- يشهد اقتصاد الفضاء والاستكشاف الفضائي توسعاً متواصلاً، لكنه ظل حتى الآن متركزاً في نطاق ضيق من مدار الأرض، في حين يمكن توظيف القوى نفسها التي أسهمت في تطوير هذا الاقتصاد للانطلاق نحو استكشاف الفضاء السحيق.
- أصبح استكشاف الفضاء السحيق اليوم أقل تكلفة وأكثر قابلية للتوسع من أي وقت مضى، ما يتيح تنفيذ مهام أكثر تواتراً لمواجهة التهديدات والعثور على المعادن الحيوية التي يمكن أن تسهم بدورها في توسيع صناعة الفضاء السحيق.
- يتطلب توسيع اقتصاد الفضاء السحيق نهجاً متعدد الأطراف، إلى جانب منصات وبنية تحتية وأطر حوكمة مشتركة، ويمكن البدء في تطويرها من الآن استعداداً لمرحلة يصبح فيها استكشاف الفضاء السحيق أكثر انتظاماً.
على مدى العقدين الماضيين، ارتبط اقتصاد الفضاء التجاري إلى حد كبير بما يحدث في مدار الأرض. فقد أسهم انخفاض تكاليف الإطلاق، وتصغير أحجام المركبات الفضائية، والتوافر المتزايد للمكونات التجارية الجاهزة للاستخدام، في فتح المجال أمام صناعات كان من الصعب تصورها في مطلع القرن الحالي.
ومن المتوقع أن تسهم خدمات مثل الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية ومراقبة الأرض، إلى جانب قطاعات أخرى، في دفع قيمة اقتصاد الفضاء إلى ما يتجاوز تريليون دولار خلال العقد المقبل. ومع ذلك، يُفترض أن تتم الغالبية العظمى من هذا النشاط الاقتصادي داخل نطاق ضيق نسبياً فوق سطح الأرض، يمتد من المدار الأرضي المنخفض إلى المدار الثابت بالنسبة إلى الأرض.
أما خارج مدار الأرض، فقد بدت الصورة مختلفة تماماً. فقد ظلت المهمات إلى القمر والكويكبات والكواكب إلى حد كبير حكراً على وكالات الفضاء الوطنية. وكانت كل مركبة فضائية تُرسل إلى هذه الوجهات تُصمم عادةً كمشروع خاص وفريد، مخصص لوجهة واحدة ومجموعة محددة من الأهداف.
وقد حققت هذه المهمات إنجازات علمية وهندسية استثنائية، لكنها قد تستغرق عقداً أو أكثر من أجل تطويرها، وتبلغ تكلفتها مئات الملايين، بل وأحياناً مليارات الدولارات.
غير أن هذا النموذج بدأ يتغير. إذ تعمل مجموعة جديدة من الشركات التجارية على تطبيق العديد من العوامل نفسها التي أحدثت تحولاً في النشاط الفضائي داخل مدار الأرض، ولكن هذه المرة على القمر وما وراءه.
استكشاف الفضاء السحيق أصبح بالفعل أكثر سهولة
أصبحت مهمات الفضاء السحيق أقل تكلفة وأكثر قابلية للتوسع بفضل منصات المركبات الفضائية الموحدة، وخيارات الإطلاق الأقل تكلفة، والملاحة الذاتية، والبرمجيات الأكثر قوة، والمكونات المتاحة تجارياً. وتتجاوز أهمية هذا التحول حدود أي مهمة منفردة، بل وحتى حدود أي شركة بعينها.
فالفضاء السحيق بدأ ينتقل من كونه مجالاً مخصصاً لمهمات استكشافية حكومية نادرة إلى طبقة جديدة من البنية التحتية الاقتصادية. ولذلك، ينبغي للحكومات وقادة الأعمال البدء في التخطيط لهذا التحول من الآن.
وقد بدأ بالفعل تطوير أهم عناصر هذه البنية التحتية، وهي مركبات فضائية منخفضة التكلفة ومصممة للعمل في الفضاء السحيق. ومن خلال جعل مهمات الفضاء السحيق أكثر قدرة على تحمل التكاليف وأكثر قابلية للتكرار، تستطيع هذه المنصات خفض الحواجز أمام التجريب والوصول إلى هذه المناطق البعيدة.
والأهم من ذلك أنها تتيح قدرات مشتركة يمكن أن تخدم العديد من العملاء والتطبيقات، بما في ذلك استخدامات ربما لم يكن من الممكن توقعها عند بدء بناء هذه البنية التحتية.
ويقدم التاريخ أمثلة متكررة على ذلك. فلم تكن السكك الحديدية ثورية بسبب سلعة واحدة بعينها كانت تنقلها. كما لم تُحدث الحاويات تحولاً في التجارة العالمية بسبب منتج محدد. ولم يُطوَّر نظام تحديد المواقع العالمي من أجل استخدام معين مثل خدمات مشاركة الركوب، أو الزراعة الدقيقة، أو الخرائط على الهواتف المحمولة. ففي كل حالة، جاءت القيمة المستدامة من توفير قدرة مشتركة أمكن بناء أشكال جديدة تماماً من النشاط الاقتصادي فوقها.
ومن المتوقع أن تؤدي البنية التحتية للفضاء السحيق دوراً مماثلاً في تمكين أنشطة جديدة.
فالمهمات الأكثر تواتراً والأقل تكلفة ستوسع نطاق علوم الكواكب، من خلال تمكين الباحثين من زيارة عدد أكبر من الوجهات ونشر المزيد من الأجهزة بوتيرة أعلى بكثير مما كان ممكناً تاريخياً. ويمكن تصور وكالات الفضاء الوطنية حول العالم وهي تطلق عشرات المهمات أو أكثر إلى عدد أكبر من الوجهات في مختلف أنحاء النظام الشمسي.
الاستفادة من وفورات الحجم
تدعم القدرات نفسها أيضاً جهود الدفاع الكوكبي. فاكتشاف كويكب يُحتمل أن يشكل خطراً ليس سوى الخطوة الأولى في الدفاع عن الأرض. إذ يحتاج صناع القرار أيضاً إلى فهم تركيب الكويكب وبنيته وكتلته وديناميكيات دورانه ومساره، قبل تحديد ما إذا كان التدخل ضرورياً.
وفي عام 2022، نفذت وكالة ناسا مهمة هدفت إلى اختبار إمكانية تغيير مسار جرم سماوي، حيث قامت مركبة فضائية صغيرة بدفع القمر الكويكبي «ديمورفوس» بشكل طفيف، ونجحت في تغيير مداره، بتكلفة إجمالية بلغت نحو 324.5 مليون دولار.
وقد جعلت هذه التكلفة المرتفعة مثل هذه المهمات نادرة. وفي المقابل، فإن المركبات الفضائية منخفضة التكلفة والقابلة للنشر بسرعة ستتيح دراسة عدد أكبر بكثير من الأجسام التي قد تشكل تهديداً، وفي وقت مبكر، ما يزيد فرص نجاح أي عملية محتملة لتغيير مسارها.
ومن المتوقع أيضاً أن تتمكن المركبات الفضائية التجارية في نهاية المطاف من استخراج المعادن الحيوية من الكويكبات، ما يوفر مصدراً جديداً تحتاج إليه بشدة المواد الأساسية المستخدمة في الإلكترونيات، وتقنيات الطاقة النظيفة، والعمليات الصناعية.
وسيكون من الخطأ انتظار إثبات جدوى السوق بشكل كامل قبل التحرك. لذلك، ينبغي للحكومات أن تبدأ في إدراج الفضاء السحيق ضمن استراتيجيات المشتريات والسياسات الصناعية وأولويات البحث والشراكات الدولية.
تعاون أطراف متعددة لبناء اقتصاد مستدام للفضاء السحيق
بدلاً من التعامل مع كل مهمة باعتبارها مشروعاً منفصلاً، يمكن للجهات الحكومية دعم المنصات الموحدة، وأنظمة الاتصالات المشتركة، وقابلية التشغيل البيني، وزيادة وتيرة المهمات التجارية.
كما يمكن لأساليب المشتريات التي تكافئ انخفاض التكلفة وقابلية التكرار أن تساعد على إنشاء قاعدة صناعية مستدامة، بدلاً من الاستمرار في تنفيذ سلسلة من المهمات المنفردة التي لا ترتبط ببنية مشتركة.
وفي الوقت نفسه، ينبغي لقادة الأعمال التفكير في نقاط التقاء صناعاتهم مع الأنشطة التي تجري خارج مدار الأرض. فمجالات الاتصالات، والأنظمة الذاتية، والروبوتات، والطاقة، والمواد المتقدمة، والتأمين، والخدمات اللوجستية، كلها تمتلك أدواراً يمكن أن تؤديها. وعلى الشركات أن تفهم كيف يمكن لتقنياتها وأعمالها الحالية أن تندمج في اقتصاد فضائي أكثر اتساعاً.
كما يجب على القطاعين العام والخاص المشاركة منذ وقت مبكر في معالجة قضايا المعايير التقنية، وتنسيق حركة المركبات، والاستخدام المسؤول للفضاء. فعندما يصل النشاط التجاري في الفضاء السحيق إلى مرحلة النضج، ستكون العديد من البنى والقواعد التي تحكمه قد وُضعت بالفعل.
وستكون الدول والشركات التي تستثمر مبكراً في أفضل موقع للتأثير في المعايير التقنية، والعلاقات التجارية، وهياكل الحوكمة التي ستقوم عليها المرحلة المقبلة من اقتصاد الفضاء.
ولعقود طويلة، كان يُنظر إلى الفضاء السحيق في المقام الأول بوصفه وجهة للاستكشاف. أما اليوم، فينبغي النظر إليه أيضاً باعتباره بنية تحتية، وقد حان الوقت للاستعداد لذلك من الآن.
