القائمة الرئيسية

الثقة في قلب المرونة السيبرانية: لماذا قد تكون الأزمة القادمة أزمة ثقة لا أزمة أنظمة؟

الثقة في قلب المرونة السيبرانية: لماذا قد تكون الأزمة القادمة أزمة ثقة لا أزمة أنظمة؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف أصبحت الثقة عنصراً محورياً في المرونة السيبرانية، إذ لم تعد المخاطر تقتصر على توقف الأنظمة، بل تشمل أيضاً التلاعب بالبيانات وفقدان القدرة على التحقق من صحة المعلومات والقرارات، خصوصاً مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والاعتماد على المنصات المشتركة. وتوضح أن مواجهة الأزمات المقبلة تتطلب تعزيز آليات التحقق، وتحديد صلاحيات القرار، وبناء قنوات اتصال موثوقة، وتكثيف التعاون والتمارين المشتركة مع الشركاء لضمان استمرار الخدمات الحيوية حتى في أوقات عدم اليقين.

  • قد تكون الأزمة السيبرانية القادمة أزمة ثقة لا أزمة توقف للأنظمة، إذ يمكن للبيانات المخترقة أو المتلاعب بها أن تعطل القرارات الحيوية حتى عندما تظل الأنظمة قيد التشغيل.
  • يجب أن تتطور المرونة السيبرانية لتتجاوز مجرد التعافي إلى التحقق، بحيث تتمكن الشركات من مواصلة العمل بأمان عندما تتعرض الثقة في المنصات المشتركة للاهتزاز.
  • ستكون المرونة الجماعية عاملاً حاسماً، إذ إن التعاون بين المؤسسات وشركائها ضمن منظوماتها المختلفة سيكون ضرورياً للحفاظ على استمرارية الخدمات الحيوية.

تقع المعلومات في صميم عمل كل مؤسسة. وتُدار الأعمال رقمياً لأننا نثق في الأنظمة وفي المعلومات المشتركة التي تقوم عليها، ونفترض أنها دقيقة وتعكس النشاط الفعلي في العالم الحقيقي.

تتدخل الحوادث السيبرانية في هذا التدفق للمعلومات من خلال اختراق البيانات أو التلاعب بها، ما يؤدي إلى تعطيل القرارات التي تعتمد عليها، سواء كان هذا الاضطراب داخلياً أو ناتجاً عن أطراف خارجية تشمل العملاء والموردين والشركاء.

وفي مثل هذه الحالات، لا تقتصر العواقب على فترة توقف الأنظمة أثناء إصلاحها، بل تمتد أيضاً إلى تآكل الثقة التي تقوم عليها العلاقات التجارية والمنظومات الرقمية المشتركة.

الثقة في الاعتماديات المشتركة

لطالما ركزت المرونة السيبرانية بصورة أساسية على توافر الأنظمة، والتعافي، وجهود الاستعادة عند توقفها عن العمل. وتظل هذه القدرات ضرورية، إلا أن الهجمات التي تقوض سلامة المعلومات وأصالتها يمكن أن تكون بالقدر نفسه من الخطورة والاضطراب.

في مثل هذه السيناريوهات، قد تستمر المؤسسات في اتخاذ القرارات بالاعتماد على بيانات غير دقيقة أو تم التلاعب بها أو لم يتم التحقق منها. وفي اقتصاد رقمي مترابط، يمكن أن تتسلسل العواقب عبر شركات وقطاعات بأكملها.

تعتمد الاقتصادات الحديثة والبنية التحتية الحيوية التي تقوم عليها على الثقة في المعلومات الرقمية والمعاملات المبنية عليها. فالمؤسسات تعتمد على منصات البرمجيات لمعالجة المعاملات، وعلى مزودي الخدمات السحابية لتخزين المعلومات، وعلى الموردين لتوفير بيانات تشغيلية دقيقة، وعلى الشبكات الرقمية لتنسيق سلاسل إمداد معقدة. ولا تعمل هذه الأنظمة لمجرد أن التكنولوجيا نفسها تعمل، بل أيضاً لأن المعلومات التي تتدفق عبرها تحظى بالثقة.

وعندما تتزعزع هذه الثقة، تتجاوز العواقب بكثير مجرد انقطاع تقني. فقد يظل النظام يعمل، بينما يعجز المديرون عن تحديد ما إذا كانت المعلومات التي توجه القرارات الحيوية دقيقة أو كاملة أو آمنة بما يكفي لاتخاذ إجراءات بناءً عليها. وفي مثل هذه الحالات، تصبح استعادة الثقة في المعلومات بنفس أهمية استعادة التكنولوجيا ذاتها.

تُظهر الحوادث الأخيرة مدى السرعة التي يمكن أن تنتشر بها المشكلات الناجمة عن أحد الاعتماديات المشتركة. ففي يوليو 2024، أدى تحديث برمجي معيب من شركة CrowdStrike، وهي مورد موثوق، إلى التأثير في 8.5 ملايين جهاز يعمل بنظام Windows حول العالم، ما تسبب في إلغاء رحلات جوية وتعطيل خدمات مصرفية وإرباك خدمات الرعاية الصحية، وسلط الضوء على مخاطر التركّز والاعتماد المنهجي على عدد محدود من المزودين.

ولم يتطلب التعافي معالجة تقنية فحسب. ففي غضون ساعة، بدأ أعضاء مجلس مرونة الأعمال متعدد القطاعات التابع للاتحاد العالمي للمرونة التعاون عبر قناة آمنة، مستفيدين من علاقات الثقة التي بنتها هذه المجموعة على مدى سنوات. وبعد ذلك بوقت قصير، قدم الرئيس التنفيذي لشركة CrowdStrike إحاطة لأكثر من 1,000 مؤسسة في منتدى آخر موثوق، ضمن استجابة اعتمدت على العلاقات المسبقة وخطط العمل المعدّة مسبقاً وقنوات الاتصال الموثوقة، وساهمت في تعزيزها أيضاً.

عندما تعمل الأنظمة لكن لا يمكن الوثوق بالمعلومات

تنشأ أزمة أكثر تعقيداً عندما تستمر الأنظمة في العمل، لكن المعلومات التي تنتقل عبرها لم تعد موثوقة.

ركز تمرين حديث حول المرونة السيبرانية خلال الاجتماع السنوي للأمن السيبراني لعام 2026 التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي على منصة قديمة وراسخة للتعاملات بين الشركات، تتولى توجيه الطلبات الرقمية والشحنات والفواتير عبر منظومة واسعة من الشركاء التجاريين. وخلال التمرين، بدأت هذه المنصة التي لطالما حظيت بثقة كبيرة بالتصرف بطريقة غير موثوقة، ما أثار حالة من عدم اليقين بشأن إمكانية الاستمرار في الوثوق بالمعلومات التي تمر عبرها.

كان على المشاركين تحديد ما إذا كانت بيانات المعاملات لا تزال موثوقة، وما إذا كان ينبغي الالتزام بالتعهدات المقدمة للعملاء، وما نوع الضمانات المطلوبة قبل إعادة الاتصال بالنظام، ومقدار عدم اليقين الذي يمكن تحمله قبل أن يصبح اتخاذ إجراء أمراً ضرورياً.

وتقاطعت هذه القضايا مع مجالات الأمن السيبراني والعمليات والشؤون القانونية وإدارة المخاطر والاتصالات وصنع القرار التنفيذي. وكان على القادة التصرف قبل توفر اليقين الكامل، وإعادة تقييم مستوى الثقة الذي يمكنهم منحه لشريك أو منصة كان يُنظر إليها سابقاً على أنها موثوقة.

الذكاء الاصطناعي يجعل مشكلة الثقة أكثر خطورة

مع تزايد دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات التجارية، فإنه يزيد من تعقيد التحدي السيبراني الذي تواجهه المؤسسات.

فعلى خلاف الانقطاع التقليدي للخدمة، قد تستمر خدمة ذكاء اصطناعي متضررة في الاستجابة، لكنها تقدم توصيات غير متسقة، أو ملخصات مضللة، أو إجراءات غير متوقعة، أو مخرجات تعرضت لتحريف دقيق يصعب اكتشافه. وقد تبدو التطبيقات المحيطة بها وكأنها تعمل بصورة طبيعية، في الوقت الذي تتراجع فيه الثقة في القرارات التي تساعد هذه الأنظمة على اتخاذها.

وتضمن تمرين متعدد القطاعات أجراه مجلس مرونة الأعمال تحت عنوان «الذكاء الاصطناعي المتعطل»، وطُوّر بالتعاون مع Google وAnthropic، محاكاة لحالة تعرضت فيها بوابة لواجهات برمجة تطبيقات الذكاء الاصطناعي لخلل أدى إلى ظهور سلوكيات غير معتادة عبر الأنظمة الداخلية لإحدى المؤسسات ومنصات البرمجيات كخدمة الخارجية التي تستخدمها.

وكان على المشاركين اتخاذ قرار بشأن تقليص استخدام الذكاء الاصطناعي، أو فصل بعض القدرات، أو مواصلة التشغيل بينما لا يزال سبب المشكلة ونطاقها غير واضحين. كما كان عليهم تحديد المخرجات التي لا تزال جديرة بالثقة، والعمليات التي يمكنها الاستمرار بأمان من دون الذكاء الاصطناعي، والجهة المخولة بتقييد قدرات الذكاء الاصطناعي أو تعطيلها، والأدلة اللازمة قبل إعادة الاتصال بالخدمة.

وكشف التمرين عن فجوات كبيرة في مستوى الاستعداد:

3% فقط من المشاركين حددوا الحد الأدنى المقبول لمستويات الخدمة في حالات تدهور أداء الذكاء الاصطناعي أو تعطله.

80% لم يكونوا يعرفون الحد الأدنى من قدرات الذكاء الاصطناعي المطلوبة حتى تُعتبر أدواتهم قابلة للاستخدام مجدداً.

6% فقط كانوا يمتلكون مخططات كاملة لتدفق البيانات توضح كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي ضمن خدمات الأعمال الحيوية.

وتتضح المبادئ الناشئة من هذه التجارب: يجب على المؤسسات التحقق من مخرجات خدمات الذكاء الاصطناعي وتأثيراتها على الأنظمة والعمليات اللاحقة، لا الاكتفاء بإعادة تشغيلها، كما أن التوافر التقني للخدمة لا قيمة له من دون وجود ثقة تشغيلية بها.

من الدفاع الجماعي إلى المرونة الجماعية

يشير تقرير «التوقعات العالمية للأمن السيبراني 2026» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن 65% من المؤسسات الكبرى تعتبر نقاط الضعف المرتبطة بالأطراف الخارجية وسلاسل الإمداد أكبر تحدٍ يواجه قدرتها على تحقيق المرونة السيبرانية.

كما يسلط التقرير الضوء على مخاطر التركّز، إذ يمكن للحوادث التي تؤثر في مزودي الخدمات السحابية الكبرى أو الإنترنت أو الخدمات المشتركة أن تترك آثاراً واسعة النطاق على الأطراف التي تعتمد عليها، بما في ذلك خلق حالة من عدم اليقين بشأن المعلومات المتدفقة عبر تلك الأنظمة. فقد تتم استعادة منصة من الناحية التقنية، من دون أن تستعيد ثقة المستخدمين بها من الناحية التشغيلية.

وتظل ممارسات الدفاع الجماعي، مثل تبادل معلومات التهديدات والثغرات واستراتيجيات التخفيف من المخاطر داخل المجتمعات الموثوقة، أمراً أساسياً. لكن الخطوة التالية تتمثل في بناء المرونة الجماعية، أي تمكين المؤسسات من مواصلة تقديم الخدمات الحيوية معاً عندما يتعطل اعتماد مشترك أو يتدهور أو لا يعود موثوقاً.

ويعتمد ذلك على وجود علاقات تم تأسيسها مسبقاً، وقنوات اتصال آمنة، ومسارات تصعيد متفق عليها، وتوقعات مشتركة مع الموردين الحيويين، بالإضافة إلى تمارين تختبر قدرة المنظومة بأكملها على مواصلة العمل في ظروف تشغيل متدهورة.

وفي الواقع، كانت المؤسسات المصنفة على أنها تتمتع بمرونة عالية أكثر ميلاً بنحو ثلاثة أضعاف إلى إجراء تمارين سيبرانية بالتعاون مع شركائها ضمن منظومة الأعمال مقارنة بالمؤسسات ذات مستويات المرونة غير الكافية، وفقاً لتقرير «التوقعات العالمية للأمن السيبراني 2026».

ست طرق يمكن للمؤسسات من خلالها تعزيز المرونة السيبرانية الآن

تُعد الثقة عنصراً أساسياً في تعافي الأعمال، ولذلك ينبغي على المؤسسات بناء العلاقات وعمليات اتخاذ القرار وآليات التحقق التي ستحتاج إليها قبل وقوع الأزمة:

تعيين مسؤولية تنفيذية: تعيين قائد يتولى مسؤولية تعزيز الثقة والشفافية والمرونة عبر العلاقات الحيوية مع الشركاء.

رسم خريطة للاعتماديات المشتركة: تحديد المنصات الخارجية والخدمات السحابية ونماذج الذكاء الاصطناعي ومزودي البرمجيات كخدمة والشبكات الرقمية، والتخطيط للسيناريوهات التي قد تصبح فيها هذه الخدمات غير موثوقة أو غير جديرة بالثقة.

تحديد صلاحيات اتخاذ القرار مسبقاً: تعيين صناع القرار الأساسيين والبدلاء، ووضع بروتوكولات تنظيمية لفصل خدمة معينة، أو تقييد قدرة من قدرات الذكاء الاصطناعي، أو الموافقة على إعادة الاتصال.

إنشاء قنوات اتصال موثوقة: إنشاء قنوات آمنة ومستقلة عن الأنظمة المعتادة، وبناء علاقات مباشرة مع نظراء لدى الموردين، بهدف مقارنة الملاحظات والتحقق من المعلومات وتنسيق الإجراءات عندما لا يعود من الممكن الوثوق بوسائل الاتصال الاعتيادية أو المنصات المشتركة.

الاستثمار في التحقق، وليس في الاستعادة فقط: تطوير قدرات للتحقق من سلامة البيانات والمعاملات والإجراءات الآلية وأصالتها ومصدرها. كما ينبغي التأكد من أن عملية التعافي تثبت أن الأنظمة والعمليات اللاحقة متاحة وموثوقة في الوقت نفسه، مع توضيح طرق التحقق للشركاء الحيويين.

إجراء التمارين بشكل مشترك: تنفيذ تدريبات ومحاكاة متعددة الأطراف بالتعاون مع الموردين وشركاء المنصات، يتم خلالها اختبار سيناريوهات تدهور الأنظمة، بهدف كشف الثغرات في عملية اتخاذ القرار وتعزيز المرونة.

لطالما تم قياس المرونة السيبرانية وفقاً لمدى سرعة استعادة الأنظمة من الناحية التقنية. إلا أن المرونة في المستقبل ستُقاس بصورة متزايدة بمدى قدرة المؤسسات على التحقق من المعلومات ومواصلة اتخاذ قرارات سليمة عندما يكون اليقين محدوداً.

وكما يتضح مما سبق، ستكون علاقات الثقة والتمارين المشتركة متعددة الأطراف مع شركاء منظومة الأعمال، بهدف معالجة فجوات الثقة بينما لا تزال المخاطر مجرد سيناريوهات افتراضية، من العناصر الأساسية للحد من آثار الأزمات السيبرانية المستقبلية.

المصدر

مقالات ذات صلة