معاً تحت اسم بريفوتيلا إلا في عام 1990. تم إعادة تصنيف هذا الجنس وتدقيقه مع تحسن تقنيات التسلسل الجيني. تقول أريانجيلا: "توجد بكتيريا بريفوتيلا بشكل شائع في ميكروبيوم الجهاز التنفسي البشري، ولكن عندما حاولت معرفة المزيد عن وظيفتها، لم تكن هناك معلومات كثيرة متاحة، وهو ما أدهشني. لذلك، قررت معالجة هذا التحدي في بحثي الخاص ومعرفة المزيد عن هذه البكتيريا المتعايشة".

لفترة طويلة، تم تصنيف بكتيريا بريفوتيلا على أنها كائنات لاهوائية إجبارية، وهي كائنات لا يمكنها النمو أو البقاء في البيئات المؤكسجة. تعترف أريانجيلا: "لم يكن ذلك منطقياً بالنسبة لي حقاً. إذا كانت بالفعل كائناً لاهوائياً إجبارياً، فكيف يمكنها البقاء في رئتينا حيث يوجد أكسجين دائماً؟ منذ اللحظة الأولى، علمت أن هناك شيئاً مثيراً للاهتمام يجب اكتشافه".

كيف حلت أريانجيلا مشكلة بكتيريا بريفوتيلا؟ أجرت أريانجيلا تجارب لاختبار كيفية تعامل بريفوتيلا ميلانينوجينيكا مع مستويات مستويات مستمرة ومتغيرة من التعرض للأكسجين. وتوضح قائلة: "قمنا بتربية مستنبتات من بريفوتيلا ميلانينوجينيكا في غرف نمو متخصصة، تحتوي كل منها على تركيز مختلف من الأكسجين. وجدنا أنها لم تكن قادرة على البقاء فحسب، بل تمكنت أيضاً من النمو في تركيزات تصل إلى 5% من الأكسجين". عند تركيز 8% من الأكسجين، توقفت بريفوتيلا ميلانينوجينيكا عن النمو، لكنها لم تمت وكانت قادرة على التعافي عند إعادتها إلى بيئة خالية من الأكسجين.

تقول أريانجيلا: "كشفت نتائجنا عن بضعة أمور جديدة. أولاً، تم تصنيف بريفوتيلا بشكل خاطئ وهي ليست كائناً لاهوائياً إجبارياً، وثانياً، هذا يعني أنه يجب أن تمتلك بعض آليات البقاء الرائعة حقاً في البيئات المؤكسجة". على الرغم من أننا نحتاجه للعيش، إلا أن الأكسجين في الواقع شديد السمية لغالبية الخلايا ويمكن أن يضر بالحمض النووي. توضح أريانجيلا: "تحتاج جميع الكائنات الحية إلى طريقة للتعامل مع الآثار الضارة للأكسجين، لكننا لا نعرف ما هي هذه الآليات في بكتيريا بريفوتيلا. في مختبري، نحن على وشك اكتشاف هذه الآليات ومعرفة كيفية بقاء بريفوتيلا في الجهاز التنفسي البشري. نحن متحمسون حقاً لأن لدينا الكثير من الأسئلة غير المجابة التي يمكننا الآن محاولة الإجابة عليها".

ما هي الأسئلة التي تطرحها أريانجيلا بعد ذلك؟ 

تقول أريانجيلا: "أنا مهتمة جداً بفهم كيفية تفاعل أعضاء ميكروبيوم الجهاز التنفسي مع جهازنا المناعي، خاصة في الحالات التنفسية المزمنة حيث توجد دورات من الالتهاب. أنا مهتمة أيضاً بالتفاوت في كيفية استجابة المرضى الذين يعانون من أمراض تنفسية مزمنة للعلاج". على سبيل المثال، يمكن علاج الربو بالعديد من الاستيرويدات والعلاجات المختلفة، لكنها لا تعمل جميعها بشكل جيد مع الجميع. تقول أريانجيلا: "لا نعرف حقاً ما الذي يقف وراء هذا التفاوت حتى الآن. وبما أننا نعلم أن ميكروبيومات الجهاز التنفسي لدينا تختلف من شخص لآخر، أود معرفة ما إذا كانت العلاقات المختلفة بين الميكروبات والجهاز المناعي يمكن أن تؤثر على طريقة استجابة الشخص لبعض العلاجات أو الأدوية".

من أجل الإجابة على هذه الأسئلة الأكبر، تحتاج أريانجيلا وغيرهم من علماء الأحياء الدقيقة إلى معرفة المزيد عن الكائنات الحية المحددة، مثل بريفوتيلا، التي تشكل ميكروبيوم الجهاز التنفسي والأدوار التي تلعبها. تقول أريانجيلا: "الأمر يشبه أن تكون المدرب الجديد لفريق كرة قدم يعرف من هم لاعبوه، ولكنه لا يعرف بعد نقاط القوة والضعف والتخصصات لكل منهم. هدفي هو سد بعض هذه الفجوات المعرفية حتى نتمكن من التراجع خطوة إلى الوراء وفهم ما تفعله الكائنات الحية في أجسادنا حقاً".

عن علم الأحياء الدقيقة 

علم الأحياء الدقيقة هو دراسة الكائنات الحية الدقيقة وكيفية عيشها وتفاعلها مع بيئاتها. تقول أريانجيلا: "إنها مجال متنوع ومختلف لا يؤثر فقط على الصحة والطب ولكن أيضاً على البيئة وعلم البيئة. هناك الكثير من التخصصات الفرعية التي يمكن استكشافها اعتماداً على المكان الذي يقودك إليه فضولك واهتماماتك".

اهتمت أريانجيلا أيضاً بكيفية إساءة استخدام مفهوم العرق في أبحاث الميكروبيوم، مما أدى إلى تفاقم الآراء التمييزية وسوء فهم المعرفة العلمية. وتوضح قائلة: "في الدراسات البيوطبية، نجمع معلومات ديموغرافية عن المشاركين. في العديد من الدراسات، يحلل الباحثون بياناتهم بناءً على عوامل مثل العرق والإثنية، ويطرحون أسئلة مثل: هل نرى اختلافات بناءً على العرق؟".

هذا أمر إشكالي لأن مفهوم العرق يعتمد على بناء اجتماعي بدلاً من الحقائق البيولوجية. إن استخدام الفئات الاجتماعية مثل "أسود" أو "أبيض" أو "آسيوي" لتفسير النتائج البيولوجية يمكن أن يؤدي إلى سوء فهم خطير ويقوض الأبحاث ذات المعنى. توضح أريانجيلا: "عندما نعتمد كثيراً على تلك الفئات لطرح أسئلتنا وإجراء أختباراتنا الإحصائية، فإننا نختزل مجمل التنوع البشري في هذه المصطلحات التقريبية وغير الدقيقة للغاية والتي لا تستند إلى علم جيد. عند إجراء أبحاث الميكروبيوم ومحاولة فهم الظواهر البيولوجية، من المهم عدم وضع افتراضات بناءً على التطبيقات الخاطئة للفئات الاجتماعية".

خلال جائحة كوفيد 19، شاركت أريانجيلا في تأسيس جمعية علماء الأحياء الدقيقة السود. تقول: "كنت أتلقى الكثير من الأسئلة من العائلة والأصدقاء حول المعلومات المتاحة. وبسبب بعض الأمور غير الأخلاقية تماماً التي حدثت لمجموعات مختلفة من الناس باسم العلم والطب، غالباً ما يكون هناك نقص في الثقة حول المكان الذي يمكن الحصول منه على معلومات دقيقة وموثوقة. أردنا أن نكون مصدراً للمعلومات للأشخاص الذين لا يعرفون بمن يثقون". تعد الجمعية أيضاً مساحة مجتمعية حيث يمكن لعلماء الأحياء الدقيقة التواصل ودعم بعضهم البعض خلال تحديات المسيرة المهنية في مجال العلوم.

المصدر

مقالات ذات صلة