القائمة الرئيسية

البلوط أم الخيزران: كيف ننحني دون أن ننكسر في واقع الطاقة الجديد

البلوط أم الخيزران: كيف ننحني دون أن ننكسر في واقع الطاقة الجديد
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يمكن لقطاع الطاقة أن ينتقل من نموذج «البلوط» الجامد إلى نموذج «الخيزران» الأكثر مرونة في مواجهة الصدمات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق، من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي القائم على الفيزياء لفهم الحالة الفعلية للمعدات وتوسيع حدود التشغيل بأمان، بما يساعد المصافي والمنشآت الصناعية على زيادة الإنتاج، تقليل فترات التوقف، وتسريع التعافي من الأزمات، لتصبح المرونة عاملاً حاسماً في مستقبل الطاقة والأمن الاقتصادي.

  • في ظل تقلبات أسواق الطاقة المرتبطة بمضيق هرمز، بدأ الرؤساء التنفيذيون الباحثون عن مزيد من المرونة في إعادة النظر في نماذج التشغيل التقليدية والجامدة.
  • يمكن للذكاء الاصطناعي القائم على الفيزياء أن يساعد في تطبيق ظروف تشغيل أكثر مرونة داخل المنشآت الصناعية، وهو ما يُعرف بنموذج «الخيزران».
  • يتيح اعتماد «نوافذ التشغيل الديناميكية لسلامة الأصول» للصناعة العمل بأمان عند طاقات إنتاجية أعلى خلال صدمات الطاقة، مع تقليل عمليات التوقف المكلفة.

في 5 أغسطس، عبرت ثماني سفن فقط مضيق هرمز، مقارنة بالمعدل المعتاد الذي يبلغ نحو 130 سفينة. وبين الاضطرابات الواسعة في سلاسل الإمداد وتقلب أسعار النفط والأسمدة، شعر المستهلكون والشركات على حد سواء بتداعيات حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي المستمرة في الشرق الأوسط. وفي ظل هذه الظروف الهشة، ليس من المستغرب أن تكون المرونة إحدى القضايا الرئيسية التي طُرحت خلال أكبر مؤتمر عالمي للطاقة «CERAWeek»، وكذلك خلال الاجتماع السنوي للأبطال الجدد للمنتدى الاقتصادي العالمي. وكان هناك سؤال واحد يشغل أذهان جميع قادة الأعمال: هل صُممت أنظمتنا لمواجهة مثل هذه الظروف؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فما الذي ينبغي علينا فعله؟

وخلال النقاشات التي جرت في هذين التجمعين العالميين، تناول المسؤولون التنفيذيون التحول نحو عالم جديد تتعدد فيه الصدمات، وما يعنيه ذلك بالنسبة إلى أعمالهم. ويمكن تبسيط الخيار المطروح أمامهم من خلال سؤال واحد: هل تريد أن تعمل أصول الطاقة لديك مثل شجرة البلوط أم مثل الخيزران؟

على امتداد معظم القرن الماضي، صُممت مصافي التكرير ومصانع البتروكيماويات والمنشآت الصناعية الثقيلة حول العالم لتكون أشبه بأشجار البلوط: ضخمة، راسخة، ومصممة لأداء مهمة واحدة بكفاءة ودقة فائقتين. لكن المشكلة في عالمنا الجديد متعدد الأقطاب هي أن شجرة البلوط لا تنحني. فعندما تتغير الظروف، أو تتبدل مصادر إمدادات النفط الخام، أو يُغلق ممر استراتيجي، أو تعيد العقوبات رسم خريطة التجارة، لا تستطيع هذه المنظومة الجامدة التكيف، بل قد تنكسر أو تضطر إلى التوقف عن العمل.

ويشتهر الخيزران بقوته ومرونته. لكن مطالبة مصفاة تكرير بأن «تنحني» وتتأقلم ليست بالأمر البسيط. فالفولاذ المستخدم داخل المنشأة صُمم للعمل ضمن درجات حرارة وضغوط وتركيبات كيميائية محددة. وإذا تم تجاوز هذه الحدود من دون فهم دقيق لما يحدث، فقد تقع حوادث خطيرة. ولهذا السبب، عندما يواجه المشغلون تغييراً في المواد الخام أو ظروف تشغيل غير متوقعة، فإنهم غالباً ما يتخذون موقف «البلوط» المحافظ. ولكن ماذا لو كان بالإمكان الجمع بين مزايا النموذجين؟

خيزران مزود بجهاز عصبي

تعمل كل منشأة طاقة اليوم ضمن ما يُعرف بـ«نافذة التشغيل لسلامة الأصول» (IOW). وهي المنطقة الآمنة التي يحددها مهندسو الموثوقية لكل جزء من المعدات: إبقاء هذا الوعاء ضمن نطاق معين من درجات الحرارة، والمحافظة على الضغط داخل حدود محددة، وعدم السماح بارتفاع الملوثات فوق مستوى معين، وغير ذلك. وإذا بقيت المعدات داخل هذه النافذة، فمن المفترض أن تستمر في العمل بأمان حتى موعد الفحص المجدول التالي، الذي قد يكون بعد أربع إلى ست سنوات.

لكن المشكلة تكمن في أن المهندسين الذين يحددون هذه النافذة لا يستطيعون رؤية ما يحدث فعلياً داخل المعدن. ولذلك يضعون حدوداً شديدة التحفظ تتضمن هامش أمان ضرورياً، إلا أن هذا الهامش يخلق أيضاً مساحة احتياطية إضافية قد لا تكون مطلوبة دائماً.

وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي القائم على الفيزياء، الذي صنفته شبكة المنارات العالمية التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي هذا العام باعتباره «ذكاءً اصطناعياً للسلامة الهيكلية». إذ يمنح هذا النوع من التكنولوجيا المشغلين رؤية مباشرة ومستمرة لكيفية تصرف الفولاذ فعلياً في ظل ظروف التشغيل الحقيقية، ويحول نافذة التشغيل الثابتة إلى «نافذة تشغيل ديناميكية لسلامة الأصول» (DIOW) تتغير بالتزامن مع حالة المنشأة.

فعندما تسمح الظروف بذلك، تتسع النافذة ويمكن للمنشأة العمل بطاقة أعلى. وعندما تصبح الظروف أكثر صعوبة، تضيق النافذة مجدداً، وهو ما يعزز مستوى السلامة. المعدات نفسها، والهدف النهائي نفسه المتمثل في زيادة السلامة، ولكن مع قدر حقيقي من المرونة بين الحالتين. وبهذا الابتكار، يصبح الخيزران وكأنه مزود بجهاز عصبي، ما يساعد المشغلين على تعزيز قدرتهم على الصمود في عالم تتعدد فيه الصدمات.

أهمية المرونة

يعتمد المهندسون على هوامش احتياطية واسعة لأنهم لا يمتلكون بيانات مثالية وكاملة. وهذا هو نهج «البلوط الصلب»، وهو نهج حكيم في الظروف العادية. لكن في عالم متعدد الصدمات، قد تصبح هذه المحافظة مكلفة للغاية بالنسبة إلى الاقتصاد الأوسع.

فإذا كنت تدير واحدة من عدد قليل من المصافي التي لا تزال تعمل بكامل طاقتها بينما يتسابق السوق بحثاً عن إمدادات بديلة من النفط، فلن يكون كافياً أن تعمل عند 100% من الحدود المحددة داخل نوافذ التشغيل الخاصة بسلامة الأصول؛ بل قد تحتاج إلى العمل عند 110%، مع الاستمرار في الالتزام بمعايير السلامة.

إن معرفة الحالة الفعلية للفولاذ في الوقت الحقيقي تسمح للمشغلين بالتخلص بأمان من جزء من التحفظ الذي يستند إلى غياب البيانات بدلاً من وجود خطر فعلي. ويمكن تأجيل عمليات الصيانة الشاملة لفترات أطول، وتشغيل المعدات عند مستويات ضغط أعلى، وتوسيع نطاقات التشغيل.

وقد أصبح الأثر الاقتصادي لهذا النهج واضحاً بالفعل في الميدان. فكل يوم تتوقف فيه المنشأة عن العمل قد يكلف ملايين الدولارات من الإيرادات المفقودة، في حين تظل النفقات الرأسمالية والتشغيلية ثابتة. أما التوقف لفترات طويلة تمتد لأسابيع أو أشهر، فقد يؤدي إلى خسارة مئات الملايين من الدولارات من هوامش الأرباح.

وحتى مجرد تسريع إعادة تشغيل مصفاة بطاقة إنتاجية تبلغ 200 ألف برميل يومياً لمدة أسبوع واحد يمكن أن يحقق قيمة تتجاوز 100 مليون دولار.

التعافي من الصدمات

عندما تتعرض مصفاة تكرير لعملية إغلاق طارئة، كما حدث في عدد من مناطق الشرق الأوسط هذا العام، تتعرض الأصول المادية داخلها لتغيرات حادة في درجات الحرارة والضغط.

ويتمثل النهج التقليدي في إجراء فحص شامل لكل شيء، لأن المهندسين لا يعرفون بدقة أين حدث الإجهاد أو الضرر. أما المهندسون الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للسلامة الهيكلية، فيمكنهم معرفة الأماكن التي ينبغي فحصها أولاً، ما يسمح لهم بالتركيز مباشرة على المشكلات الحقيقية.

ويمكن محاكاة حالة المعدات باستخدام سيناريوهات إعادة تشغيل قائمة على الفيزياء والحالة الفعلية للمعدات ومتوافقة مع المعايير، ما يسمح بإعادة تشغيل المنشآت بأمان.

وفي شرق أوسط غير مستقر، قد يصبح من الضروري إجراء مثل هذه العمليات بوتيرة أكبر، باستخدام أدوات تعزز السلامة بصورة فعلية. ومن خلال الذكاء الاصطناعي للسلامة الهيكلية، تستطيع البيانات الرقمية تسجيل نمط الإجهاد الدقيق الذي تعرضت له المعدات أثناء الحادث.

ويحدد النموذج بدقة أي اللحامات والوصلات ذات الحواف والأوعية تعرضت لتجاوز حدودها، وأيها لم يتعرض لذلك. وبهذا يمكن تحويل عملية فحص شاملة تستغرق عدة أشهر إلى عملية إصلاح مستهدفة تستغرق ثلاثة أسابيع فقط.

كما يستطيع النهج نفسه التعامل مع الأضرار الخفية التي لا تظهر إلا بعد فترة طويلة من وقوع الحدث، مثل تصلب الهيدروكربونات الثقيلة داخل أنابيب لم تُصمم للاحتفاظ بها في حالة السكون، أو بدء التآكل تحت طبقات العزل.

ويتيح نموذج يتم تحديثه باستمرار إجراء تقييم لصلاحية المعدات للخدمة خلال ساعات بدلاً من أسابيع. وفي منطقة تعاني الاضطرابات، يمكن أن تصبح أول مصفاة قادرة على إثبات جاهزيتها بشكل موثوق للعودة إلى التشغيل أهم أصل استراتيجي في الدولة. وهنا تتحول المرونة إلى مسألة جيوسياسية.

عقد متعدد الصدمات

يمثل ما يحدث في مضيق هرمز أقوى تحذير حتى الآن، لكنه لن يكون الأخير. فكل اقتصاد يعتمد على عدد محدود من الأصول الكبيرة والجامدة لا يفصله سوى اضطراب واحد عن مواجهة الطوابير نفسها أمام محطات الوقود، والإعلانات الطارئة نفسها، ونقص الأسمدة ذاته الذي قد ينعكس لاحقاً على أسعار الغذاء بعد عام.

الفولاذ نفسه لم يتغير. ما تغير هو قدرتنا على فهمه بالمستوى من الدقة الذي يسمح بتشغيله بأمان عند مستويات أقرب إلى حدوده القصوى.

وهذا تحديداً ما يحول «البلوط» إلى «خيزران» من دون الحاجة إلى قطع أي شيء أو استبداله. فتحول قطاع الطاقة لن يتحقق من خلال الاستبدال وحده، بل من خلال إعادة الابتكار، وسيعتمد نجاحه على المزيد من «الخيزران».

المصدر

مقالات ذات صلة