- يمكن لتقلبات السياسات التجارية أن تحوّل المعاملات القابلة للاستمرار تجارياً إلى مخاطر تمويلية.
- تتعرض الشركات الأصغر حجماً لهذه المخاطر بشكل أكبر، إذ تتوفر أمامها خيارات أقل مقارنة بالشركات الكبرى.
- يمكن للتمويل المرن والسياسات القابلة للتنبؤ أن يساعدا على تضييق فجوة التمويل.
تتغير الرسوم الجمركية وقواعد التجارة بوتيرة أسرع من المعاملات التي تنظمها. وبالنسبة إلى الجهات المقرضة، يخلق ذلك مشكلة محددة: فقد تتغير الشروط التي استند إليها قرار تمويل معاملة ما قبل أن يتم سداد التمويل.
وتستجيب الجهات المقرضة لذلك برفع تكلفة التمويل، أو خفض الحدود الائتمانية، أو طلب ضمانات إضافية، أو رفض المعاملات التي لم تعد قادرة على تقييم مخاطرها بدقة. والنتيجة هي بقاء جزء من المعاملات التجارية القابلة للاستمرار دون تمويل.
كيف يتزايد عدم اليقين في السياسات التجارية؟
قد تستغرق المعاملة العابرة للحدود عدة أشهر منذ تقديم الطلب وحتى استلام المدفوعات، بينما تقوم الشركة بشراء السلع أو تصنيعها، وترتيب عمليات النقل، وشحن البضائع، ثم انتظار السداد لمدة قد تصل إلى 90 يوماً.
وخلال هذه الفترة بأكملها، يمكن أن تتغير القواعد من خلال فرض رسوم جمركية جديدة أو أعلى، أو تعليقها أو إعادة تطبيقها، أو إدخال متطلبات جديدة تتعلق بالوثائق أو الامتثال. وقد وصفت منظمة التجارة العالمية التحولات الأخيرة في السياسات التجارية بأنها غير مسبوقة.
وتفيد الأمم المتحدة للتجارة والتنمية بأنه تم منذ عام 2020 إدخال نحو 18 ألف إجراء يقيّد التجارة أو يشوهها، كما أن اللوائح الفنية والمعايير الصحية تؤثر حالياً في نحو ثلثي التجارة العالمية.
ما تكلفة عدم اليقين في السياسات التجارية؟
يُقدَّم التمويل التجاري قبل تنفيذ المعاملة أو أثناءها، ويتم سداده عند اكتمال العملية التجارية أو عندما يقوم المشتري بتسوية الفاتورة. وتقوم الجهة المقرضة بتقييم المخاطر المتوقعة خلال هذه الفترة، بما في ذلك الوضع المالي للأطراف، وطبيعة البضائع، ومسار الشحن، ودورة السداد.
وقد تحدث ثلاثة أمور عندما تتغير القواعد أثناء تنفيذ المعاملة:
يؤدي ارتفاع الرسوم الجمركية أثناء وجود البضائع في مرحلة النقل إلى خفض هامش الربح المتاح لسداد التمويل.
قد يؤدي إدخال متطلبات امتثال جديدة إلى تأخير التخليص الجمركي وتمديد دورة السداد.
قد يمنح إعلان عن سياسة جديدة المشتري سبباً لإعادة التفاوض بشأن السعر، أو تقليص حجم الطلب، أو تأخير الدفع.
وتقوم الجهات المقرضة بتسعير هذه التغيرات من خلال رفع أسعار الفائدة، أو خفض الحدود الائتمانية، أو زيادة متطلبات الضمان، أو رفض المعاملات التي أصبحت مخاطرها صعبة القياس.
ولا ينخفض الطلب على التمويل التجاري، إذ تظل المعاملات بحاجة إلى التمويل، لكن نسبة ذلك الطلب التي تتم الموافقة عليها تتراجع. وما يتبقى دون موافقة هو ما يُعرف بفجوة التمويل.
من يتأثر بالبيئة التي تتغير فيها السياسات بسرعة؟
يتأثر المستوردون أيضاً، إذ يحتاجون إلى مزيد من رأس المال العامل لاستيعاب ارتفاع التكلفة الإجمالية للسلع بعد وصولها. وقد يُطلب من المورد تمديد شروط السداد، أو يضطر الموزع إلى الاحتفاظ بالمخزون لفترة أطول، أو يقوم المشتري بتقليص حجم الطلبات بسبب عدم اليقين بشأن الأسعار المستقبلية.
وتتأثر الشركات بجميع أحجامها، لكنها لا تمتلك جميعها القدرة نفسها على الاستجابة. فالشركات الكبرى والمتنوعة تستطيع تغيير مصادر التوريد، والتعامل مع عدة موردين، والتحوط من بعض المخاطر، وتحمل ضغوط مؤقتة على هوامش الربح.
أما الشركات الأصغر حجماً والأقل تنوعاً فتتوفر أمامها بدائل أقل، ولذلك يصل إليها تأثير التمويل بشكل أسرع. وتشير الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى أن المصدرين الأصغر حجماً يواجهون تكاليف امتثال أعلى مع تشديد اللوائح التجارية.
وفي شركة Drip Capital، حيث نوفر رأس المال العامل للشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة في التجارة، نراقب هذه الأنماط من خلال بيانات المدفوعات والمعاملات. فقد ينتقل مشترٍ كان يسدد خلال 45 يوماً إلى 55 يوماً، ثم إلى 60 يوماً.
كما قد تنخفض أحجام الطلبات على مسار تجاري معين. ويطلب المستوردون من الموردين فترات سداد أطول، بينما يحتاج المصدرون إلى تمويل يمتد على دورة أطول لتحصيل مستحقاتهم. وهذه هي التحولات التي نبحث عنها، وليس باعتبارها نتائج مقاسة على مستوى السوق بأكمله.
ولكل واحد من هذه التغيرات أثر مباشر في رأس المال العامل. فقد تظل المعاملة مجدية تجارياً، لكن حجم رأس المال المطلوب والفترة التي تكون هناك حاجة إليه خلالها يمكن أن يتغيرا بسرعة.
ما فجوة التمويل التجاري؟
يقدّر بنك التنمية الآسيوي أن فجوة التمويل التجاري العالمية ظلت عند مستوى 2.5 تريليون دولار في عام 2025، أي ما يعادل نحو 10% من التجارة العالمية، انخفاضاً من 10.6%. كما وجد أن 80% من البنوك التي شملها الاستطلاع تتوقع ارتفاع الطلب على التمويل التجاري مع قيام الشركات بتنويع أسواقها وإعادة تنظيم سلاسل التوريد الخاصة بها.
ومن اللافت أن الفجوة ظلت مستقرة بدلاً من أن تتسع، في الوقت الذي نمت فيه التجارة العالمية. وتشير منظمة التجارة العالمية إلى أن حجم تجارة السلع ارتفع بنسبة 4.6% في عام 2025، متجاوزاً التوقعات، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن تأثير الرسوم الجمركية الجديدة كان أقل مما كان متوقعاً.
وبينما لم تنكمش التجارة، فإن زيادة حذر الجهات المقرضة في الوقت الذي تحتاج فيه الشركات إلى المزيد من رأس المال العامل ولفترات أطول تعني أن بعض المعاملات القابلة للاستمرار لا تحصل على التمويل حتى في سوق يشهد نمواً.
ولا يزال معظم تمويل الشركات منظماً حول مراجعات ائتمانية دورية. إذ تقوم الجهة المقرضة بدراسة الحسابات المالية التاريخية، وتحديد سقف للتسهيلات، ثم تعيد مراجعته بعد ستة أشهر أو 12 شهراً. ويعمل هذا النموذج عندما تكون ظروف التشغيل مستقرة إلى حد كبير.
لكنه يصبح أقل فاعلية عندما تتغير الرسوم الجمركية ومتطلبات الامتثال وسلوك المشترين عدة مرات خلال العام. فقد لا يعكس الحد الائتماني المحدد استناداً إلى حسابات العام الماضي مستوى المخاطر المرتبط بشحنة يتم تنفيذها اليوم.
وقد تستمر الجهة المقرضة في تقديم التمويل بناءً على معلومات لم تعد حديثة، أو قد تقرر خفض التسهيلات الائتمانية للشركة بأكملها لأن مساراً تجارياً واحداً أو منتجاً واحداً أصبح أكثر صعوبة في التقييم.
كيف يمكننا تقليص فجوة التمويل التجاري؟
لتقليص فجوة التمويل، يجب أن يتغير أمران.
1. التقييم على مستوى كل معاملة
يمكن إعادة تقييم التمويل المرتبط بالمعاملات الفردية بسرعة أكبر. فبالنسبة إلى كل شحنة، تستطيع الجهة المقرضة النظر إلى المشتري، والمورد، والمنتج، ومسار الشحن، وشروط السداد، والرسوم الجمركية السارية حالياً، وسلوك الدفع الأخير.
ويتيح ذلك التمييز بين المعاملات التي لا تزال قابلة للاستمرار وتلك التي ارتفعت مخاطرها بشكل كبير. كما أن التغيير الذي يؤثر في سوق واحدة لا ينبغي أن يفرض على الجهة المقرضة خفض دعمها لبقية أعمال الشركة.
ولا يزيل هذا النهج مخاطر السياسات، لكنه يعني أن المخاطر تُقيَّم استناداً إلى المعلومات الحالية بدلاً من الاعتماد على تقييم سنوي.
2. الإخطار المسبق بالتغييرات في السياسات
يمكن للجهات المقرضة تحسين طريقة تقييمها للمخاطر، لكنها لا تستطيع إزالة حالة عدم اليقين الناتجة عن التغييرات المفاجئة في السياسات. وهنا يكون للحكومات دور مهم.
فمن الأسهل تقييم آثار التغييرات في الرسوم الجمركية والقواعد التجارية وتسعير مخاطرها عندما يتم الإعلان عنها قبل فترة زمنية معقولة، وتطبيقها وفق جدول زمني واضح، ومن دون أثر رجعي. ولا يتطلب ذلك بقاء السياسات ثابتة، بل أن يراعي تنفيذها المعاملات العابرة للحدود التي تكون قيد التنفيذ بالفعل عند تغيير القواعد.
ويتيح الإخطار المسبق للشركات تعديل قراراتها المتعلقة بالتسعير والتوريد والشحن. كما يتيح للجهات المقرضة تقييم المعاملة وفق القواعد المرجح أن تكون سارية عند وصول البضائع. وقد أشارت المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية، نغوزي أوكونجو إيويالا، إلى أن الدول الأعضاء تستطيع تخفيف الأعباء الاقتصادية على الناس حول العالم من خلال الحفاظ على سياسات تجارية قابلة للتنبؤ وتعزيز مرونة سلاسل التوريد.
ورغم أن أياً من هذين الإصلاحين لن يزيل حالة عدم اليقين من التجارة العالمية، فإن تطبيقهما معاً من شأنه تقليل عدد المعاملات القابلة للاستمرار التي تصبح مكلفة للغاية من حيث التمويل أو تفقد إمكانية الحصول عليه تماماً.
وبالنسبة إلى أي شركة تمارس التجارة عبر الحدود، فإن القدرة على الوصول إلى رأس المال في التوقيت المناسب خلال المعاملة هي التي تحدد ما إذا كانت ستقبل طلباً جديداً، أو تشتري مخزوناً، أو تسدد لمورد، أو تدخل سوقاً جديدة.
ولا يتمثل الهدف ببساطة في توفير المزيد من الائتمان، بل في تقديم ائتمان يتم تقييمه على مستوى كل معاملة، بحيث لا يؤدي تغيير في السياسة يؤثر في مسار تجاري واحد إلى سحب التمويل من الشركة بأكملها.
