القائمة الرئيسية

5 حلول مجتمعية ملهمة تقلب موازين المعركة ضد التلوث

5 حلول مجتمعية ملهمة تقلب موازين المعركة ضد التلوث
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف تقود المجتمعات المحلية، ولا سيما الشباب، جهوداً مبتكرة لمواجهة التلوث من خلال البيانات والتكنولوجيا والمعرفة المحلية، مستعرضةً نماذج ملهمة من مختلف أنحاء العالم نجحت في حماية المياه والهواء والتربة وتحويل حلول محلية بسيطة إلى تجارب قابلة للتوسع عالمياً، مع التأكيد على أن تحقيق أثر أكبر يتطلب دعماً أقوى من التمويل والسياسات والتكنولوجيا.

  • يضرّ التلوث بالصحة قبل وقت طويل من أن تصبح آثاره مرئية، ويعيش نحو 90% من سكان العالم في ظل تدهور الأراضي أو تلوث الهواء أو الإجهاد المائي.
  • تساهم تقنيات الرصد الأقل تكلفة والأكثر سهولة في جعل التلوث أكثر وضوحاً، ما يجعل تجاهل أضراره أكثر صعوبة.
  • تقود المجتمعات الأكثر قرباً من آثار التلوث عملية ابتكار الحلول، ومع ذلك لا يزال التصدي للتلوث يحصل على حصة محدودة من التمويل الدولي.

يمر جزء كبير من التلوث دون أن نلاحظه، إما لأنه غير مرئي أو لأنه أصبح أمراً مألوفاً في حياتنا اليومية إلى درجة أننا بالكاد ننتبه إلى الضباب الدخاني خلال تنقلاتنا الصباحية، أو مياه الصرف التي تتدفق إلى أحد الأنهار المحلية، أو الجسيمات البلاستيكية الدقيقة الموجودة في التربة ومياه الأمطار وحتى أجسامنا.

لكن هذا الواقع بدأ يتغير، مع تزايد وعي الناس بأن التلوث يلحق الضرر بمجتمعاتهم. ومع ذلك، لا يزال حجم المشكلة هائلاً، إذ يعيش نحو 90% من سكان العالم في مناطق تعاني من تدهور الأراضي أو تلوث الهواء أو الإجهاد المائي. أما ما تحسن بشكل ملحوظ فهو قدرتنا على قياس هذه المشكلات ورصدها.

فقد أتاحت أجهزة الاستشعار منخفضة التكلفة، والأقمار الاصطناعية، وأنظمة التعرف على الصور المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومنصات البيانات المفتوحة، نقل عمليات الرصد من المختبرات إلى أيدي المجتمعات المحلية.

وتحفّز هذه الرؤية الواضحة للمشكلة المزيد من التحرك، وغالباً ما يكون الشباب في طليعته، حيث يجمعون البيانات في أحيائهم، ويطالبون بالتغيير، ويطورون حلولاً تتناسب مع السياقات المحلية. ومن تلوث الهواء والمياه إلى تلوث التربة، تثبت المجتمعات أن التلوث قابل للقياس وأن إيجاد حلول له أمر ممكن.

وبمناسبة اليوم الدولي للشباب، نسلط الضوء على خمسة حلول تقودها المجتمعات المحلية من مختلف أنحاء العالم. ويُظهر كل واحد منها كيف يمكن للعمل المحلي أن يتحول إلى تقدم عالمي.

1. الاستفادة من البيانات لإدارة الموارد المائية

لا يمكننا التحرك لمعالجة ما لا نستطيع رؤيته، أو على الأقل تقل دوافعنا للتحرك عندما لا تكون المشكلة واضحة. ولهذا فإن جعل التلوث مرئياً من خلال جمع البيانات ورصده يمثل غالباً الخطوة الأولى نحو معالجته.

تستخدم مبادرة "جواهر المياه"، التي أطلقتها منظمة "كورال كونسرفيشن" غير الحكومية بقيادة الشباب بالتعاون مع مركز الأبحاث المشترك التابع للمفوضية الأوروبية، نهجاً تشاركياً وشاملاً يجمع المواطنين والعلماء لفحص الأنهار بحثاً عن المواد الكيميائية الزراعية والمركبات الصناعية والمستحضرات الصيدلانية.

وتوفر المبادرة بيانات ومؤشرات تساعد في تعزيز قدرة المجتمعات المحلية على مراقبة الموارد المائية وإدارتها.

فعلى سبيل المثال، درّبت المبادرة المجتمعات المحلية في مناطق زراعة الموز في كوستاريكا على اكتشاف الملوثات التي غالباً ما لا ترصدها عمليات المراقبة التقليدية. ويسهم تزويد السكان بالمعرفة والمهارات والموارد اللازمة لجمع هذه الأدلة في تمكينهم من المشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة ببيئتهم، خصوصاً عندما تكون البيانات التي يجمعونها موثوقة.

وعندما تقوم المجتمعات بمعايرة أدوات القياس، وتوثيق أساليب العمل، وتتحلى بالشفافية بشأن حدود هذه الأدوات، فإنها تنتج أدلة يصعب تجاهلها أو التشكيك فيها.

2. الاستفادة القصوى من المعرفة المحلية

قد يظهر التلوث نفسه بأشكال مختلفة من مدينة إلى أخرى، ولذلك تحتاج الحلول إلى أن تتناسب مع السياق المحلي.

ويُستخدم تخضير المساحات الحضرية على نطاق واسع باعتباره حلاً طبيعياً لتبريد المدن، واستعادة التنوع البيولوجي، وامتصاص مياه الأمطار الغزيرة، وتنقية الهواء. ومع ذلك، غالباً ما تتحمل المدارس والمستشفيات والمجتمعات المحرومة أسوأ الآثار الصحية الناجمة عن تلوث الهواء وارتفاع درجات الحرارة.

ويضمن إشراك المجتمعات المحلية اتباع نهج أكثر استهدافاً، بما يحقق أكبر قدر ممكن من التأثير ويضمن أيضاً العدالة في تصميم المساحات وتطويرها.

في هولندا، تشجع مسابقة "تيخل فيبن"، أو ما يمكن وصفه بمسابقة "إزالة البلاط"، السكان على استبدال الأرصفة والبلاط بالتربة والنباتات، وقد جرى إزالة أكثر من 11 مليون بلاطة منذ عام 2020. ويساعد هذا النهج على معالجة عدة أنواع من التلوث في الوقت نفسه.

فالأسطح المرصوفة تدفع مياه الأمطار وما تحمله من زيوت ومعادن وجسيمات بلاستيكية دقيقة ناتجة عن تآكل إطارات السيارات مباشرة إلى الأنهار، بينما تسمح التربة المكشوفة بترشيح هذه الملوثات. وفي الوقت نفسه، تساعد المساحات الخضراء على تبريد الشوارع خلال موجات الحر وتقليل الضوضاء التي تنعكس عن الأسطح الخرسانية.

وتُظهر تجربة "تيخل فيبن" كيف ساعدت المعرفة المحلية في اختيار الحل الأنسب للمنطقة. كما يمكن لمجتمعات أخرى تواجه مشكلات مماثلة، مثل كثرة الشوارع المرصوفة وازدياد غزارة الأمطار، تبني هذا النهج.

3. بناء نماذج قابلة للتكيف مع الاحتياجات الجديدة

يمكن لمشروع محلي أن يتحول إلى نموذج قابل للتطبيق على مستوى العالم. فقد بدأت مبادرة "مدن تتنفس" عام 2018 كمشروع تجريبي في لندن لتحسين جودة الهواء، ثم توسعت منذ ذلك الحين لتصبح شبكة تضم 16 مدينة في خمس قارات، إلى جانب أكثر من 60 مدينة أخرى تشارك في التعلم المتبادل وتبادل الخبرات.

وتُنفذ هذه المبادرة من قبل "بلومبرغ فيلانثروبيز" و"صندوق الهواء النظيف" و"مدن C40"، وتهدف إلى خفض تلوث الهواء بمتوسط 30% في المدن المشاركة بحلول عام 2030.

ولا يتعين على المدن وشبابها العمل بمفردهم. فـ"مجتمع صناع التغيير العالمي" هو شبكة تضم 450 مركزاً قائماً في المدن وأكثر من 11 ألف قائد شاب تقل أعمارهم عن 30 عاماً. وتتبادل هذه المراكز الخبرات، وتتعاون فيما بينها، وتحول البيانات المحلية إلى إجراءات عملية لمواجهة تلوث الهواء والبلاستيك.

وهنا تتكامل الجهود المحلية والعالمية. فمع تزايد الوعي العام، وتوفر فهم دقيق للسياق المحلي، ووجود الحماس للتحرك، يمكن للحل الذي ينجح في مجتمع واحد أن يصبح نموذجاً تتعلم منه المجتمعات الأخرى وتطوره بما يتناسب مع احتياجاتها.

4. الوقاية من الآثار الصحية التي تهدد المجتمعات

غالباً ما يكون تأثير التلوث أشد على المجتمعات التي تعيش بالقرب من المجاري المائية الملوثة ومناطق تراكم النفايات، وهو ما يجعل الحلول التي تقودها المجتمعات المحلية ذات أهمية خاصة.

في مدينة بنما، يعاني نهر خوان دياز من تلوث كبير بالنفايات البلاستيكية. ولهذا طورت منظمة "ماريا فيردي" المجتمعية مشروع "واندا دياز"، وهو عبارة عن عجلة تعمل بالطاقة الشمسية وطاقة المياه وتمكنت من جمع أكثر من 500 طن من النفايات قبل وصولها إلى البحر.

ولا يقتصر عمل المجتمع على إزالة النفايات، بل يقوم أيضاً بجمع بيانات محلية عن النهر باستخدام كاميرات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحديد مواقع البلاستيك ورسم خرائط له في الوقت الفعلي، إلى جانب برامج لإعادة التدوير والتوعية وصلت إلى آلاف السكان في مختلف أنحاء حوض النهر.

ولا تقبل المجتمعات التي تتحمل أعباء تلوث المدن بهذا الواقع باعتباره أمراً لا مفر منه، كما أنها غير مستعدة لقبول آثاره الصحية باعتبارها ثمناً للتنمية. فقد أظهر استطلاع أُجري عام 2026 وشمل أكثر من 11 ألف شخص في أكرا ودلهي وجاكرتا وجوهانسبرغ أن جودة الهواء جاءت ضمن أهم الأولويات، حتى عندما كان تحسينها يتطلب تحمل تكلفة اقتصادية.

5. استخدام النجاحات المحلية للحصول على دعم عالمي

لكن ما لا تستطيع المجتمعات القيام به بمفردها هو تمويل التغيير على نطاق واسع. فالتلوث لا يزال يحصل على نسبة محدودة جداً من التمويل الدولي. ولا يُخصص سوى نحو 1% من تمويل التنمية الدولية لمواجهة تلوث الهواء الخارجي، بينما لا تتجاوز النسبة 2% من التمويل العام الدولي المخصص للمناخ.

وعندما يتوفر الاستثمار العام والتشريعات المناسبة، يمكن للحلول المحلية أن تتحول إلى معايير وطنية. ففي نيبال، كانت أفران صناعة الطوب من بين أكبر مصادر التلوث في وادي كاتماندو.

وقد أدى إعادة تصميم هذه الأفران وفق نمط الحرق المتعرج، الذي يعتمد على ترتيب الطوب بطريقة تسمح بتوزيع الحرارة بكفاءة أكبر، إلى خفض استهلاك الوقود بنحو 20% وتقليل انبعاثات الجسيمات الدقيقة بنسبة تصل إلى 70%. وما بدأ كحل تقني في أحد الوديان أصبح اليوم إلزامياً في جميع أنحاء نيبال، كما يجري اعتماده في بنغلاديش والهند وباكستان.

ولا تقتصر المكاسب على تحسين جودة الهواء. فخفض كمية الكربون الأسود التي تستقر على الأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا يعني إبطاء ذوبان الجليد المرتبط بأحواض أنهار السند والغانج وبراهمابوترا، التي توفر المياه لأكثر من 750 مليون شخص في المناطق الواقعة أسفل مجاريها.

وهذا هو النموذج الذي يستحق التمويل. إذ تحدد المجتمعات المشكلات والحلول، وتثبت ما ينجح على أرض الواقع في مدنها، لتمنح الحكومات والمستثمرين نموذجاً مجرباً يمكن البناء عليه وتوسيعه.

ولا تقتصر العوائد على البيئة وحدها، فالحفاظ على هواء وأراضٍ أكثر نظافة يمثل أيضاً استراتيجية اقتصادية. ففي الهند وحدها، يمكن للإجراءات المستهدفة لتحسين جودة الهواء أن توفر فرصاً اقتصادية تتجاوز قيمتها 200 مليار دولار، وأن تدعم أكثر من 100 مليون وظيفة جديدة أو وظيفة تنتقل إلى مجالات جديدة، مع استفادة كبيرة للمجتمعات التي تتحمل العبء الأكبر للتلوث.

وغالباً ما يكون الشباب في قلب هذه الجهود، وهم أيضاً الفئة الأكثر تأثراً بالقرارات التي تُتخذ اليوم. ووفقاً لتقرير المخاطر العالمية لعام 2026، يحتل التلوث المرتبة السادسة بين أشد المخاطر العالمية خطورة في نظر الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً.

وتتمثل الخطوة التالية في دعم هذا الزخم بالتمويل والتكنولوجيا والإرادة السياسية اللازمة لتوسيع نطاق هذه الحلول. وليكن اليوم الدولي للشباب تذكيراً بأن طاقة الشباب وجهودهم المحلية تحتاج إلى دعم حقيقي، من خلال توفير التمويل والتكنولوجيا والإرادة السياسية التي يمكنها تحويل هذه المبادرات إلى تغيير عالمي.

المصدر

مقالات ذات صلة