القائمة الرئيسية

إلى أين يمكن أن يحملك التخصص في فيزياء الغلاف الجوي؟

إلى أين يمكن أن يحملك التخصص في فيزياء الغلاف الجوي؟
ملخص المقال

تلعب جسيمات الهباء الجوي، ولا سيما جسيمات التنوية الجليدية، دورًا محوريًا في تشكل السحب والجليد وهطول الأمطار، ومن ثم في أنماط الطقس والمناخ، وهو ما يدفع الباحثين إلى دراسة خصائصها ومصادرها في بيئات مختلفة، من صحارى تكساس إلى القطب الشمالي. وتكشف الأبحاث أن الغبار الناتج عن مزارع الماشية في تكساس قد يكون مصدرًا مهمًا لهذه الجسيمات، ويرتبط بزيادة تركيزها أثناء العواصف البردية الشديدة، بينما يؤدي ذوبان الجليد في القطب الشمالي إلى كشف أراضٍ جديدة وإطلاق مزيد من الغبار، ما قد يعزز تشكل الجليد والسحب ويؤثر في التضخم القطبي عبر حلقة تغذية راجعة تزيد الاحترار. ويسعى العلماء إلى فهم الخصائص الفيزيائية والكيميائية الدقيقة لهذه الجسيمات وآلية تأثيرها في السحب والأمطار، بما يساهم في تطوير نماذج فيزياء الغلاف الجوي وتحسين فهم التغير المناخي والظواهر الجوية المتطرفة، فضلًا عن فتح المجال أمام تطبيقات عملية مثل استمطار السحب وتعديل الطقس.

تشهد القارة القطبية الشمالية ارتفاعاً في درجات الحرارة بمعدل يتجاوز أربعة أضعاف بقية أرجاء الكوكب، بينما تواجه ولاية تكساس الأمريكية ظواهر جوية جامحة تزداد قسوة وتكراراً، مثل العواصف البردية المدمرة. وأمام هذه التحولات المناخية الحادة، يعكف الدكتور ناروكي هيرانُما، العالم المتخصص في فيزياء الغلاف الجوي بجامعة تكساس في إل باسو، على دراسة الدقائق المعلقة في الهواء والسحب للوقوف على دورها في هذه التغيرات. ويسعى من خلال أبحاثه إلى سبر أغوار كيفية تشكل الجليد والغيوم، وتطوير النظريات الفيزيائية التي تفسر آلية تكثف السحب وهطول الأمطار.

مصطلحات فيزياء الغلاف الجوي

الهباء الجوي: دُقاقات صلبة أو قطرات سائلة مجهرية متناهية الصغر تسبح في الهواء، مثل الأتربة، وأبواغ النباتات، ورذاذ البحر، وعوادم المركبات، والبكتيريا.

الوضاءة (معامل الانعكاس): درجة قدرة الأسطح على إرجاع الضوء الساقط عليها وعكسه.

التضخم القطبي: الظاهرة التي تجعل القطب الشمالي يسخن بمعدلات أسرع بكثير من بقية مناطق الكرة الأرضية.

جسيمات التنوية الجليدية: فئة من الهباء الجوي تعمل كركيزة أو نواة تتجمع عليها جزيئات الماء لتتجمد.

التحليل الميتاتجينومي: استخلاص الحمض النووي من العينات البيئية لتحديد هوية الكائنات الحية الدقيقة الموجودة فيها.

التنوية: التجمع المتتابع للجزيئات واحتشادها حول جسيم محوري يشكل نواة لها.

يتشبع الهواء من حولنا بمليارات الجسيمات الدقيقة المعروفة بالهباء الجوي، والتي تلعب دوراً جوهرياً في ولادة السحب؛ إذ توفر السطح المثالي الذي يتكثف عليه بخار الماء أو يترسب لتشكيل قطرات السحاب. ويشرح الدكتور ناروكي هيرانُما هذا المفهوم موضحاً أن جسيمات التنوية الجليدية تنتمي إلى فئة خاصة من الهباء الجوي، وتملك القدرة على تحفيز تجمد قطرات السحب.

علاقة الجليد والسحب والأمطار بالمناخ

يضيف الدكتور ناروكي أن جسيمات التنوية الجليدية تتحكم بدرجة كبيرة في تشكل السحب وانقشاعها، كما أن تحول الماء إلى جليد في طبقات الجو العليا هو الخطوة الأولى والأساسية لتشكل الأمطار وهطولها. وبناءً على ذلك، تلعب هذه الجسيمات دوراً حاسماً في رسم ملامح الطقس والمناخ، وتؤثر مباشرة على أنماط الهطل ودرجة انعكاس أشعة الشمس عبر الغيوم. وتؤكد جينيفير أوفيلِي، الباحثة في فريق الدكتور ناروكي، أنه على الرغم من صغر حجم هذه الجسيمات وندرتها في الجو، إلا أن أثرها يتجلى بوضوح في طريقة تكون السحب وسلوك المناخ العام. ومن هذا المنطلق، يعكف الفريق على دراسة هذه الجسيمات في بيئات متباينة، من صحارى تكساس إلى صقيع القطب الشمالي، لفهم تأثيرها العالمي وتقييم مدى تأثرها بالأنشطة الزراعية والتغيرات المناخية.

لماذا تكساس بالتحديد؟

تتعرض ولاية تكساس لعواصف بردية عاتية، كما تتصدر إنتاج الماشية في الولايات المتحدة؛ إذ تسهم بنحو اثنين وأربعين بالمئة من إنتاج لحوم البقر هناك. ومن هنا، اتجه فريق الأبحاث للتقصي عن الخيط الذي يربط بين مزارع الأبقار، وجسيمات التنوية الجليدية، والطقس الجامح. وفي هذا الصدد، توضح الباحثة ييدي هو أنها عملت على تحليل عينات من الغبار الملتصق بمحطات تغذية الماشية للتحقق مما إذا كان مصدراً لهذه الجسيمات، سعياً لفهم الخصائص الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية للغبار التي تحفز تشكل الجليد الجوي، باعتباره اللبنة الأولى لتكون الغيوم.

وماذا عن القطب الشمالي؟

يوضح الدكتور ناروكي أن السرعة الفائقة التي يسخن بها القطب الشمالي تتجاوز أربعة أضعاف المعدل العالمي، وأن ظاهرة التضخم القطبي تعيد تشكيل غطاء الجليد البحري والمناخ والنظم البيئية برمّتها. وقد أدى التغير المناخي إلى تحوير طريقة تشكل السحب القطبية، مما انعكس سلباً على مناخ المنطقة. وفي أقصى نقطة مأهولة بالسكان شمالاً في أرخبيل سفالبارد، وفي مدينة أوتكياجفيك أقصى شمال الولايات المتحدة، يعكف الفريق بالتعاون مع جهات بحثية على جمع عينات الهباء الجوي لرصد التأثير المتبادل بينها وبين التغير المناخي. وتشرح الباحثة أفا سيلي طريقة جمع العينات قائلة إنهم يستخدمون مضخات خاصة لسحب الهواء المحيط وتجميع الجسيمات على مرشحات غشائية، ليتم شحنها لاحقاً إلى مختبرات تكساس لإخضاعها للفحص الدقيق.

آلية تحليل الهباء الجوي

تبين الباحثة ناديا رينا أن الفريق يعرّض العينات الجوية داخل المختبر لظروف متغيرة لمراقبة التحولات في خصائصها الكيميائية والفيزيائية، مثل الشكل، ودرجة حرارة التجمد، واللون. وتتضمن هذه التجربة تبريد قطيرات مائية مجهرية تحتوي على جسيمات التنوية لتحديد درجة تجمدها بدقة، إلى جانب استخدام غرفة محاكاة السحب المتنقلة (PINE) لتوليد قطرات السحب بلورات الجليد تحت ظروف جوية مصنعة تشابه غلاف الأرض. كما يجري الفريق قياسات لحجم الجسيمات وتركيبها الكيميائي، معتمدين على التحليل الميتاتجينومي لتحديد طبيعة الأحياء الدقيقة الموجودة في الهباء الحيوية.

ارتباط جسيمات التنوية القطبية بالتغير المناخي

توصل البحث إلى أن جسيمات التنوية الجليدية في القطب الشمالي تأتي من مصدرين رئيسيين: اليابسة (مثل غبار التربة) والمحيط (مثل رذاذ البحر). ويشير الدكتور ناروكي إلى أن ذوبان الأنهار الجليدية المتسارع يؤدي إلى انحسارها، مما يكشف عن أراضٍ كانت مدفونة منذ أزمنة بعيدة، فتتضاعف الانبعاثات الغبارية وتتحول هذه المساحات المكشوفة حديثاً إلى مصادر متجددة لجسيمات التنوية الجليدية.

ويستطرد موضحاً أن تركيز هذه الجسيمات في القطب الشمالي ينخفض كثيراً عن المتوسطات العالمية، مما يعني أن أي زيادة طفيفة في الانبعاثات الغبارية (سواء جراء انحسار الجليد البحري وزيادة رذاذ الموج، أو ذوبان الأنهار الجليدية وتعرية التربة) ستكون لها انعكاسات ضخمة وغير متناسبة على التضخم القطبي.

والخلاصة أنه كلما واصل القطب الشمالي الاحترار وانحسر غطاؤه الثلجي والجليدي، اتسعت المصادر المغذية لجسيمات التنوية الجليدية، مما يرفع نسبتها في المنطقة. ويشرح الدكتور ناروكي أن أكثر هذه الجسيمات نشاطاً تتسبب في تساقط أمطار تؤدي إلى تآكل وضاءة السطح وانخفاض قدرته على عكس ضوء الشمس، مما يدخل المنطقة في حلقة مفرغة تُعجل بالاحترار القطي.

كيف تغذي مزارع الماشية عواصف تكساس؟

أظهرت التحليلات الجارية في منطقة بينهاندل بشمال تكساس أن أعلى تركيزات لجسيمات التنوية الجليدية تقترن بأشد العواصف قسوة. وتشير النتائج إلى وجود رابط بين نشاط تربية الماشية والغلاف الجوي للمنطقة. ويؤكد الدكتور ناروكي، استناداً إلى تجارب محاكاة السحب، أن غبار مزارع الماشية ينتج جسيمات تنويةجليدية بنسب تتجاوز غبار التربة العادية. ورغم أن الفريق رصد بكتيريا قادمة من الأبقار ضمن عينات الهباء البيولوجي، إلا أن الفحوصات أثبتت أن هذه السلالات البكتيرية لا تعمل كجسيمات تنوية بحد ذاتها، مما يدل على أن البنية الفيزيائية للغبار ومحتواه العضوي هما العاطن الأساسيان، وليس الخصائص البيولوجية. ويتوصل البحث إلى أن محطات تغذية الماشية تشكل مصدراً غزيراً لجسيمات التنوية الجليدية، مما يمنحها القدرة على التأثير في تشكل الغيوم ومناخ المنطقة.

كيف تطور هذه الأبحاث علم فيزياء السحب؟

تكشف نتائج الفريق عن أثر بالغ لجسيمات التنوية الجليدية في كلا الإقليمين؛ سواء بتسريع التضخم القطبي أو بزيادة احتمالات العواصف الشديدة في تكساس. ويهدف البحث إلى فهم كيفية تأدية الملامح السطحية الدقيقة لجسيمات الهباء الجوي، بما في ذلك أشكالها وتركيبها الكيميائي، أدواراً حاسمة في تشكل الجليد داخل السحب الباردة على ارتفاعات شاهقة. وينهي الدكتور ناروكي حديثه بالإشارة إلى أن سد هذه الفجوة على المستوى الجزيئي يرمي إلى تطوير النظريات الفيزيائية الحالية للتعمق في تفسير كيفية تكون السحب وسقوط الأمطار.

نبذة عن فيزياء الغلاف الجوي

يوضح الدكتور ناروكي أن علماء الغلاف الجوي يكرسون جهودهم لدراسة الظواهر الجوية، وتحليل البيانات الأرصادية، وإعداد التقارير، والتنبؤ بحالة الطقس والمناخ. فإذا كنت شغوفاً بالعلوم، وتطمح لتطبيق معرفتك في مواقف ميدانية واقعية، وتستهويك تقلبات الطقس، فإن دراسة فيزياء الغلاف الجوي تمثل خياراً مهنياً وأكاديمياً مثالياً.

يحرص الدكتور ناروكي على تسليط الضوء على الآفاق المهنية الواسعة التي تتكشف أمام المتخصصين في فيزياء الغلاف الجوي؛ فعملهم لا يقتصر على التنبؤ بالطقس فحسب، بل يمتد إلى القدرة على تعديله. ويُعد استمطار السحب أحد أبرز هذه التطبيقات، حيث يتم حقن الجو بالهباء الجوي اصطناعياً لتحفيز تشكل الغيوم وهطول الأمطار. وتُستخدم هذه التقنية لاستجلاب الأمطار في فترات الجفاف، أو لتخفيف حدة العواصف عبر تفريغ شحنتها المطرية قبل أن تتضخم الغيوم. وسبق للدكتور ناروكي التعاون مع إحدى شركات الاستمطار لدراسة الهطل الثلجي في مناطق التزلج بولاية يوتا، كما انخرط عدد من طلابه السابقين في قطاع تعديل الطقس. ويقول أحد هؤلاء الطلاب إن سنوات دراسته للأنظمة الجوية الفيزيائية انعكست مباشرة على عمله اليومي في تطوير أساليب تعديل الطقس، حيث مكّنته من تحويل المفاهيم النظرية إلى تجارب عملية لدراسة تفاعلات قطرات الماء في الغيوم والضباب تحت ظروف جوية واقعية.

تفتح دراسة علوم الغلاف الجوي أبواباً لفرص عمل متنوعة في القطاعات الصناعية والبث الجوي. وتعمل الباحثة أفا حالياً في مختبر زراعي تجاري، مطبقة المعارف التي اكتسبتها أثناء دراستها، حيث تقول إن البحث العلمي هو الحجر الأساس لتطوير المنهجيات المخبرية واختبار صحتها قبل تحويلها إلى تطبيقات على مستوى صناعي واسع.

وتعاون الدكتور ناروكي مع فريق من المهندسين لتصميم غرفة المحاكاة الجوية (PINE) المستخدمة في تجارب السحب. وأثمر هذا التكامل بين خبرته الفيزيائية والمهارات التنفيذية للمهندسين عن ابتكار جهاز علمي متطور يستعين به حالياً العديد من الفرق البحثية حول العالم.

المصدر

مقالات ذات صلة