القائمة الرئيسية

إطعام 10 مليارات نسمة: كيف يمكن للتجارة الاستراتيجية أن تعزز مرونة النظم الغذائية

إطعام 10 مليارات نسمة: كيف يمكن للتجارة الاستراتيجية أن تعزز مرونة النظم الغذائية
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة سبل تعزيز قدرة النظم الغذائية العالمية على إطعام نحو 10 مليارات نسمة بحلول عام 2050، موضحةً أن الأمن الغذائي لا يتحقق بالاعتماد على الاكتفاء الذاتي أو التجارة وحدهما، بل من خلال مزيج ذكي يجمع بين تنويع الشركاء ومصادر الاستيراد، وتقوية الإنتاج المحلي، وبناء المخزونات الاستراتيجية، وتطوير الخدمات اللوجستية والتعاون التنظيمي، بما يتيح للدول التكيف سريعاً مع الأزمات المناخية والجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد.

  • رغم تباطؤ نمو سكان العالم، سيظل العالم بحاجة إلى إطعام ما يقرب من 10 مليارات نسمة بحلول عام 2050، في ظل تصاعد المخاطر المناخية والجيوسياسية.
  • يكشف مؤشر مرونة النظم الغذائية الصادر عن Economist Enterprise عن وجود ارتباط إيجابي بين التجارة الزراعية والقدرة على تحمّل تكلفة نظام غذائي صحي ومتنوّع.
  • تجمع النظم الغذائية المستعدة للمستقبل بين التجارة المتنوعة، والإنتاج المحلي القوي، والمخزونات الاستراتيجية، والخدمات اللوجستية المرنة، وتحسين وصول المزارعين إلى الأسواق.

المخاوف بشأن القدرة على إطعام عدد متزايد من السكان ليست جديدة. فمنذ أكثر من قرنين، حذّر الاقتصادي وعالم السكان توماس روبرت مالثوس من أن النمو السكاني قد يتجاوز في نهاية المطاف نمو إنتاج الغذاء، ما يؤدي إلى تفشي النقص والمجاعات على نطاق واسع.

وقد حالت التطورات التكنولوجية والابتكارات الزراعية والتجارة العالمية، إلى حد كبير، دون تحقق هذا السيناريو المعروف بـ«فخ مالثوس». لكن السؤال الأساسي لا يزال مطروحاً: كيف يمكن للمجتمعات ضمان الأمن الغذائي لسكان يتزايد عددهم في ظل محدودية الموارد وتصاعد الضغوط البيئية؟

بحلول عام 2050، من المتوقع أن يصل عدد سكان العالم إلى نحو 9.7 مليار نسمة، ما يعني وجود ما يقرب من 10 مليارات شخص يتعين توفير الغذاء لهم. وتزداد صعوبة تلبية هذه الحاجة يوماً بعد يوم، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتزايد الاضطرابات المرتبطة بالمناخ، وتعرّض سلاسل الإمداد للاختبار نتيجة النزاعات والتشرذم الاقتصادي. وقد أعاد ذلك، في العديد من البلدان، إشعال نقاش قديم حول ما إذا كان ينبغي للدول الاعتماد بدرجة أكبر على التجارة العالمية أم زيادة إنتاج الغذاء محلياً.

لكن الواقع هو أن النظم الغذائية المرنة تحتاج إلى الأمرين معاً.

تشير أبحاث حديثة ضمن مؤشر مرونة النظم الغذائية الصادر عن Economist Enterprise، بدعم من Cargill، إلى وجود ارتباط إيجابي بين التجارة الزراعية وكل من القدرة على تحمّل تكلفة نظام غذائي صحي وتنوّع الأنماط الغذائية. فالتجارة تتيح للبلدان استكمال إنتاجها المحلي، والتخفيف من آثار النقص المحلي، وربط المزارعين بعدد أكبر من المشترين. إلا أن هذه المكاسب لا تتحقق تلقائياً، إذ لا يزال المنتجون بحاجة إلى الطرق ومرافق التخزين والتمويل والمعلومات المتعلقة بالأسواق.

كيف تؤثر الصدمات التجارية في إمدادات الغذاء

أظهرت الصدمات التجارية، بدءاً من إغلاق الحدود خلال الجائحة وصولاً إلى النزاعات التي تؤثر في طرق الشحن مثل مضيق هرمز، أن تنويع مصادر الإمداد لا يمكن قياسه بمجرد إحصاء عدد الموردين الموجودين على قائمة ما.

فقد تبدو سلسلة الإمداد متنوعة جغرافياً، لكنها تظل عرضة للمخاطر إذا كانت تعتمد على الميناء نفسه أو ممر النقل نفسه أو مركز إنتاج الأسمدة نفسه. ويوضح اضطراب تدفقات الطاقة والأسمدة عبر مضيق هرمز كيف يمكن لصدمة تحدث بعيداً عن المزارع أن تؤثر في نهاية المطاف في تكلفة الغذاء ومدى توافره.

لذلك، ينبغي أن يتجاوز النقاش الاختيار الثنائي بين التجارة المفتوحة والاكتفاء الذاتي. وبدلاً من ذلك، يجب على صانعي السياسات التركيز على بناء مرونة استراتيجية. ويعني ذلك تحديد المنتجات التي من الأفضل إنتاجها محلياً، وتلك التي يمكن الحصول عليها من الأسواق الدولية، والسلع التي تستدعي الاحتفاظ بمخزونات استراتيجية منها، إضافة إلى تحديد القدرات الاحتياطية المطلوبة عند تعطل مورد أو طريق إمداد.

وقد يكون من المبرر تعزيز القدرة المحلية على إنتاج الأغذية الأساسية التي يصعب استبدالها. أما المنتجات التي لا يمكن إنتاجها بكفاءة محلياً، فقد توفر التجارة المتنوعة والقدرة على اعتماد مصادر بديلة بسرعة قدراً أكبر من الأمن.

دروس في مرونة النظم الغذائية

توضح المملكة المتحدة وسنغافورة، وهما من الدول التي تحقق أداءً قوياً نسبياً في مؤشر مرونة النظم الغذائية، مدى اختلاف هذا التوازن من دولة إلى أخرى في الممارسة العملية.

تجمع المملكة المتحدة بين قاعدة زراعية كبيرة والانفتاح على التجارة. ففي عام 2023، بلغت نسبة الإنتاج إلى الإمدادات المتاحة 62% بالنسبة إلى إجمالي الغذاء. ومع ذلك، لا تزال البلاد تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الفاكهة والخضروات والمأكولات البحرية، في حين يعتمد إنتاجها المحلي بدوره على الأسمدة والطاقة والعمالة وعمل الموانئ بكفاءة. ولذلك، تعني المرونة الاستراتيجية الحفاظ على القدرة التنافسية للقطاع الزراعي، إلى جانب تحديد نقاط الاختناق في مختلف مراحل سلسلة الغذاء.

أما سنغافورة، فتنطلق من وضع معاكس. إذ تستورد أكثر من 90% من غذائها. وتقوم استراتيجيتها الغذائية على توزيع المخاطر عبر تنويع الواردات من أكثر من 180 دولة، وإقامة شراكات بين الحكومات، والاحتفاظ بمخزونات، ودعم إنتاج محلي مستهدف.

وقد شكّل حظر ماليزيا لصادرات الدجاج الحي عام 2022 اختباراً لهذا النموذج. وتمكن المستوردون من التحول إلى الدجاج المبرد والمجمد من أسواق أخرى، كما اعتمدت سنغافورة مورداً جديداً خلال أسابيع. وفي يوليو 2026، دخل اتفاق هو الأول من نوعه بين سنغافورة ونيوزيلندا حيز التنفيذ، ويتعهد فيه البلدان بعدم فرض قيود غير ضرورية على صادرات السلع الأساسية خلال فترات الاضطراب.

تواجه المملكة المتحدة وسنغافورة قيوداً مختلفة للغاية، لكن المبدأ الأساسي واحد: تتحقق المرونة من خلال الحفاظ على خيارات موثوقة والقدرة على الانتقال من خيار إلى آخر، بدلاً من الاعتماد على مصدر واحد للإمدادات.

فوائد تنويع النظم الغذائية

لا تعني المرونة الاستراتيجية الانسحاب من التجارة العالمية، بل تعني تعزيز العلاقات مع الشركاء الموثوقين، مع تنويع مصادر الإمداد عبر المناطق الجغرافية والموردين وطرق النقل.

ومع ذلك، ينبغي ألا يتحول نقل سلاسل الإمداد إلى الدول الصديقة إلى تكتلات غذائية ضيقة. فالتوافق السياسي ليس سوى بُعد واحد من أبعاد الموثوقية، إذ قد يتعرض حتى الشريك الموثوق للجفاف أو لتعطل البنية التحتية. ولذلك، تتطلب التجارة المرنة التنويع بحسب أنواع المخاطر، وليس فقط بحسب الموقع الجغرافي.

ويظل الإنتاج المحلي جزءاً مهماً من هذه المنظومة. فهو يمكن أن يقلل من التعرض للاضطرابات الخارجية ويحافظ على قدرات إنتاجية قد يكون من الصعب إعادة بنائها بعد وقوع أزمة. لكن السعي إلى الاكتفاء الذاتي باعتباره هدفاً بحد ذاته قد يخلق نقاط ضعف جديدة، ولا سيما في المناطق التي تتزايد فيها ضغوط المياه أو المخاطر المناخية.

كيف تؤثر اللوائح التنظيمية في مرونة النظم الغذائية

إن بناء محفظة متنوعة من مصادر الإمداد لا يكفي وحده. فقيمتها الحقيقية تعتمد على قدرة الدول على الانتقال بسرعة بين المصادر المختلفة عند حدوث اضطراب. وهذا يجعل التعاون التنظيمي عنصراً غالباً ما يتم التغاضي عنه في بناء المرونة.

وعبر الدول الستين التي يشملها المؤشر، يتراوح عدد التدابير غير الجمركية المفروضة على الواردات الزراعية بين صفر وأكثر من 1,800 إجراء. ويخدم العديد منها أهدافاً مشروعة تتعلق بالسلامة، لكن عندما تختلف المتطلبات بصورة غير ضرورية بين الدول، يواجه المصدرون اختبارات وشهادات متكررة، ما يرفع التكاليف ويبطئ إعادة توجيه التجارة أثناء الأزمات.

وتظهر آثار هذه العراقيل بوضوح على مستوى المزارعين. فقد ينتج صغار المزارعين محصولاً قابلاً للبيع، لكن غياب مرافق التخزين منخفضة التكلفة أو رأس المال العامل قد يضطرهم إلى قبول أول عرض يحصلون عليه بعد الحصاد، في الوقت الذي تكون فيه الأسعار في أدنى مستوياتها.

وتوضح التجربة في أوغندا كيف يمكن لتدخلات محدودة أن تساعد في معالجة هذه المشكلة. إذ يستطيع مزارعو الذرة استخدام سوق رقمية عبر الهاتف المحمول تربطهم بالتجار وتزودهم بمعلومات عن الأسعار من خلال الرسائل النصية. ويسهم ذلك في زيادة حركة التجارة وتقليص تفاوت الأسعار بين الأسواق. فالوصول إلى الأسواق لا يعتمد فقط على الرسوم الجمركية، بل أيضاً على التخزين والنقل والتمويل والمعايير القابلة للتوافق بين مختلف الأسواق.

كيف يمكن بناء نظم غذائية مستعدة للمستقبل

تزداد هذه التحديات إلحاحاً مع تزايد التشرذم في النظام التجاري العالمي. وكما هو الحال مع أشباه الموصلات والمعادن الحيوية، يتأثر الغذاء بصورة متزايدة بقيود التصدير والتحالفات المتغيرة. إلا أن الغذاء ينطوي على تداعيات إنسانية مختلفة، لأن التأخير وارتفاع الأسعار ينعكسان مباشرة على ميزانيات الأسر وقدرتها على الحصول على أنظمة غذائية مغذية.

وسيتطلب بناء نظم غذائية مستعدة للمستقبل مجموعة مترابطة من التدابير التي يعزز بعضها بعضاً، تشمل تنويع العلاقات التجارية، وامتلاك قطاعات إنتاج محلية قوية، والاحتفاظ بمخزونات استراتيجية، وتطوير خدمات لوجستية قادرة على الصمود، وتعزيز التعاون التنظيمي، وتوفير بنية تحتية عملية تربط المزارعين بالأسواق.

لن يتحقق الأمن الغذائي من خلال الاختيار بين الاكتفاء الذاتي والتجارة. بل سيتحقق من خلال جعل الترابط بين الدول والأسواق أكثر قابلية للإدارة، بحيث عندما يتعطل مورد أو طريق أو سوق، يكون هناك بديل آخر قادر على أخذ مكانه.

المصدر

مقالات ذات صلة