تُعد مهارتا القراءة والكتابة من المرتكزات الأساسية في حياتنا المعاصرة، لكن قلّما نتفكر في كيفية معالجة الدماغ للإشارات والمطبوعات. في جامعة ألبيرتا بكندا، تعكف البروفيسورة "جاكلين كومين" على فك شفرات آليات القراءة، مركزةً بوجه خاص على الدور المحوري للحواس، ومستغلة هذه الاكتشافات لمساعدة الأفراد الذين يواجهون صعوبات في اكتساب المهارات القرائية.
مصطلحات مفتاحية من منظور علم الأعصاب المعرفي
المعرفي (Cognitive): كل ما يرتبط بالأنشطة الذهنية الواعية، كالتحليل، والتفكير، والتذكر، واستخدام اللغات.
الحنجرة (Larynx): العضو الصوتي المسعف لمرور الهواء من الحلق إلى القصبة الهوائية، والمحرك للحبيلين الصوتيين.
القرائية / مهارات القراءة والكتابة (Literacy): القدرة على فك الشفرات المكتوبة وفهمها والتعبير من خلالها.
المرونة العصبية (Neuroplasticity): قدرة الدماغ التكيفية على إعادة هيكلة مساراته الوظيفية والبنيوية بناءً على التعلم أو التعافي.
علم الأعصاب (Neuroscience): التخصص العلمي الباحث في تركيبة الجهاز العصبي والدماغ وظائفهما.
الفونيم / الصوت اللغوي (Phoneme): الوحدة الصوتية الصغرى والمستقلة التي تشكل الكلمات في اللغة.
التخطيط الحركي للكلام (Speech motor planning): القدرة الذهنية على صياغة الفكرة، وتخطيط طريقة نطقها حركيًا، ثم إخراجها صوتیًا.
تُعتبر القدرة على استيعاب اللغة المكتوبة واستخدامها مهارة معقدة للغاية، ينفرد بها الإنسان دون سائر الكائنات. يستطيع أغلبنا معالجة سلسلات من الرموز ذات التراكيب اللانهائية وفهم معانيها في أجزاء من الثانية. ومع ذلك، لم يبدأ البشر القراءة إلا منذ نحو 5,000 عام تقريبًا، وهي فترة زمنية غير كافية ليتطور الدماغ بيولوجيًا خصيصًا لهذه المهارة؛ مما يعني أننا نقرأ مستخدمين أجزاءً من الدماغ كانت قد تطورت أصلًا لوظائف وأغراض أخرى.
إن فهم آليات القراءة يحمل أهمية بالغة، لا سيما لتقديم حلول ناجعة لمن يعانون من ضعف المهارات القرائية والكتابية. تؤكد الدكتورة "جاكلين كومين"، الأستاذة بكلية طب إعادة التأهيل (قسم علوم الاتصال واضطراباته) بجامعة ألبيرتا، أن المهارات القرائية تؤثر عميقًا في حياة الفرد؛ إذ يمكن للتفاوتات البسيطة في هذه المهارات أن تنعكس بوضوح على النجاح الأكاديمي، والفرص الوظيفية، والصحة النفسية. وتكرس جاكلين أبحاثها لدراسة كيفية القراءة، وأسباب تعثر هذه المنظومة، وسبل تقديم الدعم الأمثل لذوي الإعاقات القرائية أو السمعية أو النطقية.
بين الكلمة المنطوقة والكلمة المكتوبة
تتضافر الأنظمة الحسية المختلفة لمساعدتنا على فهم الرموز المكتوبة؛ حيث تؤدي العينان، والأذنان، وحاسة اللمس دورًا جوهريًا في عملية القراءة. وإذا كان دور الأبصار بديهيًا، فإن الأبحاث كشفت عن أهمية حاسمة للسمع واللمس؛ فالكلمات تتكون من وحدات صوتية صغرى (فونيمات)—مثل الأصوات المقترنة بحروف معينة—ونحتاج للتعرف عليها بدقة لنقرأ بطلاقة. وتكون هذه العملية أسرع عندما نستحضر الأصوات ذهنيًا عبر الاستماع والنطق. وهنا يأتي دور اللمس أيضًا؛ إذ ترتبط الطلاقة القرائية بقابلية نطق الكلمات والأصوات بسرعة، حيث نعتمد على الإحساس اللمسي الداخلي لتحريك اللسان والشفتين والحنجرة بدقة لإخراج الأصوات.
في المعتاد، نتعلم القراءة بعد إتقان الكلام، وتذهب الفرضيات العلمية إلى أن القراءة تُبنى على منظومة إنتاج الكلام لدينا. فمثلاً، عندما يتعلم الطفل القراءة بمساعدة شخص بالغ، يعرض عليه البالغ الحروف وينطق أصواتها، فيكررها الطفل، وحالما يستوعب الحروف، يربط بينها لتشكيل الكلمات (مثل ربط أصوات الحروف لتكوين كلمة "قطة"). ولأن هذا التعلم يمر عبر بوابة الكلام، فإن التعرف على الحروف يرتبط وثيقًا بسماعها وطريقة نطقها. وقد قاد هذا الفهم الباحثين لاختبار فرضيات حول دور الفم؛ حيث وُجد أن إعاقة الحركة العضلية للفم لدى الكبار (كوضع مصاصة كبيرة) أثرت على سرعة تمييزهم بين الكلمات الحقيقية والكلمات الخالية من المعنى أثناء القراءة الصامتة، وهي ظاهرة لا تزال قيد الدراسة.
عقبات وصعوبات القراءة تتعدد أسباب تعثر القراءة؛ فالأشخاص الذين يولدون بصمم كامل ولم يتسنَّ لهم معرفة أصوات الحروف يواجهون تحديًا كبيرًا في التعلم، لتصوُّرهم تراكيب الحروف كرموز عشوائية. كما تزداد صعوبة تعلم القراءة مع تقدم العمر بسب انخفاض مرونة الدماغ. وتوضح الدكتورة جاكلين أنه إذا لم يُمنح الفرد فرصة التعلم في سن مبكرة، يصبح الأمر أكثر صعوبة لاحقًا، وإن كان لا يزال ممكنًا.
وقد تكون أسباب التعثر معرفية عصبية داخل الدماغ؛ ففي بعض الحالات، ورغم سلامة الحواس، يعجز الدماغ عن معالجة المعلومات بشكل صحيح، مما يسبب صعوبة في التعرف على الكلمات أو فك شفراتها أو نطقها. ويعد "الديسليكسيا" (عسر القراءة) مثالاً شائعًا على ذلك، وهو اضطراب نمائي يعيق تعلم القراءة رغم عدم وجود أي تدنٍّ في مستوى الذكاء.
داخل أروقة الدماغ يستعين مختبر الدكتورة جاكلين بتقنيات تصوير حديثة لسبر أغوار الدماغ ورصد استجاباته العصبية للمؤثرات المختلفة. تشمل هذه التقنيات: التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، والمطيافية القريبة من الأشعة تحت الحمراء الوظيفية (fNIRS). وعندما تنشط منطقة دماغية، فإنها تستهلك الأكسجين القادم عبر الدم، وتعمل التقنيتان على رصد هذه العملية (الأولى بواسطة أمواج الراديو، والثانية عبر الأمواج الضوئية). أما التقنية الثالثة، وهي تصوير الموتر الناشر (DTI)، فتقيس حركة الماء عبر ألياف المادة البيضاء، وهي المسارات التوصيلية التي تربط بين مناطق الدماغ المختلفة.
تستهدف أبحاث الدكتورة جاكلين ثلاث مناطق رئيسة في الدماغ:
التلفيف الجبهي السفلي: يختزن المخططات الحركية للكلام وتسلسلات النطق.
المنطقة الصدغية الجدارية: تساعد على ربط الاصوات (الفونيمات) ببعضها.
التلفيف الصدغي السفلي: يلعب دورًا محوريًا في التعرف على أشكال الحروف والكلمات.
فعندما يتعلم الطفل قراءة كلمة مثل /أحمر/، يكون صوته مخزونًا أصلًا في التلفيف الجبهي السفلي، بينما يخزن التلفيف الصدغي السفلي شكل الحروف، وتتولى المنطقة الصدغية الجدارية ربط الحروف بالأصوات. وعند قراءة الكلمة المطبوعة كليًا، تتصل هذه الأنظمة الثلاثة وتترابط على مدار سنوات التعلم لتبني منظومة قرائية ذات طلاقة وكفاءة عالية.
تطبيقات ملموسة في الواقع
صمم فريق الدكتورة جاكلين برنامجين تدريبيين واختبرهما لمساعدة البالغين المصابين بالديسليكسيا:
التدريب القائم على المهارات: يركز على تعليم المفاهيم الأساسية للقراءة، كفهم الفونيمات وأنماط الحروف، وهجاء الكلمات الطويلة أو المعقدة.
التدريب القائم على الأهداف: يحدد فيه المشاركون أهدافهم الشخصية المتعلقة بالقراءة، ويصمم الفريق أنشطة مخصصة لتحقيقها.
وقبل التدريب وبعده، أجرى الفريق تقييمًا للأداء القرائي وقياسًا للنشاط الدماغي عبر تقنية (fNIRS)؛ وأظهرت النتائج تحسنًا ملموسًا في الأداء القرائي ضمن كلا البرنامجين، إلى جانب تغيرات إيجابية في النشاط الدماغي تؤكد حدوث "مرونة عصبية" نتيجة التدريب المكثف.
يعكف الفريق حاليًا على إتاحة مصادر تدريبية للبالغين الذين يواجهون تحديات قرائية لتعزيز مهاراتهم وتحسين جودة حياتهم اليومية. وتؤكد جاكلين تطلعهم لتجاوز المهارات القرائية المباشرة، للتعامل مع المشاعر المصاحبة مثل القلق الاجتماعي في الموقف اليومية، وذلك بالتعاون مع مؤسسات غير ربحية لتطبيق هذه البرامج ميدانيًا.
نبذة عن علم الأعصاب المعرفي يهتم علم الأعصاب المعرفي بدراسة العلاقة بين بنية الدماغ وظائفه من جهة، وبين الإدراك والتحليل والذاكرة واللغة من جهة أخرى. ويتم ذلك عبر مراقبة النشاط الدماغي ودراسة آثار الأمراض العصبية والمؤثرات الخارجية على أداء المهام.
وتشير الدكتورة جاكلين إلى أن أثمن ما في عملها هو تدريب العلماء الجدد وتوفير بيئة داعمة لطاقاتهم وشغفهم البحثي. وترى أن التحدي الأكبر في هذا المجال يكمن في تجاوز الأطر والتقاليد العلمية القديمة التي قد تعيق التطور، معربة عن أملها في أن تسهم مبادرات التنوع والشمول في تبني أساليب أكثر مرونة وشمولية لتطوير المعرفة.
وتوجه الدكتورة نصيحة للخريجين الراغبين في الانضمام لهذا التخصص بالالتحاق بالمعامل البحثية في أقرب وقت ممكن، والتطوع مع الأساتذة وطلاب الدراسات العليا؛ إذ تمنح الممارسة الميدانية خبرة لا تُقدر بثمن للاطلاع على مناهج البحث والبيئات العلمية المختلفة.
