القائمة الرئيسية

لماذا نحتاج إلى نهج أكثر شمولاً في تنمية المهارات؟

لماذا نحتاج إلى نهج أكثر شمولاً في تنمية المهارات؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة أهمية تبني نهج أكثر شمولاً في تنمية المهارات، من خلال التمييز بين اكتساب المهارات ورفع مستواها وإعادة التأهيل المهني، وبيان الدور المختلف الذي يؤديه كل منها في بناء رأس المال البشري وتعزيز التنمية. كما تسلط الضوء على مخاطر المسارات المجزأة، وتوضح لماذا تحتاج المجتمعات إلى أنظمة مرنة ومتكاملة تربط التعليم بسوق العمل وتساعد الأفراد على التكيف مع التحولات واغتنام الفرص وبناء مستقبل أكثر استقراراً.

  • غالباً ما تُستخدم مفاهيم اكتساب المهارات، ورفع مستوى المهارات، وإعادة التأهيل المهني بالتبادل، إلا أن لكل منها دوراً مختلفاً في دفع عجلة التنمية البشرية، كما يتطلب كل منها نهجاً خاصاً يتناسب مع السياق المحلي واحتياجات سوق العمل.
  • عندما يتوافق كل نهج من نُهج تنمية المهارات مع الواقع، فإنه يمكن أن يوسّع قدرات الأفراد، ويفتح أمامهم فرصاً جديدة، ويعزز قدرتهم على الصمود على المدى الطويل. أما في غياب هذا التوافق، فتظل مسارات العمل والتنمية مجزأة وغير مترابطة.
  • ينبغي أن تتجاوز أساليب تطوير المهارات التدخلات المتفرقة، وأن تتجه نحو بناء أنظمة مرنة وشاملة تقوم على رؤية طويلة الأجل.

أدت النقاشات حول مستقبل العمل إلى وضع مفاهيم اكتساب المهارات، ورفع مستوى المهارات، وإعادة التأهيل المهني في صميم الحوار العالمي. وعلى الرغم من تقديم هذه المفاهيم في كثير من الأحيان باعتبارها حلولاً موحدة تصلح لمختلف التحديات المعقدة التي تواجه أسواق العمل، فإنها لا تعني الشيء نفسه ولا يمكن استخدامها بالتبادل.

ولا يؤدي هذا التبسيط المفرط إلى طمس الأدوار المختلفة التي يؤديها كل مفهوم فحسب، بل يتجاهل أيضاً حقيقة أكثر جوهرية، وهي أن هذه الأدوات ليست مجرد وسائل للتعامل مع سوق العمل، وإنما هي آليات تؤثر في الطريقة التي يُبنى بها رأس المال البشري ويُحافظ عليه.

غالباً ما يُنظر إلى رأس المال البشري من زاوية الإنتاجية، لكنه في الواقع يعكس مجموعة أوسع من القدرات البشرية، بما في ذلك المعرفة والتعليم والمهارات والصحة، وهي عوامل تحدد كيفية مشاركة الشباب في العالم المحيط بهم وقدرتهم على التكيف معه.

ونظراً إلى أن هذه القدرات تُبنى بطرق مختلفة وفي مراحل مختلفة وضمن سياقات متنوعة، فلا يمكن التعامل مع اكتساب المهارات ورفع مستواها وإعادة التأهيل المهني باعتبارها تدخلات متشابهة، إذ يؤدي كل منها دوراً متميزاً في كيفية تطوير رأس المال البشري.

ويُعد رأس المال البشري بدوره محركاً أساسياً للتنمية البشرية، إذ يتيح الانتقال من التركيز على ما «يمتلكه» الأفراد من قدرات إلى ما يمكنهم في نهاية المطاف أن «يصبحوا عليه» وما يستطيعون تحقيقه من أجل عيش الحياة التي يقدّرونها.

وبذلك، يتحول التركيز من النظر إلى الأفراد باعتبارهم مجرد مساهمين في تحقيق النمو الاقتصادي، إلى الاعتراف بهم باعتبارهم الغاية النهائية للتنمية ذاتها.

«علينا أن ندرك أن رأس المال البشري لا يُبنى في لحظة واحدة، بل يتشكل بصورة تدريجية من خلال التعلم المبكر، والتعليم الرسمي، والانتقال إلى سوق العمل، والتكيف المستمر طوال مراحل الحياة.»

كيف يسهم اكتساب المهارات ورفع مستواها وإعادة التأهيل المهني بطرق مختلفة في التنمية البشرية؟

غالباً ما يبدأ تعزيز رأس المال البشري باكتساب المهارات الأساسية. ويُعد ذلك تحدياً تنموياً محورياً يتطلب استثمارات مستدامة لضمان الوصول العادل إلى التعليم الأساسي والمهارات العملية التي يمكن تحويلها إلى فرص اقتصادية حقيقية ومتوافقة مع الاحتياجات القائمة في سوق العمل.

ويتمثل الهدف في تعليم الشباب وتدريبهم ومنحهم المؤهلات والشهادات اللازمة وربطهم بفرص العمل، أو إعدادهم لخوض تجربة ريادة الأعمال. ومن دون هذه الركائز الأساسية، يظل تحقيق دخل مستقر والوصول إلى الاعتماد على الذات بعيد المنال بالنسبة إلى ملايين الأشخاص.

أما رفع مستوى المهارات، فيتيح للأفراد تعميق كفاءاتهم وتوسيعها، بما يضمن استمرار ملاءمتها للوظائف التي تتطور بمرور الوقت. ففي البيئات المستقرة، يدعم هذا النهج الإنتاجية والتقدم المهني مدفوعاً بالابتكار. أما في البيئات الهشة أو التي تشهد اضطرابات، فيمكنه مساعدة الأفراد على الحفاظ على تقدمهم، والعودة إلى التعلم والعمل، ومواصلة مسيرتهم.

وفي كلتا الحالتين، يسهم استمرار الوصول إلى فرص تطوير المهارات في تعزيز رأس المال البشري بدلاً من السماح له بالركود، مع تحقيق مكاسب واضحة وقابلة للقياس في القدرة على توليد الدخل.

وفي الاقتصادات التي تشهد تحولات متسارعة، تصبح إعادة التأهيل المهني ضرورة ملحّة. فالتقدم التكنولوجي، والتحولات المناخية، والذكاء الاصطناعي، والتغيرات في الهياكل الاقتصادية تعيد تعريف طبيعة العمل بوتيرة غير مسبوقة.

وبالنسبة إلى كثير من العاملين، لا يتمثل التحدي في التقدم داخل المجال نفسه، بل في الانتقال من قطاع إلى آخر. ولهذا تُعد إعادة التأهيل المهني ضرورية لتمكين الشباب من التعامل مع الاضطرابات بمرونة وكرامة، مع مساعدة الاقتصادات في الوقت نفسه على بناء قدرات محلية أقوى.

فعلى سبيل المثال، عندما تصبح تقنية أساسية قديمة غير صالحة للاستخدام ويتم استبدالها بحلول جديدة ومتقدمة كلياً على مستوى الأنظمة، فإن العاملين لا يقومون ببساطة بتحديث مهاراتهم الحالية، بل يحتاجون إلى إعادة التأهيل واكتساب قدرات جديدة بصورة جوهرية تتيح لهم تولي وظائف مختلفة.

ولا يتعلق الأمر هنا بتوسيع ما هو موجود بالفعل، وإنما بالانتقال إلى مجموعات مختلفة تماماً من المهارات، وهو ما يتطلب من الأفراد تبني الابتكار للانتقال من بيئة تكنولوجية إلى أخرى والمساهمة بصورة فاعلة في تطوير الحلول الناشئة.

المسارات المجزأة لتنمية المهارات قد تعيق تقدم المجتمعات

تؤثر كل واحدة من هذه المفاهيم بصورة مباشرة في كيفية بناء رأس المال البشري وتعزيزه والحفاظ عليه ضمن سياقات مختلفة. وعندما تتوافق نُهج تنمية المهارات مع الواقع، فإنها يمكن أن توسع قدرات الأفراد، وتفتح أمامهم فرصاً جديدة، وتعزز قدرتهم على الصمود على المدى الطويل.

أما عندما يغيب هذا التوافق، فتكون النتيجة أن الأفراد لا يمتلكون المهارات المطلوبة للوظائف الموجودة فعلياً، ولا القدرات اللازمة لمواكبة المتطلبات المتغيرة لسوق العمل.

ومع تحوّل الصناعات وظهور وظائف جديدة، يجد كثير من الأشخاص أنفسهم متأخرين عن الركب لأن المسارات التي تتيح تطوير المهارات الجديدة المطلوبة لتلك الوظائف تظل مجزأة أو يصعب الوصول إليها. وبالنسبة إلى الأشخاص الذين لم يتمكنوا من استكمال تعليمهم الرسمي، لا يتمثل التحدي في تحديد المسار الذي ينبغي اتباعه فحسب، بل في كيفية الوصول إلى أي مسار متاح من الأساس.

ولذلك، يجب أن تتجاوز أنظمة تنمية المهارات المسارات الخطية التقليدية التي تنتقل مباشرة من التعليم إلى العمل، وأن توفر مسارات مرنة ومتاحة تعيد ربط الأفراد بالمنظومة الأوسع، ليس فقط بهدف توليد الدخل، بل أيضاً لتعزيز القدرة على الصمود والمواطنة الفاعلة والتماسك الاجتماعي والرفاه.

ومن دون وجود هذا الترابط المستمر، قد تتحول تنمية المهارات إلى وعد من دون مسار حقيقي لتحقيقه.

ولمعالجة هذه المشكلة، علينا أن ندرك أن رأس المال البشري لا يُبنى في لحظة واحدة، بل يتشكل بصورة تدريجية من خلال التعلم المبكر، والتعليم الرسمي، والانتقال إلى سوق العمل، والتكيف المستمر طوال مراحل الحياة.

ومن دون تحقيق التوافق بين هذه المراحل، ستظل الفجوات قائمة، وسيجد الأفراد أنفسهم مضطرين إلى التنقل بين مسارات مجزأة تحد من قدرتهم على التقدم.

تنمية المهارات تتطلب تخطيطاً شمولياً وطويل الأجل

إن هذا التجزؤ بالتحديد هو ما يبرز مسألة أكثر جوهرية، تتمثل في أن بناء رأس المال البشري ليس هدفاً نهائياً في حد ذاته، وإنما وسيلة لتعزيز التنمية البشرية من خلال توسيع الفرص، وبناء القدرة على الصمود، وتمكين الأفراد من رسم ملامح مستقبلهم بأنفسهم.

وفي هذا السياق، ينبغي تقييم اكتساب المهارات ورفع مستواها وإعادة التأهيل المهني ليس فقط وفق قدرتها على دعم سبل العيش والاستجابة للتغيرات، بل أيضاً وفق مدى تمكينها للأفراد من توسيع خياراتهم في الحياة. وهذا يتطلب التركيز على نتائج ليست اقتصادية فحسب، وإنما تنموية أيضاً.

ولا توجد صيغة موحدة يمكن تطبيقها في جميع البلدان لتحقيق ذلك. فكل دولة تحتاج إلى نهج خاص بها يتشكل وفق هيكلها الاقتصادي، وتركيبتها السكانية، ومرحلة التنمية التي وصلت إليها.

لكن ما يظل ثابتاً في جميع الحالات هو ضرورة تجاوز التدخلات المجزأة والانتقال إلى أنظمة تتسم بالمرونة والشمول وتستند إلى تفكير طويل الأجل.

ويتطلب ذلك أيضاً بناء أنظمة متكاملة بصورة كاملة، يجري فيها تحقيق التوافق بين التعليم وتنمية المهارات واحتياجات القطاع الخاص، بما يتيح انتقالاً سلساً بين التعلم والعمل، بدلاً من ترك الأفراد يتنقلون بمفردهم بين مسارات متفرقة وغير مترابطة.

ومن التجزؤ إلى التكامل، يعيد هذا التحول صياغة مفهوم المهارات بحيث ينتقل التركيز من المخرجات إلى النتائج؛ أي من السؤال عن عدد الأشخاص الذين تلقوا التدريب، إلى السؤال عما إذا كان الأفراد قادرين فعلاً على التعامل مع التغيير، واغتنام الفرص، وبناء مستقبل ذي معنى.

وعندما ننجح في تحقيق ذلك، تتجاوز عمليات اكتساب المهارات ورفع مستواها وإعادة التأهيل المهني حدود الطموحات والسياسات، لتتحول إلى تقدم بشري حقيقي، وتصبح أساساً لبناء رأس مال بشري أقوى وتنمية بشرية أكثر شمولاً.

المصدر

مقالات ذات صلة