- السُحُب الجديدة هي منصات سحابية تعتمد على وحدات معالجة الرسومات (GPU)، ومُحسّنة لتلبية متطلبات الطاقة وزمن الاستجابة المنخفض وعرض النطاق الترددي التي تحتاجها أحمال عمل الذكاء الاصطناعي الحديثة.
- من المتوقع أن ينمو هذا النوع المتقدم من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ليشكّل سوقاً بقيمة 250 مليار دولار بحلول عام 2030.
- توفر السُحُب الجديدة لمزودي الخدمات السحابية فائقة النطاق بديلاً للبنية التحتية الحالية للذكاء الاصطناعي، قد يكون أكثر توافقاً مع الأولويات الوطنية والإقليمية.
على مدى أكثر من عقد، بدا أن البنية التحتية الرقمية تسير في مسار حتمي نحو التركز في أيدي عدد محدود من مزودي الخدمات السحابية فائقة النطاق الذين يدعمون الاقتصاد العالمي. وأصبحت الحوسبة السحابية مرادفة للتوسع والكفاءة والمركزية.
لكن التقلبات الجيوسياسية، وصعود الذكاء الاصطناعي، والتحولات الاقتصادية تكشف الآن عن تحديات جديدة لم تُصمم البنى السحابية التقليدية أساساً للتعامل معها.
ويهيئ ذلك الظروف لظهور جيل جديد من مزودي البنية التحتية. وهنا يأتي دور السُحُب الجديدة.
خلال العامين الماضيين، برزت السُحُب الجديدة، وهي مزودو خدمات سحابية متخصصون يضعون الذكاء الاصطناعي في صميم أعمالهم، بوصفها استجابة هيكلية لثلاثة من أبرز تحديات العصر الذكي: الوصول إلى القدرة الحاسوبية، والسيطرة السيادية، والمرونة الاقتصادية. وتتوقع شركة ABI Research أن تصل الفرصة السوقية المحتملة للسُحُب الجديدة إلى 250 مليار دولار بحلول عام 2030، مدفوعة بالطلب المتزايد على البنية التحتية الداعمة للذكاء الاصطناعي، وبحاجة مصنعي أشباه الموصلات إلى تنويع قاعدة عملائهم التي أصبحت أكثر تركّزاً.
وتتجاوز آثار هذا التحول نطاق التكنولوجيا بكثير. فالسُحُب الجديدة تمثل تحولاً في كيفية تمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وتوزيعها وإدارتها. ومن خلال خفض الحواجز أمام الوصول إلى الحوسبة عالية الأداء، يمكنها توسيع نطاق الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه إثارة تساؤلات جديدة حول السيادة، وتركّز السوق، والاستدامة على المدى الطويل.
ما السُحُب الجديدة؟
باعتبارها مزودي خدمات حوسبة سحابية متخصصين يركزون على الذكاء الاصطناعي، تُبنى السُحُب الجديدة حول بنية تحتية عالية الأداء تعتمد على وحدات معالجة الرسومات. وتُقدَّم هذه القدرات «كخدمة» لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وهو المحرك الرئيسي الحالي لنمو السُحُب الجديدة، وكذلك للحكومات والشركات وغيرهم من مطوري الذكاء الاصطناعي.
وعلى عكس المنصات السحابية التقليدية، التي صُممت أساساً للحوسبة العامة المعتمدة على وحدات المعالجة المركزية (CPU)، فإن السُحُب الجديدة مُحسّنة لتوفير قوة المعالجة، وزمن الاستجابة المنخفض، وعرض النطاق الترددي الذي تتطلبه أحمال عمل الذكاء الاصطناعي الحديثة.
ورغم وجود ما يقرب من 200 مشغل للسُحُب الجديدة حول العالم بالفعل، فإن السوق لا تزال شديدة التركّز. وتوجد غالبية القدرات المنشورة حالياً في أمريكا الشمالية وأوروبا، في حين تظل منطقة آسيا والمحيط الهادئ الأسرع نمواً.
ونظراً إلى أن مزودي السُحُب الجديدة يميلون إلى العمل ضمن نطاقات قضائية أو تكتلات تنظيمية أو قطاعات صناعية محددة، فإن القيمة التي يقدمونها على المستوى الإقليمي تتجاوز مجرد إبقاء البيانات داخل حدود معينة. إذ يمكنهم توفير درجة أكبر من التوافق مع الأطر القانونية المحلية، والمتطلبات التنظيمية، والطموحات الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي.
ونتيجة لذلك، قد تصبح السُحُب الجديدة طبقة مهمة من البنية التحتية لمبادرات الذكاء الاصطناعي السيادي التي تتطلب قدراً أكبر من اليقين فيما يتعلق بالحوكمة والأمن والتحكم التشغيلي.
لماذا يأتي ظهور السُحُب الجديدة في الوقت المناسب؟
لا يمكن فصل ظهور السُحُب الجديدة عن التحولات الجيوسياسية والاقتصادية الأوسع نطاقاً. فقد أدى اشتداد المنافسة التكنولوجية، والمخاوف المتعلقة بسلاسل التوريد، والتدقيق المتزايد في الاعتماد على البيانات العابرة للحدود، إلى تحويل البنية التحتية الرقمية والقدرات التي تتيحها من مجرد قرار يتعلق بالمشتريات إلى قضية استراتيجية وطنية.
وتنظر العديد من الحكومات بصورة متزايدة إلى الوصول إلى قدرات الحوسبة اللازمة للذكاء الاصطناعي باعتباره مسألة مرتبطة بالتنافسية الاقتصادية والمرونة الوطنية. وتتطلب الاستراتيجيات الوطنية للذكاء الاصطناعي بنية تحتية تتوافق مع الأطر التنظيمية المحلية ومتطلبات الحوكمة. ويؤدي ذلك إلى خلق طلب على بدائل للمنصات المركزية عالمياً، التي قد تخضع بشكل أساسي للضغوط السياسية والأنظمة القضائية لدول أخرى.
وقد ظهرت السُحُب الجديدة بوصفها أحد الحلول المحتملة لتلبية هذا الطلب.
وهناك أيضاً منطق تجاري قوي يدعم نموها. تاريخياً، اعتمد مصنعو الرقائق بصورة كبيرة على مجموعة صغيرة نسبياً من عملاء الحوسبة السحابية فائقة النطاق. لكن السؤال المطروح هو ما إذا كان هذا النموذج الدائري قابلاً للاستمرار في نهاية المطاف.
وقد طرحت مجلة The Economist مؤخراً تساؤلات حول قابلية هذا النموذج الاقتصادي للاستمرار، في ظل تخطيط شركات التكنولوجيا الأمريكية لاستثمارات رأسمالية بقيمة 900 مليار دولار هذا العام، مدعومة بديون تبلغ 400 مليار دولار، مع الحاجة إلى إيرادات سنوية تقارب 2.5 تريليون دولار لتحقيق عائد إيجابي على إجمالي الاستثمارات المتراكمة.
وهي أرقام ضخمة تأتي في لحظة تحول حاسمة، حيث تعمل الشركات على تقييم القيمة التي يحققها الذكاء الاصطناعي مقارنة بتكلفته، بينما تراهن الحكومات على الذكاء الاصطناعي باعتباره حلاً لمشكلة ضعف النمو الاقتصادي وارتفاع مستويات الدين العام وأسعار الفائدة.
وتوفر السُحُب الجديدة مساراً إضافياً للوصول إلى السوق، ما يساعد على تنويع الطلب وتسريع اعتماد البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وباعتبار شركات منظومة أشباه الموصلات الكبرى مورّدين وعملاء ومستثمرين في السُحُب الجديدة، فإن لديها حافزاً قوياً لرؤية هذه الشركات تنجح.
تحديات سلاسل التوريد والتسعير في السُحُب الجديدة
بدأ العديد من مزودي السُحُب الجديدة حياتهم كشركات تعمل في تعدين العملات المشفرة. ثم انتقلوا إلى تقديم وحدات معالجة الرسومات كخدمة، مع طموح للارتقاء في سلسلة القيمة نحو توفير ذكاء مدمج في سير العمل، وخدمات مُدارة، وحلول متخصصة لقطاعات صناعية معينة.
إضافة إلى ذلك، تتوقع ABI Research أن تتجاوز أحمال عمل استدلال الذكاء الاصطناعي، من حيث الإيرادات، أحمال عمل التدريب قبل نهاية هذا العقد. وقد يخلق ذلك فرصاً كبيرة لتقديم خدمات متميزة، إلى جانب زيادة حدة المنافسة لصالح المستخدمين.
وسيحدث ذلك في الوقت نفسه الذي يصبح فيه تحقيق عائد اقتصادي معقول من الذكاء الاصطناعي عاملاً رئيسياً في توجيه الاستثمارات. وبدلاً من الاعتماد على عدد محدود من مزودي الرقائق المهيمنين في مجالات التوريد والمبيعات والتمويل والتسعير، يمكن للسُحُب الجديدة أن تساعد على تحديد وتعزيز منظومة ذكاء اصطناعي أكثر تنوعاً ومرونة بصورة حقيقية على جميع المستويات.
وقد بدأت الأجيال الجديدة من رقائق الذكاء الاصطناعي، والبنى الحاسوبية البديلة، ونماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر التي تزداد قدراتها باستمرار، في تحدي الافتراضات المتعلقة بمتطلبات البنية التحتية وكثافة رأس المال. وتثير هذه التطورات تساؤلات مهمة حول ما إذا كانت المستويات غير المسبوقة الحالية من الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ستولد عوائد طويلة الأجل تتناسب مع حجم هذه الاستثمارات.
وعندما سُئل مؤسس صندوق التحوط Citadel، كين غريفين، خلال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس عام 2026، عما إذا كانت الطفرة الحالية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي مجرد «ضجة مبالغ فيها»، أجاب: «بالطبع هي كذلك!». وأضاف قائلاً: «لن تتمكن من توليد هذا المستوى من الإنفاق ما لم تقدم وعداً بأنك ستغير العالم بصورة جذرية».
السؤال الأكبر حول السُحُب الجديدة
إذن، هل تمثل السُحُب الجديدة فئة جديدة ومستدامة بشكل مستقل من البنية التحتية الرقمية، أم أنها مجرد مرحلة انتقالية في تطور الحوسبة السحابية؟
لكي تتمكن السُحُب الجديدة من البقاء بصورة مستقلة، يجب عليها بناء قيمة متميزة تتجاوز مجرد توفير قدرات حاسوبية كسلعة. وإذا فشلت في تحقيق ذلك، فإنها تخاطر بالتحول إلى مجرد طبقة إضافية من البنية التحتية يجري استيعابها في نهاية المطاف داخل منظومة مزودي الخدمات السحابية فائقة النطاق التي صُممت السُحُب الجديدة لتكمّلها، وفي بعض الجوانب، لتنافسها.
ويمنح عصر الذكاء الاصطناعي أهمية غير مسبوقة لعوامل الثقة والمرونة والسيادة والوصول إلى القدرات الحاسوبية. وقد وفر نموذج الحوسبة السحابية فائقة النطاق قابلية التوسع والكفاءة. أما السُحُب الجديدة فتَعِد بشيء مختلف قليلاً: قدر أكبر من الاستقلالية، وتنوع أكبر في المنافسة، وإمكانية تحقيق توافق أوثق مع الأولويات الوطنية والإقليمية.
لن تحل السُحُب الجديدة محل اقتصاد الحوسبة السحابية، لكنها تبرز باعتبارها تطوراً بالغ الأهمية فيه. ويمكنها المساعدة على تنويع إمدادات القدرات الحاسوبية اللازمة للذكاء الاصطناعي، مع إعادة تشكيل اقتصاديات البنية التحتية الرقمية وحوكمتها، وهي البنية التي ستدعم العقد المقبل من نمو الذكاء الاصطناعي.
