تتميز المواد البلاستيكية بتكلفتها المنخفضة وتنوع استخداماتها، غير أنها تترك أثرًا بيئيًا طويل الأجل، مما أدى إلى تسارع السباق العلمي لطرح بدائل فعالة. وفي هذا السياق، يرى البروفيسور "جيفري كاتشمارك" وفريقه البحثي في جامعة ولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية أنهم يتجهون نحو حل ملموس، يستند إلى توظيف المواد النباتية الشائعة لإنتاج تغليف مستدام للأغذية.
مصطلحات مفتاحية في الهندسة الحيوية
الهندسة الحيوية: مجال علمي يدمج مبادئ علوم الأحياء وأدوات الهندسة لابتكار منتجات وتطبيقات نافعة.
السيليلوز: سكر متعدد (بوليمر سكري) يمنح الجدران الخلوية والألياف النباتية بنيتها الصلبة.
البوليمر: مادة ذات تركيب جزيئي يتكون في معظمه من وحدات متماثلة ومترابطة كيميائيًا.
السكاكر المتعددة (البولي سكاريد): مركب عضوي يتألف من أعداد كبيرة من جزيئات السكر المترابطة.
النشا: سكر متعدد يوجد في الحبوب والبطاطس، ويوظفه النبات كمخزون للكربوهيدرات.
أحدث البلاستيك ثورة عالمية عبر إتاحة طيف واسع من المواد التي وسعت آفاق الإنتاج والتوزيع، إلا أن هذه الثورة أفرزت ثمنًا باهظًا؛ إذ يتطلب تصنيع البلاستيك استهلاك الوقود الأحفوري، وتؤدي قدرته العالية على المقاومة إلى بقائه لآلاف السنين دون تحلل. تجعل هذه الخصائص من البلاستيك مصدرًا رئيسًا للتلوث، مما ولد حراكًا عالميًا للحد من إنتاجه واستخدامه.
وفي جامعة ولاية بنسلفانيا، يركز البروفيسور جيفري كاتشمارك وفريقه على معالجة التحدي المحوري المتمثل في تحديد المواد القادرة على إحلال البلاستيك، مع التركيز على تطبيق محدد يشمل البطانات البلاستيكية المستخدمة في تغليف الأغذية. فعلى سبيل المثال، تباع بعض الأغذية في عبوات من الورق المقوى المبطن بطبقة بلاستيكية داخلية تحافظ على نضارة الطعام وتمنع تسرب المياه والزيوت، غير أن هذه الطبقة تمنع إعادة تدوير العبوة أو تحللها الحيوي بفعالية. وهنا يعمل فريق جيفري على تطوير بديل نباتي يحل هذه الإشكالية.
المكونات النباتية
أوضح جيفري أن الأبحاث تركز على فئة من الجزيئات تُعرف بالسكاكر المتعددة، وهي بوليمرات سكرية تُستخلص عادة من النباتات. وتعد أشكال السيليلوز والنشا أكثر السكاكر المتعددة وفرة في الطبيعة، وتشكيلان ركيزة العمل البحثي؛ إذ يُستخرج السيليلوز أساسًا من الأخشاب، بينما يُستخرج النشا من الذرة والبطاطس والكاكافو والأرز والقمح، وتُنتج أسواق الصناعة ملايين الأطنان من هذه البوليمرات سنوياً. ودمج فريق جيفري أنواعًا مختلفة من السيليلوز والنشا لتشكيل طبقة طلاء على الورق المقوى تمتلك خصائص مقاومة السوائل المماثلة للبلاستيك، مع قابليتها التامة للتحلل العضوي.
وتسهم هذه التقنية الجديدة في الاستغناء عن الطبقات البلاستيكية والمركبات الفلورية غير المستدامة في تطبيقات متعددة، مما يقلل من مخاطر التلوث والمخاطر الصحية. وتتميز هذه المواد بتكلفة أقل مقارنة بالبلاستيك، ولا تتطلب معدات جديدة، بل تعتمد على تقنيات الإنتاج القائمة. ونظرًا لأن إنتاج السيليلوز يشكل صناعة ضخمة بالفعل، يتطلع جيفري بإيجابية إلى قدرة هذه المادة الخام على استبدال نسبة كبيرة من إنتاج البلاستيك، مشيرًا إلى إمكانية إعادة تدوير هذا الطلاء مع الورق المقوى، أو تحلله طبيعيًا دون الإضرار بالنظام البيئي في حال وصوله إلى البيئة المفتوحة.
من المختبر إلى المصنع
تبدأ مسيرة هذا المنتج من الرؤية الأولية؛ حيث استهل الفريق أبحاثه بهدف رئيس يتمثل في ابتكار بديل مستدام وعملي لتغليف البلاستيك. وتلت الرؤية وضع صياغة استراتيجية ركزت على البوليمرات المستدامة الأعلى وفرة والأقل تكلفة، وهي السيليلوز والنشا، لتأتي بعد ذلك مرحلة الابتكار. وتحقق الاختراق العلمي عندما اختبر الفريق استخدام سكاكر متعددة ذات شحنات كهربائية متقابلة؛ حيث أدى التجاذب بين الشحنات الموجبة والسالبة إلى ربط الجزيئات الطويلة، منح المادة المركبة الاستقرار المطلوب لعمليات التصنيع.
وابتكر الفريق تركيبات متعددة جرى اختبارها وفق المعايير الصناعية لتوضيح أداء المنتج وفرصه للشركات. وتشارك الفريق مع نحو 30 شركة لتعديل صياغة الطلاء لتناسب أنماط التغليف المختلفة، مما أتاح التعلم من كل تطبيق وتجاوز تحديات تصنيعية متعددة. وأظهرت التجربة الميدانية أن التغيير يواجه صعوبات في التطبيق المباشر، مما يتطلب جعل العمليات سهلة التصنيع باستخدام مواد متاحة ومعروفة في القطاع الصناعي لتسهيل عملية الانتقال.
مواجهة التحديات
تمثل أحد التحديات الرئيسة في التوفيق بين التوقيتات الزمنية للمختبرات والشركات الإنتاجية؛ حيث عمل الفريق على مواكبة متطلبات الشركات والتكيف مع تغير المواصفات أثناء مراحل التطوير. وبناءً على هذه الخبرات، يتجه الفريق لتأسيس شركة تمتلك الموارد والمرونة للعمل مع القطاع الخاص ضمن أطر زمنية قصيرة.
وشمل تحدٍ آخر التفاوض مع موردي السيليلوز والنشا الذين يفضلون عادة بيع كميات ضخمة بالأطنان بدلاً من الكميات المحدودة المطلوبة للاختبارات المعملية. وشكل بناء علاقات إيجابية عنصرًا حاسمًا لتجاوز هذه العقبة؛ إذ يتيح النجاح التجاري لترتيبات التغليف زيادة الطلب على المواد الخام من المصنعين، وهو ما أقنع الموردين بالتعاون.
ويتوقع البروفيسور جيفري طرح المنتج في الأسواق خلال عام، مع استمرار الأبحاث لرفع مستويات الاستدامة، وتقليل استهلاك الموارد والمواد الكيميائية والطاقة أثناء التصنيع، ومراعاة الآثار البيئية والاجتماعية الأخرى.
نبذة عن الهندسة الحيوية تجمع الهندسة الحيوية بين المفاهيم الحيوية والتطبيقات الهندسية، ويمتد نطاقها من هندسة الجزيئات إلى الأنظمة البيئية الكاملة. يركز عمل جيفري على المستوى الدقيق عبر هندسة الجزيئات الطبيعية لإنتاج مواد ذات خصائص تجارية نافعة تقدم بدائل مستدامة للمواد الملوثة.
وتعد الهندسة الحيوية من التخصصات المتقدمة التي تتناول دراسة الأنظمة الحية ومخرجاتها والتحكم فيها. وإلى جانب مجالاتها التقليدية كالأغراض الزراعية والطبية الحيوية، اتسع نطاقها ليمل مجالات الذكاء الذكالي، وواجهات الدماغ الحاسوبية، والبيولوجيا التخليقية، والتحليلات الأخلاقية والاجتماعية.
ويعمل المهندسون الحيويون على تعديل أشكال الحياة، سواء عبر التعديل الجيني للميكروبات والنباتات، أو تصميم عمليات إنتاج الأغذية، ومعالجة مياه الصرف الصحي، وتطوير الأطراف الروبوتية المتصلة بالدماغ. ويؤثر هذا التخصص بشكل مباشر في التقنيات التي تشكل المستقبل البيئي والبشري.
ويرتبط هذا التطور بالجانب الأخلاقي والتعليمي، مما يتطلب إعداد مهندسين يمتلكون مهارات التفكير النقدي، وطرح الأسئلة، وفهم التحيزات، وبناء البراهين، والابتكار الشامل. وتتداخل الأبعاد الأخلاقية مع مختلف التطبيقات، مما يفرض فهم القيم الذاتية والمجتمعية لاتخاذ قرارات سليمة.
وللراغبين في دخول مجال الهندسة الحيوية، يُنصح بالتواصل مع المختصين في الجامعات والجمعيات الهندسية للتعرف على مساراتهم المهنية وعوامل نجاحهم، والتفاعل مع الأبحاث الميدانية لاستكشاف المجالات المحفزة واكتساب الخبرات.
