القائمة الرئيسية

كيف يعيد «التوظيف القائم على الأثر» الأصالة البشرية في عصر الذكاء الاصطناعي

كيف يعيد «التوظيف القائم على الأثر» الأصالة البشرية في عصر الذكاء الاصطناعي
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف غيّر الذكاء الاصطناعي قواعد التوظيف، بعدما أصبح إعداد السير الذاتية وإرسال عشرات الطلبات أسهل من أي وقت مضى، ما جعل الشركات تواجه صعوبة متزايدة في تمييز المواهب الحقيقية. وتستعرض نهج «التوظيف القائم على الأثر» كبديل يركز على مراقبة طريقة تفكير المرشحين وتعاونهم وحلهم للمشكلات في مواقف واقعية، بدلاً من الاعتماد على الشهادات والخبرة والسير الذاتية المصقولة، لتكشف من يستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي بذكاء مع الحفاظ على الأصالة والقدرات البشرية التي يصعب تزييفها.

  • أغرق الذكاء الاصطناعي التوليدي أنظمة التوظيف بطلبات منخفضة الجهد، ما جعل السير الذاتية التقليدية أقل موثوقية بكثير.
  • غالباً ما تكرّس أدوات تتبّع المتقدمين الخوارزمية التحيزات التاريخية، كما تفشل في اكتشاف القدرات البشرية الأساسية.
  • يمكن لـ«التوظيف القائم على الأثر» أن يعيد التقييم البشري الأصيل إلى عملية التوظيف، من خلال تقييم كيفية تعاون المرشحين وحلهم للمشكلات الواقعية.

كان التقدم إلى وظيفة في الماضي يتطلب جهداً حقيقياً، وهو ما كان يشكل حاجزاً طبيعياً يستبعد تلقائياً المتقدمين غير الجادين. أما اليوم، فقد قضى الذكاء الاصطناعي تماماً على هذا الحاجز، لتجد فرق التوظيف نفسها أمام سيل هائل من الطلبات التي لم تتطلب سوى قدر ضئيل من الجهد.

وتوضح الأرقام حجم هذا التحول. ففي أواخر عام 2024، ارتفع عدد طلبات التوظيف المقدمة عبر LinkedIn بنسبة 45.5%، في الوقت الذي انخفض فيه عدد الوظائف المنشورة على المنصة بنسبة 10.6%. وتعكس هذه الفجوة تحولاً مدفوعاً بأدوات الكتابة القائمة على الذكاء الاصطناعي. كما أظهر استطلاع أُجري عام 2025 أن الطلاب الذين استخدموا الذكاء الاصطناعي في البحث عن عمل تقدموا في المتوسط إلى نحو 60 وظيفة، أي ضعف المتوسط العام البالغ 30 طلباً. في السابق، كان التقدم إلى وظيفة يتطلب جهداً حقيقياً، وكان ذلك الجهد بحد ذاته كفيلاً باستبعاد المتقدمين غير الجادين.

أما العبء التشغيلي الناتج عن ذلك فهو هائل. فقد شمل استطلاع أجرته شركة Greenhouse نحو 4,100 من مسؤولي التوظيف ومديري التعيين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأيرلندا وألمانيا ضمن تقريرها لعام 2025 حول الذكاء الاصطناعي في التوظيف. ووجد الاستطلاع أن 34% من مسؤولي التوظيف يقضون حالياً ما يصل إلى نصف أسبوع عملهم في تصفية الطلبات العشوائية وغير الجادة، بينما أكد 91% منهم أنهم اكتشفوا مرشحين لم يكونوا صادقين خلال عملية التوظيف.

وكل ذلك يضع المؤسسات أمام سؤال جوهري: كيف يمكن اكتشاف المواهب الحقيقية عندما لم يعد طلب التوظيف نفسه دليلاً على بذل الجهد؟

تكلفة الاعتماد على المؤشر الخاطئ

لا يقتصر أثر التوظيف السيئ على خفض إنتاجية الفريق، بل يؤدي أيضاً إلى تسريع معدل دوران الموظفين. غير أن هناك تكلفة أقل وضوحاً تتمثل في الاعتماد على نظام توظيف يكافئ المؤشرات الخاطئة. وقد ظهرت أنظمة تتبّع المتقدمين المدعومة بالذكاء الاصطناعي للتعامل مع الحجم المتزايد من الطلبات، وتضاعف استخدامها تقريباً خلال عام واحد، إذ ارتفعت نسبة المؤسسات التي تعتمد عليها من 26% عام 2024 إلى 43% عام 2025.

لكن هذه الأدوات تُدرَّب على بيانات التوظيف التاريخية، ما يعني أنها معرضة لتبنّي التحيزات التاريخية نفسها. فقد وجدت دراسة أجرتها جامعة واشنطن على ثلاثة نماذج لغوية كبيرة وشملت أكثر من 500 مقارنة بين سير ذاتية، أن الأسماء المرتبطة بالأشخاص البيض حظيت بالأفضلية في 85.1% من الحالات، مقابل 8.6% فقط للأسماء المرتبطة بالأشخاص السود. وبذلك تميل هذه الأدوات إلى إبراز المرشحين الذين يشبهون الأشخاص الذين سبق للشركة أن وظفتهم.

لكن نماذج التعلم الآلي تعاني أيضاً من نقطة عمياء أساسية. فالمهارات الأكثر أهمية اليوم تتعلق بالقدرة على العمل مع الذكاء الاصطناعي، لأن الموظفين أصبحوا بحاجة إلى تعلم كيفية التفكير إلى جانب هذه الأنظمة. وقد أظهرت دراسة شملت 5,179 موظفاً في مجال دعم العملاء أن إتاحة أداة للذكاء الاصطناعي التوليدي رفعت الإنتاجية بنسبة 14% في المتوسط، وبنسبة وصلت إلى 34% لدى الموظفين الأقل خبرة.

ما الذي تفعله الشركات ذات الرؤية المستقبلية؟

بدأت مجموعة صغيرة من المؤسسات في التعامل مع هذا التحدي بطريقة مختلفة. ويقول دانيال تشايت، الرئيس التنفيذي لشركة Greenhouse، إن قادة الموارد البشرية يتعمدون إعادة بعض «الاحتكاك» إلى عملية التوظيف، من خلال إطالة نماذج التقديم، وزيادة التدخل البشري في الفرز، واستخدام تقييمات المهارات، وهو اتجاه أكدته أيضاً جهات متخصصة في إدارة الموارد البشرية.

وتخلت بعض الشركات تماماً عن طلبات التوظيف النصية، وأصبحت تطلب من المرشحين إرسال مقطع فيديو مدته دقيقة واحدة، أو العثور على صورة مخفية داخل إعلان الوظيفة، أو ببساطة الحضور إلى مقابلة شخصية. فالمرشح المستعد للظهور أمام الكاميرا واتباع تعليمات غير معتادة يكون قد أظهر بالفعل مستوى من الجدية والاهتمام يفوق ما يمكن لسيرة ذاتية أن تثبته.

لكن إضافة المزيد من الصعوبة إلى عملية التقديم لا تكشف وحدها عن قدرات المرشح. فما زالت معظم الشركات تفتقر إلى عملية تجعل نقاط قوة المرشح ظاهرة في ظروف واقعية.

إطار يجعل القدرات غير المرئية قابلة للملاحظة

تترك حشرات النمل الأبيض آثاراً من الفيرومونات تساعدها على تنسيق العمل الجماعي من دون وجود قيادة مركزية، وهي الفكرة نفسها التي يمكن ملاحظتها في تعديلات Wikipedia أو المساهمات البرمجية على GitHub. وإذا طُبّق هذا المبدأ على التوظيف، فإنه يعني تصميم تفاعلات تترك آثاراً حقيقية تكشف كيف يفكر المرشح ويتكيف ويبني الحلول. وأطلق على هذا النهج اسم «التوظيف القائم على الأثر»، وهو يتكون من ثلاث مراحل.

في المرحلة الأولى، يجيب المرشحون عبر مقطع فيديو أو محادثة عن مشكلة حقيقية تعمل المؤسسة على حلها. والمرشحون الذين يعتمدون كلياً على الذكاء الاصطناعي يميلون إلى تقديم إجابات عامة ومتشابهة، بينما يقدم المرشحون الذين يتعاملون مع المشكلة بجدية إجابات أكثر تميزاً وأصالة، وينتقلون إلى المرحلة التالية.

في المرحلة الثانية، يعمل المرشحون الذين تم اختيارهم ضمن مجموعات صغيرة على مشكلة جديدة يتم تقديمها لهم في اليوم نفسه، ويُمنحون ساعة واحدة للوصول إلى نتيجة ملموسة. ويُسمح لهم باستخدام أجهزة الكمبيوتر المحمولة وأدوات الذكاء الاصطناعي والقلم والورق. لكن المقيّمين لا يركزون على النتيجة النهائية بقدر ما يراقبون طريقة العمل نفسها: من يقود النقاش؟ من يتكيف عندما تفشل فكرة ما؟ ومن يستطيع إعادة زميل غير منخرط إلى المشاركة في العمل؟

وفي المرحلة الثالثة، يعود المرشحون النهائيون كل على حدة للإجابة عن سؤال واحد: ماذا تعلمت من ذلك التمرين؟

يصف معظمهم المهمة أو فريقهم. لكن عدداً أقل يتحدث عن اللحظة التي فاجأتهم فيها طريقة تفكيرهم الخاصة، وهذه القدرة على التقييم الذاتي الصادق يصعب تزييفها لأنها مرتبطة بما عاشه الشخص فعلياً ويتذكره. وقد وجدت دراسة أجرتها Korn Ferry وشملت أكثر من 6,000 تقييم لموظفين في 486 شركة مدرجة في البورصة أن الشركات ذات العوائد الأعلى على الأسهم كان لديها أيضاً موظفون يتمتعون بدرجة أكبر من الوعي الذاتي.

يسهم «التوظيف القائم على الأثر» في توزيع تكلفة الفرز والتقييم بصورة أكثر عدلاً. إذ يمكن لأي شخص التقدم في العملية بغض النظر عن شهادته الجامعية أو شبكة علاقاته أو مدى صقل سيرته الذاتية، كما يكافئ هذا النهج الأشخاص الذين يفكرون بطريقة أصلية ويتفاعلون بصدق، وهي صفات نادراً ما تظهر في استمارة طلب توظيف.

التحول الذي يجب على الشركات إحداثه

أمضت الشركات عقوداً وهي تتعامل مع المؤهلات الأكاديمية، والعمل لدى شركات ذات أسماء معروفة، وعدد سنوات الخبرة باعتبارها مؤشرات بديلة على جودة المرشح. لكن هذه المؤشرات أصبحت اليوم مضللة بصورة متزايدة.

فعندما حلل البروفيسور تشاد فان إيدكينغه أكثر من 80 دراسة عن بيئات العمل امتدت على مدار 60 عاماً، وجد أن الخبرة العملية السابقة تكاد لا ترتبط بأداء الموظفين في وظائفهم الجديدة.

وفي الوقت نفسه، وكما يوضح تقرير «مستقبل الوظائف 2025» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن المؤشر الرئيسي الآخر، وهو الشهادة الجامعية، بدأ يختفي بسرعة من إعلانات الوظائف مع انتقال الشركات نحو التوظيف القائم على المهارات.

وقد تصبح هذه العلاقة أضعف مع صعود الذكاء الاصطناعي. فقد درس الباحثان ريدل وبوغرت من جامعة نورث إيسترن بيانات تمتد لخمس سنوات وتشمل 52 ألف شخص على منصة شطرنج إلكترونية، ووجدا أن اللاعبين الأكثر مهارة تعاملوا مع الذكاء الاصطناعي بصورة أكثر إنتاجية، ما وسّع الفارق الذي كان موجوداً أصلاً بينهم وبين الآخرين، في حين أدى الانتشار الواسع لهذه الأدوات إلى تقارب طرق التفكير حول الأنظمة نفسها.

وبالتالي، فإن المرشحين الذين يستحقون التوظيف هم أولئك الذين يعرفون كيف يستخدمون الذكاء الاصطناعي بأفضل طريقة.

راقبوا ما يفعله الناس فعلياً

المؤسسات التي ستنجح في التوظيف خلال هذا العقد هي تلك التي ستراقب ما يفعله المرشح عندما يواجه مشكلة حقيقية، ومجموعة من الزملاء، وموعداً نهائياً ضيقاً.

فما يستطيع الشخص القيام به إلى جانب الآخرين أهم مما يدّعي أنه أنجزه بمفرده.

والمؤسسات التي ستنجح في سوق العمل هذا ستكون تلك التي تلتزم بتقييم بشري شفاف يتطلب جهداً حقيقياً، وليس تلك التي تستخدم الخوارزميات لفرز أكبر عدد ممكن من المرشحين.

لم يخلق الذكاء الاصطناعي هذه المشكلة، بل سرّع فقط مواجهةً كان ينبغي أن تحدث منذ وقت طويل.

المصدر

مقالات ذات صلة