القائمة الرئيسية

الذكاء الاصطناعي لن يحلّ محل العاملين في الرعاية الصحية... لكنه قد يساعد في تدريب ملايين آخرين

الذكاء الاصطناعي لن يحلّ محل العاملين في الرعاية الصحية... لكنه قد يساعد في تدريب ملايين آخرين
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحول من مصدر قلق بشأن فقدان الوظائف إلى أداة أساسية لمعالجة النقص العالمي المتزايد في العاملين في الرعاية الصحية، من خلال تسريع التدريب، وخفض تكلفته، وتحسين اكتساب المهارات والتحقق من الكفاءات. كما تستعرض كيف يمكن لدمج التدريب المدعوم بالذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الصحية أن يفتح مسارات مهنية أسرع وأكثر إتاحة، ويساعد المستشفيات والأنظمة الصحية على سد فجوة التوظيف، مع تعزيز جودة الرعاية ودعم النمو الاقتصادي.

  • تتوقع منظمة الصحة العالمية عجزاً بنحو 11 مليون عامل في مجال الرعاية الصحية بحلول عام 2030، ويرجع ذلك جزئياً إلى محدودية القدرة على التدريب.
  • أشارت توقعات مبكرة إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يحل محل بعض الوظائف في قطاع الرعاية الصحية، بما في ذلك اختصاصيو التصوير الشعاعي. لكن بدلاً من ذلك، يستمر الطلب على العاملين في الرعاية الصحية في الارتفاع.
  • يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في إعادة بناء مسار دخول العاملين إلى مهن الرعاية الصحية من خلال تحسين التدريب ومنح المؤهلات والشهادات المهنية.

غالباً ما تُصوِّر النقاشات حول مستقبل العمل صعود الذكاء الاصطناعي باعتباره تهديداً للوظائف. وبالنسبة إلى بعض المهن، أصبح هذا التهديد واقعاً بالفعل. وغالباً ما تسلط التحليلات والتقارير المتعمقة الضوء على حالة عدم اليقين التي تخلقها التقنيات الجديدة، لا سيما بالنسبة إلى الموظفين في بداية مسيرتهم المهنية. لكن الوضع مختلف في قطاع الرعاية الصحية، حيث يحدث العكس.

يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على إحداث تحول جذري في سوق العمل بقطاع الرعاية الصحية، وخلق ملايين الوظائف. وإذا استُخدم بالطريقة الصحيحة، فلدينا فرصة لمعالجة مشكلة ضخمة بحجم تأثيرها على الناتج المحلي الإجمالي، وهي مشكلة تمس ازدهار الناس في مختلف أنحاء العالم.

وبكل المقاييس، يعاني العالم بالفعل من نقص في العاملين في مجال الرعاية الصحية، ويتزايد هذا العجز يوماً بعد يوم. وتقدّر منظمة الصحة العالمية أن العالم سيواجه نقصاً بنحو 11 مليون عامل في مجال الرعاية الصحية بحلول عام 2030. ويأتي ذلك رغم أن العديد من التوقعات المبكرة بشأن الذكاء الاصطناعي والرعاية الصحية افترضت أن بعض الوظائف، مثل اختصاصيي التصوير الشعاعي، لن تعود ضرورية.

ويعود جزء كبير من هذه المشكلة إلى ضعف مسار إعداد الكوادر. وإذا أخذنا الولايات المتحدة نموذجاً للدراسة، نجد أن طرق الدخول إلى المهن الصحية مكلفة للغاية وفرص الوصول إليها محدودة. وبالنسبة إلى الراغبين في دخول المهن الطبية، قد تستغرق الدراسة في كليات المجتمع سنوات وتكلّف آلاف الدولارات.

كما أن برامج الدراسات العليا والتمريض أكثر تكلفة، فضلاً عن أن عدداً كبيراً منها يخرّج طلاباً غير مستعدين للعمل السريري بشكل كامل منذ يومهم الأول. أما في المناطق الريفية بالولايات المتحدة، حيث يكون النقص في العاملين في الرعاية الصحية أكثر حدة، فهناك عدد محدود للغاية من المؤسسات القادرة على توفير التدريب المناسب.

ومن غير المرجح أيضاً أن تغيّر الحلول المطروحة حالياً في السياسات الأمريكية، مثل برنامج "Workforce Pell"، الذي يوسّع تمويل برامج التدريب قصيرة الأجل ويربط فرص التعليم باحتياجات سوق العمل، هذه المعادلة بشكل جذري.

والحقيقة البسيطة هي أن منظومة إعداد القوى العاملة الصحية التي بُنيت لتلبية احتياجات القرن العشرين لم تعد قادرة على مواكبة متطلبات القرن الحادي والعشرين. وهنا تحديداً يمكن للذكاء الاصطناعي أن يغيّر المعادلة.

بنية تحتية للرعاية الصحية تواكب متطلبات اليوم

لطالما كانت سرعة التعليم وتكلفته من أبرز العوائق أمام دخول المهن الصحية، وهما تحديداً المجالان اللذان يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحدث فيهما تغييراً جذرياً.

لنتأمل الطريقة التي يتعلم بها العاملون في الرعاية الصحية مهنتهم، والدور الذي يمكن أن يؤديه الذكاء الاصطناعي في ذلك. إذ يمكن لسيناريو سريري محاكى أن يتحول إلى فرصة تدريب سريعة وقابلة للتكرار، بدلاً من الاعتماد على فترات تدريب سريري محدودة ونادرة. كما أن منح الشهادات بناءً على الكفاءة، الذي أصبح تطويره والتحقق منه أسهل بكثير بفضل الأدوات الجديدة، قد يسهم في إزالة حواجز ظلت قائمة لعقود. ويمكن لنماذج الرؤية الحاسوبية أيضاً أن تتيح للطلاب الحصول على ملاحظات تفصيلية وفورية أثناء تعلم الإجراءات العملية التي تتطلب مهارات يدوية.

وعندما لا نسعى إلى اعتماد هذه البدائل، فإننا نواصل حرمان الطلاب من تجارب تعليمية بالغة الأهمية، خصوصاً في مجالات الرعاية الصحية. ويمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على إعادة ترسيخ هذه الصلة بين التعلم والممارسة، وفي الوقت نفسه المساهمة في حل أزمة متفاقمة في نقص الكوادر.

لكن التكنولوجيا وحدها، بطبيعة الحال، لا تكفي لبناء نظام جديد.

فنحن بحاجة إلى ارتباط أوثق بين أصحاب العمل ومسارات التعليم والتدريب. ومن خلال الجمع بين التدريب المصمم أساساً للاستفادة من الذكاء الاصطناعي ونموذج "المدرسة كخدمة"، الذي ينقل التعليم مباشرة إلى داخل مؤسسات الرعاية الصحية، يمكننا بناء نموذج يتيح لمقدمي الخدمات مواصلة تقديم رعاية عالية الجودة، وتلبية احتياجاتهم من الموظفين، وفي الوقت نفسه إعداد جيل جديد من المواهب للالتحاق بوظائف جيدة وعالية الجودة.

في شركة Stepful، تم استخدام هذا النموذج بالتعاون مع بعض أكبر الأنظمة الصحية في الولايات المتحدة، إلى جانب مؤسسات الرعاية الصحية في قطاع التجزئة ومقدمي الخدمات في المناطق الريفية.

وفي التطبيق العملي، يحوّل هذا النموذج المستشفى أو العيادة إلى مختبر محاكاة لامركزي، حيث يتلقى المتعلمون تدريباً عملياً من دون الحاجة إلى التنقل إلى الحرم الجامعي. وهذا يزيل الحواجز أمام الطلاب ويوسع قاعدة المواهب التي يمكن لأصحاب العمل الاختيار منها. وهنا يتوقف الذكاء الاصطناعي عن كونه مجرد أداة لإصلاح التعليم، ويبدأ في التحول إلى محرك اقتصادي.

ويحصل أصحاب العمل على موظفين مستعدين للعمل العملي خلال أشهر بدلاً من سنوات. وفي المقابل، يحصل المتعلمون على مسار منظم وخالٍ من الديون يبدأ من المرحلة الثانوية ويقود مباشرة إلى وظائف تتيح لهم فرصاً للتطور المهني والوصول إلى أدوار يمكن أن تتجاوز رواتبها 100 ألف دولار سنوياً.

استحوذ قطاع الرعاية الصحية على نحو 63% من إجمالي نمو الوظائف في الولايات المتحدة خلال يناير 2026. ويمثل الإنفاق على الصحة حالياً نحو 18% من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع أن يقترب من 20% بحلول عام 2033. كما تشير تقديرات شركة ماكنزي آند كومباني إلى أن سد النقص في العاملين في المجال الصحي يمكن أن يضيف نحو 1.1 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي.

ويُعد قطاع الرعاية الصحية بالفعل أحد أكثر المحركات موثوقية في خلق الوظائف بالنسبة إلى معظم الاقتصادات. والسؤال هو ما إذا كنا سنتمكن من بناء القوى العاملة بالسرعة الكافية للحفاظ على استمراره، وما إذا كانت الوظائف التي يخلقها ستظل متاحة فعلياً للأشخاص القادرين على تحمّل تكاليف التدريب اللازم لها.

نموذج لمستقبل الرعاية الصحية

يتكرر الاختلال نفسه في الاقتصادات الكبرى. فالسكان المتقدمون في السن يحتاجون إلى مزيد من الرعاية، والأنظمة الصحية غير قادرة على العثور على عدد كافٍ من المرشحين المؤهلين لتقديمها، في حين يجد البالغون الراغبون في دخول المهن الصحية أنفسهم محرومين من الوصول إلى وظائف تتطلب مؤهلات معتمدة بسبب ارتفاع التكلفة وطول مدة التدريب.

وستكون الدول والشركات التي تنجح في دمج التدريب القائم على الذكاء الاصطناعي مباشرة داخل البنية التحتية لأصحاب العمل هي الأكثر قدرة على سد الفجوة بين الوظائف الشاغرة والمرشحين المؤهلين، قبل أن تجعل التحولات الديموغرافية هذه الفجوة مستحيلة المعالجة.

وإذا تم تنفيذ هذا النموذج بالشكل الصحيح، فإنه سيخلق دورة إيجابية متكاملة: أصحاب عمل لديهم مصدر موثوق ومستمر من المرشحين المؤهلين، وقوى عاملة تحصل على أجور تتيح لها مستوى معيشة مناسباً، ونظام رعاية صحية يحافظ على إمكانية الوصول إلى الخدمات وجودتها للمرضى الذين هم في أمسّ الحاجة إليها. أما إذا نُفذ بشكل خاطئ، أو لم يتم التحرك على الإطلاق، فستواصل الفجوة اتساعها، وسيكون المرضى أول من يدفع الثمن.

والطريق إلى الأمام يتمثل في تبنّي هذه التحولات والاستفادة منها. فالتكنولوجيا اللازمة لمحاكاة التدريب السريري، والتحقق من الكفاءات، ودمج التعليم داخل مؤسسات أصحاب العمل موجودة بالفعل ويتم استخدامها اليوم. وما نحتاج إليه هو الإرادة من الأنظمة الصحية وأصحاب العمل وصنّاع السياسات لإعادة بناء مسار إعداد القوى العاملة حول هذه التقنيات، بدلاً من الدفاع عن النظام الذي ورثناه.

الذكاء الاصطناعي لن يحل محل العاملين في الرعاية الصحية. لكن ما سيحدد المرحلة المقبلة من قطاع الرعاية الصحية هو ما إذا كنا سنبني البنية التحتية اللازمة لإعداد عدد كافٍ منهم أخيراً.

المصدر

مقالات ذات صلة