- تدير الشركات نطاقاً متزايداً من المخاطر في ظل اقتصاد عالمي يزداد تعقيداً وترابطاً.
- أصبحت عوامل مثل المخاطر المناخية والذكاء الاصطناعي عوامل مضاعِفة للمخاطر على مستوى الأنظمة بأكملها، في وقت تتراجع فيه فعالية الأدوات التقليدية لامتصاص الصدمات.
- ومع تحمّل الشركات جانباً أكبر من تكاليف الاضطرابات، أصبحت المرونة بشكل متزايد جزءاً من مناقشات مجالس الإدارة حول الحوكمة وتخصيص رأس المال.
اسأل الرؤساء التنفيذيين عمّا يؤرقهم ليلاً، وستتكرر قائمة مألوفة: الحروب، والهجمات السيبرانية، والذكاء الاصطناعي، وارتفاع حرارة الكوكب.
وتظهر عدة من هذه القضايا في تقرير المخاطر العالمية 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يصنف المواجهة الجيو-اقتصادية باعتبارها الخطر الأبرز على المدى القريب. ومن الطبيعي، بل والمفيد في كثير من الأحيان، تصنيف المخاطر ضمن فئات واضحة ومنفصلة. لكن الخطر الأكبر خلال السنوات المقبلة لن يكون على الأرجح بنداً واحداً في سجل المخاطر، بل ما قد يحدث عندما تتصادم عدة مخاطر في الوقت نفسه.
فأزمة واحدة يمكن أن تمتد سريعاً إلى أزمة أخرى. وقد تؤدي حرب إقليمية إلى فرض عقوبات وقيود على الصادرات، ما يعرقل الوصول إلى الطاقة أو المعادن أو أشباه الموصلات المتقدمة ويرفع الأسعار. وإذا تزامن ذلك مع موجة حر، فقد تتحول مواجهة دبلوماسية إلى حالة طوارئ تشغيلية في غضون أيام.
قد تكون الشركة قد استعدت بعناية لكل تهديد على حدة، لكنها قد لا تمتلك خطة لمواجهة الصدمات المتزامنة. وستكمن نقطة ضعفها في الروابط بين المخاطر وغياب الحوكمة اللازمة لإدارتها. ويكتسب ذلك أهمية أكبر اليوم لأن أدوات امتصاص الصدمات التقليدية، مثل الدين العام والتأمين، أصبحت أقل قدرة على الاستجابة.
ونتيجة لذلك، من المرجح أن تتحمل الميزانيات العمومية للشركات بصورة مباشرة جزءاً أكبر من تكلفة تصادم المخاطر.
كيف تنتقل المخاطر
تتفاعل المخاطر بطرق متعددة. فهي تتسلسل عندما ينتقل الاضطراب من نظام إلى آخر. وتتفاقم عندما تستنزف الأزمة الأولى الموارد اللازمة للتعامل مع الأزمة التالية. كما تتصادم عندما تضرب ضغوط منفصلة نقطة الضعف نفسها.
وتنتقل هذه الديناميكيات بسرعة كبيرة عبر الأسواق والبنية التحتية الرقمية. وفي الوقت نفسه، أصبح مشهد المخاطر أكثر تعقيداً. فقد انتهت مرحلة الأحادية القطبية من دون أن يظهر بديل مستقر، ما أدى إلى تعددية قطبية من دون تعددية مؤسسية فعالة. وأصبح هناك اليوم عدد أكبر من مراكز القوة المتنافسة، في مقابل مؤسسات أضعف في إدارة خلافاتها.
كما أن الترابط الاقتصادي، الذي كان يُنظر إليه سابقاً باعتباره مصدراً للكفاءة، وكان كثيرون يأملون أن يكون عاملاً داعماً للسلام، أصبح أيضاً مصدراً للنفوذ والضغط. وتستخدم الحكومات بصورة متزايدة التجارة والتمويل والوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة كأدوات للضغط. وتدفع القيود الأطراف الأخرى إلى الرد بالمثل، فيما تؤدي محاولات التخلص من أحد أشكال الاعتماد في كثير من الأحيان إلى إنشاء اعتماد جديد في مكان آخر.
وتتبنى العديد من القوى المتوسطة سياسات موازنة وتحوط، فمثلاً تحافظ على علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة بينما تستمر في التجارة على نطاق واسع مع الصين. وقد يكون ذلك نهجاً منطقياً من منظور إدارة شؤون الدول، لكنه يعني بالنسبة للشركات مزيداً من الاحتكاكات التنظيمية وعدداً أقل من القواعد المشتركة.
وأصبحت الجغرافيا السياسية تتغلغل اليوم بعمق في قرارات الأعمال الاعتيادية، كما لم تعد نقاط الاختناق تقتصر على المضائق والقنوات البحرية. فإنتاج أشباه الموصلات ومعالجة المعادن الحرجة يعتمدان على عدد محدود من الدول والشركات. وبالمثل، يتركز الاقتصاد الرقمي حول عدد قليل من منصات الحوسبة السحابية وأنظمة الدفع.
لقد أفرزت عقود من السعي إلى تحسين الكفاءة اقتصاداً بالغ الكفاءة، لكنه اقتصاد تظل فيه علاقات الاعتماد المتبادل خفية في كثير من الأحيان إلى أن تتصادم بعض المخاطر.
المناخ بوصفه عاملاً مضاعفاً للمخاطر النظامية
تختبر الضغوط المناخية التجارة العالمية أيضاً. فالقناة البحرية لا تحتاج إلى حصار كي تتحول إلى مصدر للمخاطر، إذ يكفي أن تعاني نقصاً في المياه. وقد أدت القيود الناجمة عن الجفاف إلى انخفاض حاد في حركة المرور عبر قناة بنما في أوائل عام 2024، بينما أدى انخفاض منسوب المياه مراراً إلى تقييد حركة الشحن في نهر الراين بأوروبا. وقد يضع حدوث ظاهرة «إل نينيو» شديدة كلاً منهما تحت الضغط في الوقت نفسه.
أما الحرارة فهي أقل وضوحاً، لكنها لا تقل إرباكاً. فهي تقلل القدرة على أداء الأعمال البدنية وتفرض ضغوطاً على أنظمة الكهرباء. وقد توقعت دراسة أصدرتها منظمة العمل الدولية عام 2019 أن يؤدي الإجهاد الحراري إلى خفض ساعات العمل عالمياً بنسبة 2.2% بحلول عام 2030، وهو ما يعادل 80 مليون وظيفة بدوام كامل. ويستند هذا التقدير إلى افتراض احتواء الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية، وهو افتراض يبدو اليوم متفائلاً.
ولا تتوقف هذه الآثار عند الحدث المناخي الأصلي، بل تمتد إلى مجالات أخرى. فالضغوط المناخية ترهق الأنظمة الصحية، في حين ترتفع تكاليف النقل والغذاء، وتمتد الخسائر إلى شركات التأمين والميزانيات العامة. وتكون البلدان التي تعاني بنية تحتية متقادمة وحيزاً مالياً محدوداً أقل قدرة على الاستجابة.
الذكاء الاصطناعي يزيد عدة مخاطر في الوقت نفسه
يضيف الذكاء الاصطناعي مزيداً من الطلب والتركيز إلى العديد من الأنظمة نفسها. فالاستثمارات فيه تتزايد بوتيرة كبيرة، حتى في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن العوائد التجارية. كما سجل تقرير المخاطر العالمية 2026 الصادر عن المنتدى تنامي المخاوف من حدوث تصحيح حاد في أسعار الأصول المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وفي الوقت نفسه، تواجه حوكمة الذكاء الاصطناعي صعوبة في مواكبة تطور قدراته. فقد تحسنت الأنظمة العامة الاستخدام بسرعة في مجالات البرمجة والبحث، وكذلك في المهام المرتبطة بالأمن السيبراني. لكن الإشراف عليها يصبح أكثر صعوبة مع ازدياد قدراتها واستقلاليتها.
كما أن اضطراب سوق العمل يتقدم بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصادات على التكيف. وتشير تقديرات أصدرها صندوق النقد الدولي عام 2024 إلى أن نحو 40% من الوظائف حول العالم معرضة لتأثيرات الذكاء الاصطناعي، وترتفع النسبة إلى نحو 60% في الاقتصادات المتقدمة. ولا يعني التعرض بالضرورة فقدان الوظائف، إلا أن ضعف التوظيف أو اختفاء مهام معينة قد يحدث قبل ظهور فرص جديدة. وسيزداد الضغط السياسي إذا تقدمت وتيرة الاضطراب على قدرة الاقتصادات على توفير بدائل موثوقة.
وللذكاء الاصطناعي أيضاً بصمة مادية ملموسة. فقد استهلكت مراكز البيانات نحو 415 تيراواط ساعة من الكهرباء في عام 2024، أي ما يعادل قرابة 1.5% من الطلب العالمي. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يزيد هذا الاستهلاك إلى أكثر من الضعف بحلول عام 2030.
وخلال فترات الحرارة الشديدة، قد تتنافس الأسر والمصانع ومراكز البيانات جميعها على كميات إضافية من الكهرباء. وعندها قد يؤدي خطر متزامن، مثل حدوث عطل تقني، إلى تعطيل أنظمة الدفع والخدمات العامة في الوقت نفسه.
أدوات امتصاص الصدمات التقليدية تضعف
أظهرت الأزمة المالية لعام 2008 كيف يمكن لقرارات تبدو عقلانية على المستوى الفردي أن تؤدي إلى فشل جماعي. فقد اعتمدت البنوك على أصول وافتراضات ومصادر تمويل قصيرة الأجل متشابهة. ثم انتقلت خسائر الرهن العقاري عبر الأوراق المالية إلى النظام الائتماني الأوسع، لتكشف عن أوجه ضعف لم تكن أي ميزانية عمومية منفردة قد استوعبتها بالكامل.
وأصبح الخطر اليوم أكبر لأن أدوات امتصاص الصدمات التقليدية تتعرض لضغوط متزايدة. فعلى سبيل المثال، لم تعد التغطية التأمينية تواكب حجم التعرض للمخاطر، إذ قدرت شركة «سويس ري» فجوة الحماية العالمية من الكوارث الطبيعية بنحو 424 مليار دولار في عام 2025.
كما يشير تقرير الراصد المالي الصادر عن صندوق النقد الدولي في أبريل 2026 إلى أن الدين العام العالمي بلغ ما يقل قليلاً عن 94% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، وقد يصل إلى 100% بحلول عام 2029. ويحد ارتفاع مستويات الدين من قدرة الحكومات على تحقيق الاستقرار الاقتصادي عقب وقوع الصدمات.
كيفية إدارة المخاطر المتصادمة
ينبغي للشركات أن تتوقع من الآن فصاعداً تحمّل جانب أكبر من تكلفة الاضطرابات عند وقوعها. ولهذا أصبحت المرونة جزءاً أساسياً من مناقشات مجالس الإدارة المتعلقة بالحوكمة وتخصيص رأس المال.
ويمكن لقادة الأعمال اتخاذ ثلاث خطوات لتحديد النقاط التي تتلاقى عندها المخاطر ووضع حوكمة مناسبة لها:
1. رسم خريطة لنقاط الالتقاء الحرجة
ابدأ بخدمات الأعمال التي قد يؤدي تعطلها إلى تهديد السلامة أو السيولة أو قدرة الشركة على مواصلة عملياتها.
حدّد البنية التحتية والموردين الذين تعتمد عليهم عدة خدمات أساسية في الوقت نفسه. وانظر إلى مستويات أعمق في سلسلة التوريد، بما يتجاوز الموردين المباشرين. وعيّن مسؤولاً تنفيذياً عن كل نقطة حرجة.
2. التدرب على مواجهة صدمات مركبة محتملة
الهجوم السيبراني في الظروف العادية يمثل سيناريو معيناً، لكن وقوع الهجوم نفسه خلال موجة حر أو في ظل نقص في التمويل يمثل سيناريو مختلفاً وقد يكون أشد ضرراً.
اختبر ما إذا كانت الاستجابة لإحدى حالات الطوارئ قد تضعف استجابة أخرى أو تعطلها. ونظّم تدريبات تجري في ظل معلومات غير مكتملة وبمشاركة قادة كبار قد تختلف آراؤهم. وينبغي أن تؤدي هذه التدريبات إلى تحديد واضح للمسؤوليات وإجراء تعديلات محددة على الخطط أو الميزانيات القائمة.
3. الحفاظ على هامش للتحرك
ينبغي لمجالس الإدارة أن تحدد مسبقاً من يمتلك صلاحية إيقاف نظام معين، وتحت أي ظروف. كما ينبغي لها تحديد من يستطيع الإفراج عن أموال الطوارئ ومن يملك صلاحية التحدث علناً نيابة عن الشركة أثناء الأزمات.
إضافة إلى ذلك، ينبغي لمجالس الإدارة الحفاظ على بدائل عملية للحالات التي قد يؤدي فيها تعطل منشأة واحدة أو مورد واحد إلى اضطراب أعمال الشركة على نطاق أوسع. وقد يشمل ذلك أنظمة احتياطية أو قدرات إضافية أو موردين بديلين. وينبغي تمويل هذه التدابير بصورة انتقائية بناءً على مدى قدرتها على احتواء الاضطراب أو تسريع التعافي أو الحفاظ على العمليات الأساسية أثناء العمل على استعادة الترتيبات الرئيسية.
استباق المخاطر المتصادمة
لن يكون التنبؤ وحده كافياً خلال السنوات المقبلة. فعلى القادة أن يستبقوا النقاط التي تتلاقى فيها المخاطر، وأن يتعرفوا على بوادر سلسلة الأزمات قبل خروجها عن السيطرة، وأن يتحركوا بينما لا تزال هناك خيارات حقيقية متاحة.
في عالم تتصادم فيه المخاطر، تعتمد المرونة على الحفاظ على مساحة كافية للتحرك عندما تفشل الخطة الأصلية.
