الجهاز اللمفاوي شبكة حيوية الأهمية داخل الجسم. وعلى الرغم من أن وظائفه الأكثر وضوحًا معروفة منذ وقت طويل، فإنه يؤدي مجموعة من الأدوار المهمة الأخرى التي لم يبدأ العلماء في اكتشافها إلا حديثًا. تدرس البروفيسورة ناتالي تريفيسكيس، وهي عالمة في العلوم الصيدلانية في جامعة موناش بأستراليا، أحد هذه الاكتشافات الجديدة، وهو كيفية الاستفادة من الجهاز اللمفاوي لإيصال الأدوية بفاعلية أكبر مما يتيحه مجرى الدم.
تحدّث كعالم في العلوم الصيدلانية
الجهاز القلبي الوعائي: القلب وشبكة الأوعية الدموية التي تنقل المواد في أنحاء الجسم.
الدهون: جزيء دهني.
اللمف: سائل صافٍ يُصرَّف من الأنسجة عبر الأوعية اللمفاوية.
العقدة اللمفاوية: نسيج على شكل حبة الفاصوليا يتكون من خلايا مناعية ويعمل على ترشيح اللمف.
الجهاز اللمفاوي: شبكة من الأوعية والعقد اللمفاوية التي يمر عبرها اللمف من الأنسجة إلى مجرى الدم.
الخلايا اللمفاوية: نوع من الخلايا المناعية.
الدواء الأولي: دواء لا يصبح فعالًا إلا بعد دخوله إلى الجسم، حيث يتحرر منه الدواء الفعال.
ربما تعرف كيف تنقل الأوعية الدموية في الجهاز القلبي الوعائي الأكسجين والمواد الأخرى في أنحاء الجسم، لكن هل تعرف الجهاز اللمفاوي؟ توضح البروفيسورة ناتالي تريفيسكيس، عالمة العلوم الصيدلانية في جامعة موناش: «يوجد الجهاز اللمفاوي بمحاذاة الأوعية الدموية في الجسم. ويتكون من العقد اللمفاوية والأوعية اللمفاوية التي تنقل سائلًا صافياً يسمى اللمف من الأنسجة إلى الدم». تستكشف ناتالي وفريقها كيفية الاستفادة من الجهاز اللمفاوي لإيصال الأدوية بفاعلية أكبر.
الجهاز اللمفاوي الغريب والمدهش
للجهاز اللمفاوي ثلاث وظائف رئيسية في الجسم. فهو يساعد على تحقيق التوازن في سوائل الجسم من خلال إزالة السوائل الزائدة ونواتج الفضلات من الأنسجة، وينقل الدهون من الأمعاء إلى الدم، ويؤدي دورًا أساسيًا في الجهاز المناعي، إذ تنتقل الخلايا المناعية، بما فيها الخلايا اللمفاوية، عبر الأوعية اللمفاوية وتستقر في العقد اللمفاوية.
لكن هذه ليست سوى قمة جبل الجليد، فقد كشفت الأبحاث الحديثة عن مجموعة واسعة ومتنوعة من الوظائف المهمة الأخرى للجهاز اللمفاوي. تقول ناتالي: «على سبيل المثال، ثبت أن الأوعية اللمفاوية تؤدي دورًا مهمًا في إزالة نواتج الفضلات من الدماغ، كما ارتبط خللها بالإصابة بمرض ألزهايمر». وتشير اكتشافات أخرى مثيرة إلى أن الجهاز اللمفاوي يمكن أن يساعد على إصلاح الأنسجة بعد الإصابة أو المرض. وتوضح: «بعد أن نكسر عظمًا أو نتعرض لنوبة قلبية، تطلق الخلايا التي تبطن الأوعية اللمفاوية مواد كيميائية تساعد على التئام الأنسجة المتضررة. ويمكن الاستفادة من هذه العملية لتطوير علاجات جديدة تسرّع التعافي».
اكتشف مختبر ناتالي دور الجهاز اللمفاوي في تطور داء السكري من النوع الثاني. وتشرح قائلة: «عندما نتناول نظامًا غذائيًا غير صحي، تتسرب السوائل من الأوعية اللمفاوية التي تصرف السوائل من الأمعاء إلى الأنسجة الدهنية المحيطة. وتصاب هذه الأنسجة بالالتهاب، مما يسهم في ظهور مرض السكري».
ويُعد فهم الأدوار المتعددة للجهاز اللمفاوي أمرًا أساسيًا لتصميم أدوية تستهدف الجهاز اللمفاوي بهدف السيطرة على الأمراض أو الوقاية منها.
الجهاز اللمفاوي لإيصال الأدوية
تُعطى معظم الأدوية عبر الجهاز القلبي الوعائي، إذ تدخل مجرى الدم إما بعد حقنها أو من خلال امتصاصها من الأمعاء. ويوفر الجهاز اللمفاوي مسارًا بديلًا لإيصال الأدوية، وقد يكون هذا المسار أكثر فاعلية بالنسبة إلى مجموعة واسعة من الأدوية. تقول ناتالي: «نعلم أن الجهاز اللمفاوي يؤدي دورًا رئيسيًا في المناعة وفي العديد من الأمراض. لذلك، إذا استطعنا إيصال الأدوية مباشرة إلى اللمف، فيمكنها الوصول إلى أهدافها بدرجة أكبر من التحديد».
طوّر مختبر ناتالي نظامًا يوصل أدوية مرض السكري مباشرة إلى اللمف، وقد ثبت أن هذا الأسلوب أكثر فاعلية بكثير من إيصال الأدوية إلى مجرى الدم. وتوضح ناتالي: «اللقاحات مرشح قوي آخر، لأنها تعمل من خلال تعليم الخلايا اللمفاوية كيفية التعرف على مسببات الأمراض. وتكون هذه اللقاحات أكثر فاعلية عند إيصالها مباشرة إلى العقد اللمفاوية».
إيصال الأدوية إلى اللمف
إذًا، كيف يمكن تصميم الأدوية بحيث تدخل الجهاز اللمفاوي بدلًا من مجرى الدم؟ تقول ناتالي: «إن إيصال المواد إلى اللمف أمر بسيط في الواقع. فالأوعية اللمفاوية الموجودة في الأنسجة تحتوي على فجوات كبيرة بين الخلايا التي تبطنها، بينما تكون الخلايا التي تبطن الأوعية الدموية متراصة بإحكام». وهذا يعني أن الجزيئات التي يكون حجمها كبيرًا بما يكفي يمكنها دخول الجهاز اللمفاوي، لكنها لا تستطيع دخول الجهاز القلبي الوعائي. وتقول ناتالي: «يمكننا تحقيق إيصال محدد إلى اللمف عبر عدة مسارات. فإما أن يكون جزيء الدواء نفسه كبير الحجم، أو نربط جزيئات الدواء الصغيرة بحوامل كبيرة».
فعلى سبيل المثال، يؤدي ربط الأدوية الصغيرة بالدهون إلى دخولها الجهاز اللمفاوي بمجرد وصولها إلى الأمعاء، بالطريقة نفسها التي تدخل بها الدهون التي نتناولها. وبعد ذلك، عندما يستقلب الجسم الدهون، يمكنها إطلاق الدواء الفعال. ويُعرف هذا باسم الدواء الأولي.
تقول ناتالي: «في مختبري، يُحضّر خبراء إيصال الأدوية تركيبات تحتوي على الدهون، حيث يخلطون المكونات بطرق معينة، وغالبًا باستخدام ضغط أو تحريك محدد للتأكد من أن حجمها مناسب. ثم نقيس امتصاص الدواء في الجهاز اللمفاوي باستخدام نماذج حيوانية». وتُعطى النماذج الحيوانية الدواء الأولي، ثم تُستخدم عملية دقيقة لجمع اللمف منها وقياس تركيزات الدواء داخله.
من ابتكار الدواء إلى طرحه للاستخدام
بمجرد ابتكار دواء، تبدأ رحلة طويلة قبل أن يصل إلى الممارسة السريرية. تقول ناتالي: «أولًا، تحتاج إلى بيانات تُظهر أن الدواء فعال، وكيف يمكن إيصاله بأفضل طريقة إلى الجسم، وكيف يتخلص الجسم منه لمنع تراكمه. ثم يجب أن يخضع الدواء لدراسات السمية لإثبات سلامته».
بعد ذلك يمكن أن تبدأ الدراسات السريرية على البشر، بدءًا بأعداد صغيرة من المتطوعين الأصحاء. وتقول ناتالي: «قد تُزاد الجرعة تدريجيًا لتحديد الحد الأقصى للجرعة التي يمكن تحملها». ومن هنا، يُختبر الدواء على مجموعات متزايدة الحجم من الأشخاص لإثبات سلامته وفاعليته.
بدأ فريق ناتالي العمل على تقنية الأدوية الأولية القائمة على الدهون عام 2009، وتمكن من جمع أدلة كافية لتقديم طلب للحصول على براءة اختراع في عام 2017. وتقول: «مُنحت رخصة استخدام براءة الاختراع لشركة أدوية بموجب اتفاقية للبحث والتطوير من أجل مواصلة تطوير التقنية. وفي عام 2024، أنشأت الشركة شركة ثانية منفصلة ركزت حصريًا على تطوير هذه التقنية. أما دواؤنا الرئيسي، وهو دواء أولي لعلاج القلق والاكتئاب، فقد وصل الآن إلى المراحل النهائية من التجارب السريرية».
وبفضل عمل ناتالي وفريقها، بدأت أنظمة إيصال الأدوية عبر الجهاز اللمفاوي تحقق فوائد حقيقية في مجال الرعاية الصحية.
حول العلوم الصيدلانية
تشمل العلوم الصيدلانية تطوير أدوية جديدة، في حين تتعامل المجالات ذات الصلة، وهي علم الأدوية والصيدلة، على التوالي، مع دراسة تأثيرات الأدوية في الجسم وصرف الأدوية.
بدأت ناتالي مسيرتها المهنية بالعمل صيدلانية سريرية في صيدلية بإحدى البلدات الصغيرة، حيث كانت تصرف الأدوية للمرضى. تقول: «كنت أستمتع بالتفاعل مع أفراد المجتمع، لكنني كنت أرغب في تقديم إسهام أكبر للعالم. وشعرت أن بإمكاني تحقيق ذلك من خلال تطوير أدوية جديدة، ولهذا السبب التحقت ببرنامج دكتوراه في العلوم الصيدلانية».
تدير ناتالي الآن مختبرها الخاص، حيث تعمل مع فريق متنوع يضم كيميائيين وعلماء أحياء وأطباء وعلماء متخصصين في الشؤون التنظيمية، من أجل تطوير أدوية جديدة لتحسين الرعاية الصحية. وتقول: «أحب أن عملنا يمكن أن يغير حياة الناس إلى الأفضل. كما أحب العمل مع أشخاص من خلفيات مختلفة لحل التحديات المثيرة للاهتمام بصورة جماعية».
في السنوات الأخيرة، أتاحت التقنيات الجديدة إمكانية تطوير مجموعات بيانات ضخمة. وترى ناتالي أن أحد التحديات الكبرى التي تواجه علماء العلوم الصيدلانية يتمثل في معرفة كيفية الاستفادة من هذه البيانات. وتقول: «قد يكون هناك ميل إلى توليد البيانات من دون التفكير في السبب وراء ذلك. وأعتقد أن الجيل القادم سيحتاج إلى التوقف والتفكير بعمق في كيفية توليد البيانات المفيدة فعلًا ومعالجتها».
ومن المرجح أن يكون الذكاء الاصطناعي، في هذا المجال، عامل مساعدة وعائقًا في الوقت نفسه. تقول ناتالي: «يجري بالفعل تطوير أدوية بمساعدة الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة قوية إلى استخدام الذكاء البشري للتفكير في أفضل السبل التي يمكن أن يساعد بها عملنا العالم، وكذلك في الأفكار الدقيقة والمتشعبة التي قد يغفل عنها الذكاء الاصطناعي أو يهملها».
