القائمة الرئيسية

روابط خفية: كيف تتشابك السكتات الدماغية والخرف والأكتئاب؟

روابط خفية: كيف تتشابك السكتات الدماغية والخرف والأكتئاب؟
ملخص المقال

تتداخل السكتات الدماغية والاكتئاب والخرف بصورة وثيقة، إذ قد تؤدي الآثار الجسدية والنفسية للسكتة إلى الاكتئاب، بينما يمكن أن يتسبب نقص الأكسجين والدم الواصل إلى الدماغ في ظهور أعراض الخرف أو تسريع تطورها، فضلًا عن وجود عوامل بيولوجية مشتركة مثل الالتهابات المزمنة واضطرابات تدفق الدم. ومع ارتفاع أعداد كبار السن وتفاقم عوامل الخطر القابلة للوقاية، مثل قلة النشاط البدني وسوء التغذية والسكري، يتوقع الباحثون زيادة معدلات السكتات، ما يجعل الوقاية والمتابعة الطبية بعد السكتة أو النوبة الإقفارية العابرة أكثر أهمية للحد من تكرارها والمضاعفات المرتبطة بها. ويحلل باحثون في أونتاريو السجلات الصحية لقياس مدى جودة الرعاية المقدمة للمرضى، ورصد حالات الخرف بعد السكتة، والكشف عن الفوارق في الخدمات بين المناطق، وقد أظهرت النتائج الأولية وجود قصور لدى كثير من المرضى في تلقي الرعاية الموصى بها، مثل الفحوصات الدورية والتطعيمات الوقائية، ما يبرز الحاجة إلى سد هذه الفجوات وإجراء تحسينات هيكلية في منظومة الرعاية الصحية لتحسين النتائج وجودة حياة المرضى.

في أروقة جامعة ويسترن الكندية، يلتقي الدكتور جيمي فليت بالدكتورة ستيفاني فريزبي في مشروع بحثي مشترك، يهدف إلى تحسين حياة المصابين بالسكتات الدماغية وما يرافقها من تبعات نفسية وعقلية، وفي مقدمتها الأكتئاب والخرف.

مصطلحات من أروقة الأبحاث الطبية

شيخوخة المجتمع: ظاهرة ديموغرافية تتزايد فيها نسبة كبار السن ممن تجاوزوا الخامسة والستين من العمر.

أمراض القلب والأوعية الدموية: كل ما يتعلق بصحة القلب وشرايينه وأوردته.

أمراض الأوعية الدموية الدماغية: الأمراض الناجمة عن اختلال التروية الدموية المتدفقة إلى الدماغ.

الخرف: مظلة تشخيصية تتضمن مجموعة من الأعراض التي تضعف الذاكرة وتؤثر سلبياً على التفكير واللغة والسلوك.

السكتات الدماغية الإقفارية: الشق الأكثر شيوعاً من السكتات، وتحدث حين تسد انسدادات خثرية طريق الدم والأكسجين نحو أنسجة الدماغ.

علاج مرضى العيادات الخارجية: تقديم الخدمة الطبية والمتابعة للمريض دون الحاجة لإقامته داخل المستشفى.

الطب الطبيعي وإعادة التأهيل: فرع طبي متخصص يهدف إلى استعادة القدرات الوظيفية وتحسين جودة حياة من تعرضوا للإصابات أو الإعاقات أو الأمراض المزمنة.

الرعاية الصحية الأولية: خط الدفاع الصحي الأول والمستمر للمريض، كالخدمات التي تقدمها المراكز الصحية والعيادات المحلية.

السكتة الدماغية: طارئ طبي حرج يهدد الحياة، يقع عند انقطاع تدفق الدم فجأة عن جزء من الدماغ.

النوبة الإقفارية العابرة: انقطاع مؤقت ومؤقت في التروية الدموية للدماغ، ينجم عنه أعراض تشبه السكتة الدماغية ولكنها تزول سريعاً.

يعكف الدكتور جيمي فليت والدكتورة ستيفاني فريزبي في مقاطعة أونتاريو على تحليل السجلات الصحية لمرضى السكتات الدماغية والأكتئاب والخرف، سعياً وفهماً لأسباب هذا التداخل المرضي، واستكشافاً لسبل تطوير البرامج العلاجية، فضلاً عن قياس مدى اختلاف جودة الرعاية بتبدّل المناطق الجغرافية.

وتوضح الدكتورة ستيفاني، مؤسسة مختبر الأبحاث الصحية والنتائج العلاجية بجامعة ويسترن، أن الدراسات الوبائية المعنية برصد سلوك الأمراض وانتشارها تؤكد أن هذه الحالات الثلاث؛ السكتة الدماغية والأكتئاب والخرف، كثيراً ما تتلاقى في جسد واحد، وأن التعرض لإحداها يجعل الفرد أكثر عرضة للإصابة بالأخريات.

ويرجع هذا التزامن إلى عوامل متعددة؛ أولها أن الآثار الجسدية والنفسية الدائمة التي تتركها السكتة على حياة الإنسان قد تقوده إلى عتمة الأكتئاب. وثانيها أن انقطاع الأكسجين والدم عن الدماغ أوان السكتة قد يستحث ظهور أعراض الخرف أو يسرّع من تدهورها. ويضيف الدكتور جيمي، المتخصص في الوقاية من السكتات وإعادة التأهيل، أن هناك مسارات بيولوجية مشتركة؛ مثل الالتهابات المزمنة والتغيرات في دفق الدم، تؤثر مباشرة في هذه الحالات مجتمعة.

ومع ارتفاع متوسط أعمار البشر اليوم، ازدادت احتمالات التعرض للسكتات الدماغية، وبالتالي قضاء سنوات أطول تحت وطأة الإعاقة. ويرى جيمي أن الوصول إلى علاجات لمظاهر الخرف وأكتئاب ما بعد السكتة، والعمل على حظر وقوع سكتات جديدة، أمر يتجاوز مجرد العلاج الطبي؛ ليطال جودة حياة المريض وخفض العبء الاقتصادي عن منظومات الرعاية الصحية.

فإذا أدرك الأطباء ومزودو الرعاية أسباب ونشأة هذه الرابطة بشكل دقيق، أمكنهم التدخل عبر برامج وقائية مبكرة تحد من تطور هذه المرضيات أو تفرمل مسارها المتسارع.

تحولات النتائج الصحية

تذكر الدكتورة ستيفاني أنه منذ أواخر الخمسينيات، ومع القفزات النوعية في أبحاث الطب الحيوي والصحة العامة، نجح المجتمع الطبي في تقليل أعباء أمراض القلب والشرايين والدماغ؛ كالنوبات القلبية والسكتات. وتحقق ذلك عبر استراتيجيات حازمة؛ كحملات مكافحة التدخين، وابتكار أدوية مفصلية كخافضات الكوليسترول (الستاتينات)، ومحصرات بيتا، ومحصرات قنوات الكالسيوم، التي أسهمت في السيطرة على عوامل الخطر المؤدية لهذه الأزمات.

إلا أن بوادر حديثة تجعل الخبراء يدقون ناقوس الخطر؛ إذ تشير أبحاث عدة إلى أن معدلات خطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين الدماغية عادت للارتفاع مجدداً. وتؤكد ستيفاني أن دراسة حديثة صادر عن مشروع "عبء المرض العالمي" توقعت زيادة فعليّة في معدلات السكتات الدماغية الإقفارية في كندا خلال العقد الحالي بين عامي 2020 و2030.

ولا يقف ارتفاع نسبة كبار السن في المجتمع الكندي وحده خلف هذه الزيادة، بل تتضافر معه عوامل خطورة أخرى يمكن الوقاية منها؛ وتوضح ستيفاني أن مؤشرات حيوية كقلة النشاط البدني، وضعف اللياقة، وسوء التغذية، وانتشار داء السكري، باتت تتفاقم في دول عدة ومن بينها كندا. يُضاف إلى ذلك تراجع يسير الحصول على خدمات الرعاية الأولية؛ كصعوبة حجز موعد سريع في العيادة القريبة، مما يحول دون اكتشاف عوامل الخطر المبكرة قبل تفاقمها. وتلفت النظر أيضاً إلى عدم وجود نظام معلومات صحي إلكتروني موحد وشامل في كندا، مما يصعّب من عملية تتبع المشكلات الصحية عالية الخطورة والسيطرة عليها.

مواجهة المشكلة

يبني جيمي وستيفاني أبحاثهما على دراسات سابقة تقيّم جودة الرعاية المقدمة للمرضى بعد إصابتهم بالسكتة الدماغية. وتبيّن ستيفاني أن الأبحاث الحالية تسعى لقياس مدى التزام العيادات الخارجية بتقديم رعاية متابعة كافية لمرضى السكتة الدماغية أو النوبة الإقفارية العابرة، كشفاً لعوامل الخطر وتفادياً لانتكاسات جديدة. كما تتتبع الدراسة نسبة المرضى الذين آل بهم المطاف إلى الإصابة بالخرف في مقاطعة أونتاريو.

ولتحقيق ذلك، يعتمد الباحثان على بيانات استُمدت من "معهد العلوم التقييمية السريرية" (ICES)، وهو مؤسسة بحثية غير ربحية مستقلة تُعنى بدراسة الخدمات الصحية ونتائجها على مستوى المجتمع. وتوضح ستيفاني أن هذه البيانات تغطي شتى أنحاء أونتاريو، مما يمنح الدراسة قدرة على تقديم صورة واقعية وشاملة عن مستوى الرعاية الصحي في المقاطعة. كما يسعى الباحثان لتقسيم النتائج بحسب المناطق الصحية المختلفة داخل المقاطعة، لمعرفة مدى أثر الموقع الجغرافي والسكن على النتائج العلاجية للمرضى.

أهمية رعاية المتابعة

تتجلى أهمية رعاية المتابعة في كونها حائط الصد الأول لمنع ظهور مضاعفات صحية جديدة، وضمان وصول المريض لأقصى درجات التعافي، إلى جانب مساعدة الكوادر الطبية على فهم خلفيات الحادثة وأسبابها. فغالباً ما تكون السكتة الدماغية مجرد قمة الجبل المجهود لمرض خفي أكثر تعقيداً؛ وتتيح المتابعة المستمرة للأطباء التشخيص الشامل واستكشاف ما قد يخفيه الجسد من اضطرابات.

وتزداد هذه المتابعة أهمية عقب التعرض لسكتة دماغية أو نوبة إقفارية عابرة؛ نظراً للارتفاع الكبير في احتمالات التعرض لنوبة ثانية. وتشير الإحصاءات إلى أن واحداً من كل ثلاثة أشخاص يتعرضون لنوبة إقفارية عابرة يصاب بسكتة دماغية مكتملة في مرحلة لاحقة من حياته.

ما الذي كشفت عنه الأبحاث؟

يؤكد الدكتور جيمي أن النتائج الأولية للأبحاث تشير إلى قصور في تلقي الكثير من المرضى للرعاية الموصى بها عقب الإصابة بالسكتة؛ كالفحوصات المخبرية الدورية والتطعيمات الوقائية الضرورية لمنع التكرار. ويضيف أن الأسباب خلف هذا القصور لم تتضح جلياً بعد، لكن وضع اليد على هذه الفجوات يمثل الخطوة الأولى والأساسية نحو معالجتها.

وما زالت أبحاث جيمي وستيفاني مستمرة حتى اليوم؛ وتختتم ستيفاني بقولها إن الهدف الأساسي من هذه النتائج هو إبراز مواطن الخلل في منظومة الرعاية التي يواجهها سكان أونتاريو، لتكون حافزاً ومحركاً نحو إجراء إصلاحات هيكلية في القطاع الصحي، تكفل الارتقاء بجودة الخدمات الطبية وتضمن تحسين النتائج الصحية لأكبر عدد ممكن من المرضى.

المصدر

مقالات ذات صلة