القائمة الرئيسية

كيف يمكن للانبعاثات المتجنَّبة أن تفتح آفاقاً جديدة للاستثمار في الابتكار منخفض الكربون

كيف يمكن للانبعاثات المتجنَّبة أن تفتح آفاقاً جديدة للاستثمار في الابتكار منخفض الكربون
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يمكن لمفهوم «الانبعاثات المتجنَّبة» أن يسد ثغرة مهمة في أنظمة محاسبة الكربون الحالية، من خلال إبراز مساهمة المنتجات والتقنيات منخفضة الكربون في خفض انبعاثات المستخدمين والمجتمع ككل، كما تستعرض تزايد اهتمام الشركات والهيئات الدولية والمستثمرين بهذا المؤشر، ودوره المحتمل في توجيه التمويل نحو الابتكارات الخضراء وتسريع الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون.

  • تتزايد الضغوط على منظومة الإبلاغ العالمية عن الانبعاثات من أجل دمج مؤشرات بصورة أفضل تساعد في توجيه قرارات الاستثمار والسياسات نحو التحول الأخضر.
  • ومع ذلك، لا تزال هناك تساؤلات حول مدى قدرة أنظمة المحاسبة الحالية للكربون على عكس جهود الشركات الرامية إلى خفض الانبعاثات بصورة كافية.
  • وقد يسهم الاعتراف بالانبعاثات المتجنَّبة في توجيه الاستثمارات نحو التقنيات القادرة على تسريع التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون.

بعد أكثر من عقدين من العمل بها، تقف منظومة الإبلاغ العالمية عن الانبعاثات عند نقطة تحول، في ظل ضغوط متزايدة من الجهات التنظيمية والمستثمرين وصنّاع القرار من أجل دمج مؤشرات لا تقتصر على قياس الانبعاثات بدقة فحسب، بل تساعد أيضاً بصورة أفضل في توجيه الاستثمارات الفعلية وقرارات السياسات نحو التحول الأخضر.

وفي صميم هذه المنظومة يأتي بروتوكول غازات الدفيئة، الذي وضع معايير محاسبة الكربون الأكثر استخداماً لدى الشركات حول العالم، وتشمل الانبعاثات المباشرة (النطاق 1)، والانبعاثات المرتبطة بالطاقة (النطاق 2)، وانبعاثات سلسلة القيمة (النطاق 3).

وعلى الرغم من الدور المحوري الذي أداه هذا البروتوكول في تعزيز شفافية الشركات بشأن المناخ، لا تزال هناك تساؤلات حول ما إذا كان نظام القياس الحالي يعكس بصورة كافية الجهود التي تبذلها الشركات للحد من بصمتها الكربونية.

ثغرات في معايير محاسبة الكربون الحالية

تتمثل إحدى الثغرات المحتملة في مسألة الاعتراف بإسهامات الشركات المصنّعة التي تنتج حلولاً عالية الجودة تمتلك إمكانات كبيرة لخفض انبعاثات المستخدمين النهائيين.

وتعد شركة توراي اليابانية المتخصصة في صناعة الألياف مورداً رئيسياً للمواد البلاستيكية المقوّاة بألياف الكربون المستخدمة لدى شركة بوينغ لصناعة الطائرات. ويمكن أن يقل وزن الطائرة التي تستخدم هذه المواد بنسبة تصل إلى 20% مقارنة بالطائرات التقليدية، وهو ما يترجم إلى انخفاض في الانبعاثات بنحو 7% على امتداد دورة حياة الطائرة. ومع ذلك، لا يوجد إطار مؤسسي أو معيار معتمد يعترف بهذه النسبة البالغة 7% بوصفها مساهمة مشروعة في خفض البصمة الكربونية الإجمالية للشركة.

أما شركة دايكن، وهي من الشركات الرائدة في تصنيع أجهزة تكييف الهواء، فقد بلغت انبعاثاتها 313.09 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون في عام 2024. ومن هذا الإجمالي، نُسب 262.6 مليون طن، أي ما يعادل 83.9%، إلى استخدام منتجاتها في الأسواق. وفي الوقت نفسه، ساهم بيع منتجات أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة في خفض 48.2 مليون طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون خلال مرحلة استخدام المنتجات نفسها.

وفي المقابل، تعمل شركة باناسونيك لتصنيع الأجهزة الكهربائية على قياس ما تسميه «أثر المساهمة» والإفصاح عنه، بهدف توضيح كيفية مساهمة منتجاتها في خفض انبعاثات غازات الدفيئة لدى مستخدميها، كما دعت إلى اعتماد معيار دولي معترف به لقياس هذا الأثر والإبلاغ عنه.

مفهوم الانبعاثات المتجنَّبة

ما تسميه باناسونيك «أثر المساهمة» يُعرف على نطاق واسع باسم «الانبعاثات المتجنَّبة». ويعرّف مجلس الأعمال العالمي للتنمية المستدامة الانبعاثات المتجنَّبة بأنها «الأثر الإيجابي الناتج عن مقارنة تأثير حل منخفض الكربون على انبعاثات غازات الدفيئة بسيناريو بديل لا يكون فيه هذا الحل موجوداً».

وبالنسبة إلى بعض القطاعات، لا يُعد هذا المفهوم جديداً. ففي عام 2013، نشر قطاع الصناعات الكيميائية وثيقة منهجية لتقييم الانبعاثات المتجنَّبة والإبلاغ عنها. واستناداً إلى هذه الدراسة، أدرجت فرقة العمل المعنية بالإفصاحات المالية المتعلقة بالمناخ «انبعاثات غازات الدفيئة المتجنَّبة على امتداد دورة حياة المنتج بالكامل» ضمن الإفصاحات الموصى بها بشأن المقاييس والأهداف في تقريرها النهائي الصادر عام 2017.

ومنذ ظهور هذا المفهوم، واجهت الانبعاثات المتجنَّبة بعض الانتقادات. ومن أبرزها أن بعض الإفصاحات المؤسسية كانت تخصم الانبعاثات المتجنَّبة من إجمالي قوائم جرد انبعاثات غازات الدفيئة الخاصة بالجهات المبلّغة، وهو ما تسبب في إرباك القراء.

ولمعالجة هذه المشكلة، نشر مجلس الأعمال العالمي للتنمية المستدامة سلسلة من الإرشادات بين عامي 2023 و2026 حول كيفية الاستخدام الملائم لمفهوم الانبعاثات المتجنَّبة، ومن بين توصياته احتساب هذه الانبعاثات والإبلاغ عنها بصورة منفصلة وواضحة عن قوائم جرد انبعاثات غازات الدفيئة.

وبعد فترة وجيزة من إطلاق المجلس تقريره الأول في مارس 2023، أقر وزراء الطاقة والبيئة في مجموعة السبع، خلال اجتماعهم في سابورو باليابان، بأهمية هذا المفهوم في بيانهم الوزاري.

وبالتوازي مع ذلك، أصدرت «رابطة GX»، وهي منتدى يضم شركات يابانية تعمل على تحقيق الحياد الكربوني من خلال مبادرات مشتركة، عدداً من الوثائق الإرشادية بشأن الانبعاثات المتجنَّبة، جرى تحسينها لاحقاً من خلال مناقشات مكثفة بين مجموعة من المختصين والممارسين في قطاع الأعمال الذين يتشاركون التوجه نفسه.

وشددت هذه الوثائق على أهمية استخدام الانبعاثات المتجنَّبة في إبراز الفرص المرتبطة بالمناخ أمام الجهات المبلّغة، بدلاً من التركيز حصراً على المخاطر المناخية. ومن المتوقع أن تنتقل أعمال «رابطة GX» إلى الجهة التي ستخلفها، وهي «اتحاد GX للمستقبل».

وفي مطلع عام 2026، نشرت اللجنة الكهروتقنية الدولية، وهي جهة دولية تضع المعايير الخاصة بالتقنيات الكهربائية والإلكترونية، معياراً دولياً لقياس الانبعاثات المتجنَّبة الناتجة عن المنتجات والأنظمة ذات الصلة والتواصل بشأنها.

وفي وقت لاحق من العام نفسه، أطلق بروتوكول غازات الدفيئة مشاورة عامة حول ورقة بيضاء تتناول «الإجراءات وأدوات السوق»، وتتضمن قسماً عن الانبعاثات المتجنَّبة الناتجة عن استخدام المنتجات المباعة.

ويشير قيام الجهة المسؤولة عن حوكمة قوائم جرد انبعاثات غازات الدفيئة بطلب آراء وتعليقات بشأن هذا الموضوع إلى تنامي مستوى الاهتمام العام به.

دور محوري للقطاع المالي في الانبعاثات المتجنَّبة

حتى الآن، تولت الصناعات كثيفة الانبعاثات إلى حد كبير قيادة عملية تطوير منهجيات تقييم الانبعاثات المتجنَّبة. وما نحتاج إليه الآن هو تبني المستثمرين والجهات الفاعلة في القطاع المالي لهذا المفهوم.

ومن شأن إدراج الانبعاثات المتجنَّبة ضمن قرارات الاستثمار والإقراض أن يشجع الشركات التي تمتلك التقنيات ذات الصلة على بذل المزيد. وقد بدأ بالفعل بعض المستثمرين في إظهار الطريق نحو ذلك.

فقد نشرت مجموعة نومورا للخدمات المالية، التي قادت النقاش حول الانبعاثات المتجنَّبة ضمن إحدى مجموعات العمل التابعة لـ«رابطة GX»، مؤخراً تقريراً يبحث، من وجهة نظر المستثمرين، في إمكانية مساهمة الانبعاثات المتجنَّبة في تعزيز قيمة الشركات.

وفي إطار التحليل المناخي لمحفظتها من الأسهم، وجدت شركة نومورا لإدارة الأصول، التابعة للمجموعة، أن هناك قيوداً على الاكتفاء بالنظر إلى انبعاثات غازات الدفيئة الصادرة عن الشركات. وأبدت الشركة قلقها من أن تظهر انبعاثات إحدى الشركات المستثمر فيها وكأنها آخذة في الارتفاع، رغم مساهمتها في خفض الانبعاثات على مستوى المجتمع ككل من خلال زيادة مبيعات المنتجات منخفضة الانبعاثات. ولذلك، بدا إدخال الانبعاثات المتجنَّبة كمؤشر لتقييم إمكانات النمو خطوة منطقية بالنسبة إلى شركة إدارة الأصول.

وتُعد شركة شرودرز، التي تتخذ من لندن مقراً لها، مستثمراً آخر أدرج الانبعاثات المتجنَّبة ضمن تحليلاته الاستثمارية. وترى شرودرز أن هذا المؤشر يمكن استخدامه لتقييم قدرة الشركات المستثمر فيها مستقبلاً على جذب الطلب في السوق.

واستجابة لهذا الاهتمام المتزايد من المستثمرين، تطمح شركة توراي إلى زيادة حجم انبعاثاتها المتجنَّبة بمقدار 25 ضعفاً بحلول عام 2030 مقارنة بنتائج عام 2013. وفي الوقت نفسه، تستهدف باناسونيك الوصول إلى 200 مليون طن أو أكثر من الانبعاثات المتجنَّبة سنوياً بحلول عام 2050.

تعزيز الاعتراف والانضباط في الإفصاح

ما زلنا في المراحل الأولى من هذه العملية. ولتوسيع نطاق استخدام الانبعاثات المتجنَّبة حتى تصبح مؤشراً مقبولاً على نطاق واسع، لا يزال يتعين علينا معالجة مجموعة من التحديات التي حددتها إرشادات مجلس الأعمال العالمي للتنمية المستدامة والمعيار الصادر عن اللجنة الكهروتقنية الدولية.

ويمكن البدء بوضع تعريفات أكثر دقة للعناصر التقنية، مثل خطوط الأساس والسيناريوهات المرجعية وآليات إسناد الأثر، مع تشجيع الإفصاح عن الشروط والافتراضات المستخدمة في عمليات الحساب.

وعند استخدامها بصورة مناسبة، يمكن للانبعاثات المتجنَّبة أن تساعد الشركات على تحقيق طموحاتها في خفض الكربون من خلال إنتاج منتجات وخدمات تسهم بفاعلية في تقليل الانبعاثات على نطاق أوسع لدى المستخدمين.

المصدر

مقالات ذات صلة