ما تزال الأسباب الدقيقة الكامنة وراء مرض الزهايمر—وهو أحد أخطر الاضطرابات الدماغية—تكتنفها الكثير من الألغاز. غير أن فريقًا بحثيًا في جامعة كارولينا الشمالية بمدينة تشابل هيل الأمريكية، يقوده الدكتور "غراهام ديرينغ" والدكتورة "شيني مارتن"، يرى أن جودة نومنا قد تكون أحد العوامل المحورية المؤثرة في هذا المرض. وتُركز تجاربهم على رصد التغيرات البيوجزيئية والعصبية التي تعقب اضطرابات النوم، وما إذا كانت هذه التغيرات تشكل الشرارة الأولى لتحفيز الإصابة بالزهايمر.
مصطلحات مفتاحية في عالم الكيمياء الحيوية
مرض الزهايمر: اضطراب عصبي متدرج يبتدئ بضعف طفيف في الذاكرة، وقد يتطور ليصل إلى فقدان كامل تقريبًا للوظائف المعرفية.
صفائح الأميلويد: تجمعات غير طبيعية لبروتينات ضارة تترسب في نسيج الدماغ.
المحور العصبي: الجزء الطولاني الممتد من الخلية العصبية، ويتولى نقل الإشارات الكهربائية عبر الخلية.
السائل النخاعي (السائل الدماغي الشوكي): السائل المغذي والواقي الذي يحيط بالدماغ والحبل الشوكي ويدور حولهما.
الزوائد الشجيرية: امتدادات متفرعة من الخلية العصبية تستقبل الإشارات الكيميائية والكهربائية عبر المشابك العصبية.
النواة الزرقاء (Locus coeruleus): منطقة دقيقة في جذع الدماغ تؤدي دورًا رئيسًا في تنظيم الاستثارة، واليقظة، وعمليات التعلم.
انزياح الموضع (Mislocalised): وجود البروتين أو الجزيء الحيوية في غير موقعه الوظيفي الصحيح.
الخلية العصبية (النيورون): الخلايا الأساسية المشكلة للدماغ والجهاز العصبي، وتعمل على نقل السيالات العصبية لمعالجة المؤثرات البيئية وتنفيذ المهام الإدراكية.
علم الأمراض (الباثولوجيا): التخصص المعني بدراسة الأمراض والتغيرات البنيوية والوظيفية الناجمة عنها.
التأثير الكهروجهدي (Piezoelectric): خاصية تميز بعض المواد بتوليد شحنة كهربائية عند تعرضها للإجهاد أو الضغط الميكانيكي.
المشبك العصبي: الفجوة المجهرية الدقيقة التي تنتقل عبرها السيالات العصبية من خلية عصبية إلى أخرى.
بروتين تاو (Tau): بروتين يدعم البنية الهيكلية للخلايا العصبية، لكنه يتحول إلى عنصر هدام عند انزياحه عن موقعه الطبيعي وتكتله في تجمعات بروتينية.
رغم التطور العلمي المتسارع، لا يزال الكثير عن كيفية نمو الدماغ البشري وآليات عمله مجهولاً، حتى إن الإجابة عن أسئلة بديهية—من قبيل "لماذا ننام؟"—تظل في إطار الفرضيات. ويشير عالم الكيمياء الحيوية الدكتور "غراهام ديرينغ" إلى أنه حتى يومنا هذا، ما تزال الآليات البيولوجية الكامنة وراء الوظائف الترميمية للنوم محاطة بالكثير من الغموض. وتتضافر جهوده مع عالمة الأعصاب الدكتورة "شيني مارتن" لسبر أغوار فوائد النوم، وبحث كيف يمكن لنوم ليلة مريح أن يشكل درعًا واقيًا من الزهايمر.
الفوائد الترميمية للنوم
يدرك الجميع أهمية النوم للصحة، لكن الأسباب البيولوجية لذلك تتلخص في منح الدماغ فرصة لمعالجة معلومات اليوم والتخلص من الزوائد غير الضرورية، لاستعادة قدرته على استيعاب المزيد في اليوم التالي. تشكل "المشابك العصبية" نقاط الاتصال بين الخلايا العصبية، وتعد إعادة تشكيل هذه المشابك أمرًا جوهريًا للتعلم وتكوين الذكريات؛ فالخبرات اليومية تزيد من حجم المشابك العصبية وقوتها أثناء اليقظة، إلا أن هذا التضخم يجعل من الصعب الحفاظ عليها، ويستهلك الطاقة الاستيعابية لبناء اتصالات جديدة. ومع نهاية اليوم، تصل المشابك العصبية إلى مرحلة التشبع، مما يعيق استيعاب أي معلومات جديدة؛ وهنا يأتي دور النوم كعملية إعادة توازن ترميمية.
أثناء النوم، تضعف الاتصالات المشبكية التي تكونت خلال النهار بشكل انتقائي، مما يعيد للمشابك طاقتها الاستيعابية لليوم التالي. وتكتسب معالجة الذكريات أهمية استثنائية في تحديد الأولويات بين المعلومات الواجب الاحتفاظ بها وتلك التي ينبغي التخلص منها؛ إذ ليست كل تفاصيل الحياة اليومية جديرة بالترسيخ في الذاكرة طويلة المدى. وتعد عملية "النسيان الانتقائي" شرطًا أساسيًا لإتاحة المجال أمام تسجبل معلومات جديدة. فبينما تحظى المشابك المسؤولة عن المعلومات الهامة بالحماية، تضعف المشابك الأخرى خلال النوم، وترجح الفرضيات الأكاديمية أن الأحلام تمثل جزءًا محوريًا من عملية الفرز والانتقاء هذه.
ولا تقف فوائد النوم عند هذا الحد، بل تنخفض استثارية الخلايا العصبية أثناء النوم، مما يقلل من معدلات تنشيطها المتكرر، وهو أمر حيوي للحفاظ على صحة النيورونات على المدى الطويل. كما يمنح النوم الدماغ فرصة لإجراء "تنظيف شامل"؛ إذ يتولى السائل النخاعي المحيط بالخلايا العصبية جرف الفضلات السمية الناجمة عن النشاط الخلوي اليومي والتخلص منها، في عملية غسل فيزيائية تطهر الدماغ من المخرجات السامة.
اضطرابات النوم وآثارها السلبية
مع التقدم في العمر، يواجه الكثيرون صعوبة متزايدة في الخضوع لنوم عميق ومستقر، مما ينعكس سلبًا على جودته الإجمالية. وتؤكد الشواهد العلمية أن "تجزؤ النوم"—أي صعوبة الاستمرار في النوم لمدد متصلة—يمثل النمط الأكثر ضررًا؛ حيث يحرم الجسم من تحصيل الفوائد الترميمية للنوم. يؤدي اضطراب النوم إلى إعاقة قدرة الدماغ على معالجة الذكريات، وتحفيز الالتهابات الدماغية التي تشكل عنصرًا رئيسًا في زيادة الاصابة بالزهايمر، فضلاً عن تسببه في التنشيط المفرط للخلايا العصبية مما يؤدي إلى تلفها.
وعلى صعيد مرض الزهايمر بشكل خاص، حدد الباحثون مؤشرات حيوية تربط بين سوء جودة النوم وتطور المرض؛ فضعف تدفق السائل النخاعي يؤدي إلى تراكم السموم التي تتجمع لتشكل صفائح الأميلويد—وهي إحدى العلامات الفارقة للزهايمر. كما تتراكم بروتينات "تاو" السامة داخل الخلايا العصبية تشكّل تشابكات ليفية عصبية تؤدي في النهاية إلى موت الخلايا. وتنتشر بروتينات تاو السامة بأسلوب يشبه انتشار العوامل الممرضة، حيث تفرزها الخلايا العصبية عند استثارتها في ساعات اليقظة. ومن ثم، يقلل النوم من إفراز هذه البروتينات، بينما يؤدي السهر المفرط إلى تسريع انتشارها داخل الدماغ؛ مما يعني أن قلة النوم تسرّع وتيرة باثولوجيا الزهايمر عبر مسارين: زيادة الاستثارة العصبية، وتخفيض تدفق السائل النخاعي المنظف للدماغ.
هل يسبب سوء النوم مرض الزهايمر؟
جانب من مشاركة أعضاء مختبر "ديرينغ" في مؤتمر جمعية علوم الأعصاب لعام 2023 بمقاطعة واشنطن. اللوحة الفنية "أعمدة الصحة" المبتكرة لصالح المختبر، والمستوحاة من أبحاثه الجارية. الدكتور غراهام ديرينغ برفقة الدكتورة شيني مارتن خلال حفل نيلها درجة الدكتوراه عام 2023. احتفاء الفريق البحثي بتخرج أول طالبة دكتوراه من المختبر، الدكتورة شيني مارتن.
توضح الدكتورة شيني مارتن أن بروتين "تاو" يتواجد في المحاور العصبية في الحالات الطبيعية، غير أنه رُصد مؤخرًا في الزوائد الشجيرية الواقعة بعد المشابك العصبية، وهي المناطق المسؤولة عن استقبال الإشارات. وتفترض الدراسة أن وجود بروتين تاو في هذا الموضع غير الصحيح يجعل المشابك العصبية أكثر هشاشة أمام الآثار الناجمة عن حرمان النوم. ويرتركز هذا الانزياح البروتيني في خلايا القشرة الدماغية وقرين البحر (الهيبوكامبس)، وهما منطقتان مركزيتان للذاكرة والوظائف الإدراكية العليا. ويضيف الدكتور غراهام أن تراكم تاو عند المشابك العصبية يعيق قدرتها على تغيير قوتها التكيفية، مما يضعف تشكيل الذكريات الجديدة، بل وقد يدمر المشابك نفسها، مسببًا فقدانها وبالتالي فقدان الذاكرة—وهو العرض الأبرز للزهايمر.
ولفحص فرضية أن حرمان النوم يسبب انزياح بروتين تاو أو يسرّع حدوثه، أجرى الفريق تجارب على نماذج من الفئران. ولإحداث اضطراب نوم حاد، يلجأ الباحثون إلى النقر الخفيف على أقفاص الفئران أو تغيير بيئتها، بينما يُستخدم جهاز يهز القفص بلطف وبشكل دوري لمحاكاة اضطراب النوم المزمن. والمثير للاهتمام أن النتائج لم تسجل تغيرًا ملموسًا في مستويات بروتين تاو المنزاح داخل القشرة الدماغية أو قرين البحر، لكن الفحص الدقيق لـ "النواة الزرقاء" في جذع الدماغ كشف عن زيادة واضحة في باثولوجيا تاو نتيجة اضطراب النوم. وتعد النواة الزرقاء من أولى المناطق التي تظهر فيها باثولوجيا تاو في المراحل المبكرة للزهايمر، ولأن خلاياها ضرورية لعمليات التعلم، فإن تضررها يسهم في التراجع المعرفي. ومن الملفت أن إناث الفئران لم تظهر تسارعًا في التراجع المعرفي مقارنة بالذكور، وتفترض الدراسة أن الإناث تمتلك نوعًا من "الاحتياطي المعرفي" في قرين البحر، وهو ما يعكف الفريق على دراسته مستقبلاً.
هل يؤدي الزهايمر إلى اضطراب النوم؟
يعمل الفريق على سلالة من الفئران معدلة جينيًا لإفراز مستويات عالية من بروتين تاو المنزاح. وتوضح الدكتورة شيني أنه يتم تتبع نمط نوم هذه الفئران عبر تقنيات غير جراحية، باستعمال بساط يعمل بالتأثير الكهروجهدي يُوضع تحت القفص لالتقاط أي حركة فزيائية مهما بلغت دقتها، بما في ذلك معدل التنفس. وبمقارنة أنماط نوم هذه الفئران بالفئران الطبيعية طوال دورة حياتها، تبين أن الفئران المصابة بباثولوجيا تاو تطور تغيرات سلوكية في النوم مبكرًا جدًا، قبل ظهور التراجع المعرفي أو الأعراض الباثولوجية الحادة لبروتين تاو بفترة طويلة. ويشير ذلك إلى أن اضطراب النوم يمثل عرضًا مبكرًا قد يكون المسبب الرئيس لتفاقم المرض.
وقد يكون الباحثون قد وضعوا أيديهم على حلقية تغذية راجعة موجبة: فسوء النوم يؤدي إلى انزياح بروتين تاو، وهذا الانزياح يؤدي بدوره إلى تفاقم سوء النوم، مما يسرّع مجددًا من انزياح البروتين، وهكذا في دورة مغلقة. ومن هذا المنظور، ينبغي التركيز على كسر هذه الدورة الفرغة بدلاً من البحث عن المسبب الأولي؛ إذ إن حماية جودة النوم وتطويرها قد يسهمان بشكل مباشر في إبطاء وتيرة الزهايمر أو كبح تقدمه.
التطبيقات على الواقع العملي
يرى الفريق العلمي أن ثمة حاجة لمزيد من الأبحاث لاستيعاب العلاقة بين اضطرابات النوم والتعرض للزهايمر، غير أن فوائد النوم المنتظم وغير المتقطع في حماية الوظائف المعرفية باتت جلية. وينبه الدكتور غراهام إلى أن المنومات الشائعة لا تتعدى كونها مهدئات بسيطة تفتقر للقدرة على تعزيز الوظائف الترميمية للنوم، مشددًا على أن الأبحاث المستقبلية يجب أن تتجه نحو تطوير أدوية نوم من الجيل الجديد تعمل على تعظيم الفوائد البيولوجية للنوم.
من جانبها، تهتم الدكتورة شيني بالفوارق الملاحظة بين الذكور والإناث؛ ورغم وضوح تلك الفوارق في التجربة، إلا أن الآليات الدقيقة ودلالاتها العملية ما زالت قيد البحث. كما يعتزم الفريق إطلاق مشروع بحثي يهدف إلى إنقاذ جودة النوم ووقف التراجع المعرفي، وهو ما قد يعزز التوجهات الطبية الداعية لمنح النوم أولوية قصوى للحماية من الأمراض العصبيّة.
لمحة عن علم الكيمياء الحيوية
تعد الكيمياء الحيوية التطبيق العملي لمبادئ الكيمياء على العمليات البيولوجية في المستويين الجزيئي والخلوي، حيث تدرس التفاعلات الكيميائية داخل الكائنات الحية وتأثيرها على الوظائف الحيوية. وتتعدد تطبيقات هذا العلم لتشمل الرعاية الصحية، وتطوير الأدوية، والتقنيات الحيوية، والتصنيع، والعلوم الجنائية.
ويصف الدكتور غراهام العمل البحثي بأنه تجربة مثرية؛ حيث يتيح إجراء التجربة الناجحة رؤية ظواهر بيولوجية لم يسبق لأحد مراقبتها، مما يوسع حدود المعرفة البشرية. ويرى أن أجمل ما في عمله هو التعاون مع الباحثين الآخرين، لأن التقدم العلمي يزدهر بالتفاعل وتبادل الأفكار، وبدخول أجيال جديدة تطرح رؤى حديثة لمعالجة المشكلات القديمة، مؤكدًا شغفه برعاية الباحثين الشباب في مختبره ودعم مسيرتهم العلمية.
ويشهد القطاع الطبي الحيوي نموًا متسارعًا، مما يجعل المتخصصين في العلوم والأبحاث محط اهتمام قطاعات واسعة؛ إذ يفتح التوسع في مجالات الصيدلة والتقنية الحيوية آفاقًا واسعة تجمع بين العلوم وإدارة الأعمال. وتتجلى أهمية هذا التخصص في صياغة السياسات العامة والتثقيف الصحي، استنادًا إلى أدلة علمية موثوقة.
ولمن يطمح لبناء مسار مهني في الكيمياء الحيوية، يُنصح بالتواصل المباشر مع الناشطين في هذا المجال من أساتذة جامعيين وباحثين، والتعرف على تجاربهم الدراسية والمهنية، والانخراط الأكاديمي في الأبحاث؛ إذ يسهم بناء شبكة علاقات شخصية في اقتناص الفرص العلمية والعملية المناسبة.
