القائمة الرئيسية

التفاعل بين عقلك الواعي وعقلك اللاواعي

التفاعل بين عقلك الواعي وعقلك اللاواعي
ملخص المقال

لا يستخدم الإنسان 10% فقط من دماغه؛ بل إن معظم نشاط الدماغ يجري خارج نطاق الوعي، وهو ما أعاد العقل اللاواعي إلى صدارة أبحاث علم الأعصاب الحديثة وأوجد أوجه تشابه بين بعض أفكار التحليل النفسي لدى فرويد والنماذج المعاصرة للذاكرة واتخاذ القرار. فقد أثبتت الدراسات أن العمليات اللاواعية تؤثر في المشاعر والسلوك والقرارات، بينما تتدخل العمليات الواعية خصوصًا عندما نواجه مواقف جديدة أو معقدة أو غير مؤكدة، وهو ما يتقاطع مع نموذج دانيال كانمان القائم على نظام سريع تلقائي وآخر بطيء يتطلب جهدًا ذهنيًا. وتفسر نظريات حديثة، مثل نظرية مسرح الوعي العالمي ونظرية المعلومات المدمجة، كيفية تفاعل العمليات الواعية واللاواعية، فيما يقترح مبدأ الطاقة الحرة أن الدماغ يعمل أساسًا على التنبؤ بما يحافظ على بقائنا واستقرارنا، ولا يستدعي الوعي المكثف إلا عندما يواجه أحداثًا غير متوقعة تتطلب بناء تنبؤات جديدة. ويفتح هذا الفهم المجال أمام دراسة الوعي خارج الإنسان أيضًا، بما في ذلك احتمال امتلاك أنظمة الذكاء الاصطناعي أشكالًا من الوعي والعمليات اللاواعية.

هل سمعت من قبل بعبارة "إن الإنسان لا يستخدم سوى 10% من دماغه"؟ في الواقع، لا توجد طريقة علمية لقياس نسبة الوعي المئوية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن الدماغ لا يمتلك خط أساس ثابتًا للقياس.

ومع ذلك، هناك إجماع عام بين علماء الأعصاب اليوم على أن معظم العمليات الدماغية تحدث بشكل غير واعٍ. وهذا لا يعني أنك لا تستخدم معظم دماغك، بل يعني أن هناك أمورًا كثيرة تحدث في الخفاء بأكثر مما تدركه.

لقد أعادتنا أبحاث علم الأعصاب المعرفي الحديث بشكل مباشر إلى رؤية التحليل النفسي للقلب واللاوعي التي وضعها سيغموند فرويد، ويعود ذلك جزئيًا إلى أن النظريات التي كان يُعتقد سابقًا أنها غير قابلة للاختبار التجريبي أضحت اليوم تكتسب أرضية علمية صلبة.

في عام 1895، افترض فرويد في كتابه "دراسات في الهستيريا" الذي ألفه بالتعاون مع زميله جوزيف بروير، أن العقل اللاواعي يخفي الرغبات العدوانية والجنسية. وكتبا أن أعراض الصحة النفسية مثل القلق والرهاب والوساوس القهرية تنشأ من أفكار لاواعية لم تُحل معضلاتها بعد.

ويتطابق نموذج فرويد (الواعي، ما قبل الواعي، اللاواعي) مع فهمنا الحالي للذاكرة. ويشير عالم الأعصاب والمحلل النفسي الحائز على جائزة نوبل إريك كانديل إلى أن لدينا عمليات ذاكرة صريحة (مصرح بها) وأخرى غير صريحة. وتعد استعادة الذاكرة الصريحة عملية واعية، مثل محاولة تذكر سلسلة الأرقام المدونة على بطاقتك الائتمانية، بينما تتضمن الذاكرة غير الصريحة استدعاءً تلقائيًا لا واعيا.

كما أن النموذج الهيكلي للعقل عند فرويد يتوافق بوضوح مع فهمنا المعرفي الحديث.

افترض فرويد أن "الهو" يمثل الجزء البدائي من النفس البشرية، بينما يمثل "الأنا الأعلى" الضمير الأخلاقي، في حين يعمل "الأنا" كوسيط بين الهو والأنا الأعلى. ويمكن أن يطابق مفهومه لـ "الهو" العمليات العصبية اللاواعية، رغم وجود حجج قاطعة تشير إلى أن معالجة الشعور باللذة في "الهو" تعد عملية واعية أيضًا. أما "الأنا" فيمكن تمثيله بالمعرفة الفائقة (الوعي بالعمليات الفكرية الذاتية) والتي ترتبط بالقشرة المخية قبل الجبهية وتقع خلف الجبهة مباشرة.

وفي المقابل، يمكن أن ينعكس "الأنا الأعلى" في الجهاز الحوفي في الدماغ، وهو النظام الذي ينظم عواطفك وسلوكك، ويخبرك بما إذا كان هناك شيء ما يشعرك بالارتياح أم لا.

غير أن المدرسة السلوكية فرضت سيطرتها في عشرينيات القرن الماضي، بفضل علماء نفس مثل ج. ب. واتسون، الذي رفع في "بيانه السلوكي" شعار أن السلوك الملموس القابل للقياس هو الوحيد الذي يجب اعتماده في النطاق العلمي.

عودة العقل اللاواعي إلى الواجهة 

بداية من ثمانينيات القرن الماضي، أصبح من الجلي أن عملية اتخاذ القرار والسلوك لدى البشر يمكن أن تتأثر دون وعي مباشر منهم.

ولاحقًا، أثبتت تجارب علم الأعصاب وأجهزة الفحص الدماغي—كما أظهرتُ برفقة فريقي في تحليلين شملَا عدة دراسات—أن كلاً من الذاكرة اللاواعية والذاكرة الواعية تؤديان دورًا محوريًا في العمليات الدماغية. فعلى سبيل المثال، يمكن لعلماء الأعصاب أن يعرضوا على المشاركين في إحدى الدراسات ومضات خفية من وجوه "تخترق إدراكهم الحسي" تتنوع بين السعادة والرعب دون أن يتمكن المشاركون من تذكر الوجوه بوعي، إلا أن اللوزة الدماغية (المنطقة المسؤولة عن الاستثارة في الدماغ) تظهر نشاطًا متزايدًا، مما يتسبب في التأثير على قراراتهم.

وبنى عالم النفس دانيال كانمان في كتابه الصادر عام 2011 "التفكير السريع والبطيء" على بعض أفكار فرويد المتعلقة بالعمليات الأولية والثانوية؛ حيث افترض أن لدينا نمطين من التفكير: "النظام 1" وهو عملية سريعة واندفاعية وغير واعية في مجملها، و"النظام 2" وهو عملية بطيئة تتطلب جهدًا عقليًا. وتُحفظ العملية الثانوية للحالات التي تتطلب توجيه الانتباه إلى أمر جديد أو خطير أو غير مؤكد.

ما الذي يمكن أن يقدمه علم الأعصاب حول العقل اللاواعي؟

 تتأصل الوظائف الأساسية للحياة، مثل معدل ضربات القلب، ودرجة حرارة الجسم، وتنظيم الشعور بالجوع والعطش، في مستويات لاواعية. وبالمثل، فإن استراتيجيات التكيف للحد من المشاعر المؤلمة التي يتعلمها المرء في مرحلة الطفولة المبكرة ليست بالضرورة واعية؛ إذ يحدث "فقدان الذاكرة الخاص بمرحلة الطفولة" حتى سن الثالثة تقريبًا، لكن هذه التجارب تظل محفوظة في أدمغتنا اللاواعية مدى الحياة. ومع ذلك، يمكن استحضار بعض جوانب العمليات اللاواعية إلى الوعي المباشر عن طريق العلاج بالكلام.

وتنبع النظريات الأخرى حول كيفية تفاعل مناطق الدماغ الواعية واللاواعية من فكرتين بارزتين: "نظريّة مسرح الوعي العالمي" (GWT)، و"نظريّة المعلومات المدمجة" (IIT).

تفترض "نظريّة مسرح الوعي العالمي" أن العقل يشبه خشبة المسرح، حيث تنشط العوامل اللاواعية خلف الكواليس لضمان توجيه "تسليط الضوء الواعي" في المكان الصحيح على المسرح.

في حين تقترح "نظريّة المعلومات المدمجة" وجود تدرجات لمستويات الوعي؛ إذ تُحدد درجة التعقيد والتكامل بين مناطق الدماغ كمية الوعي التي يمتلكها الكائن الحي. فعلى سبيل المثال، يمتلك الإنسان الذي يضم شبكة معقدة من مناطق الدماغ قدرًا أكبر من الوعي مقارنة ببزاقة البحر التي تمتلك اتصالات عصبية أقل بكثير. غير أن العقبة التي تواجه هذه النظرية تكمن في كيفية التحقق من "كمية" الوعي التي تمتلكها الكائنات المختلفة.

وفي عام 2010، ابتكر مؤسس علم التحليل النفسي العصبي مارك سولمز—بالتعاون مع عالم الأعصاب والمحلل النفسي كارل فريستون—نظريّة جديدة تدمج فكرة أن النشاط اللاواعي هو القوة الرئيسية التي تؤثر على اتخاذ قراراتنا الواعية. وفي تقديري، يعد هذا النموذج أفضل النماذج المتاحة لدينا حاليًا.

وتقترح هذه النظرية—التي تُسمى "مبدأ الطاقة الحرّة" (FEP)—أن الدور الرئيسي للدماغ يكمن في التنبؤ بما سيضمن بقاءك على قيد الحياة واستقرارك النفسي، ضمن الحدود المتوقعة التي تطورنا للبقاء فيها. ونحن نقوم بذلك في معظم الأوقات بشكل لا واعٍ، اعتمادًا على نموذج داخلي للعالم وسجلات ممتدة من الذكريات المستمدة من قواعدنا التطورية.

ولكن عندما يحدث شيء غامض أو مفاجئ، فإنه يتصرف مثل طاقة حرة في الدماغ لا ترتبط بتنبؤ سابق. وهذا يدفع أدمغتنا إلى دخول حالة من الوعي الفائق لفترة وجيزة لخلق تنبؤ جديد يربط أفكارنا، مما يكلف الدماغ قدرًا كبيرًا من الطاقة. وكما ذكر كانمان، فإننا نحتاج أحيانًا إلى عقولنا الواعية للمساعدة في اتخاذ القرارات الأكثر صعوبة عندما تكتنف الموقف الكثير من المجهولات.

ومؤخرًا، بدأت أبحاث الوعي تنتقل بعيدًا عن النطاق البشري بالكامل؛ حيث جادل سولمز بأنه من الممكن منح الذكاء الاصطناعي وعيًا ذاتيًا. وإذا تبين صحة طرحه، وبناءً على أبحاثه الخاصة، فإن العمليات اللاواعية لكيانات الذكاء الاصطناعي ستتشكل عبر تفاعلاتها المباشرة معنا.

 

مقالات ذات صلة