- لا يتجاوز حجم التمويل الخيري المخصص للأمن السيبراني ما بين 100 و200 مليون دولار سنوياً، وهو مبلغ ضئيل للغاية مقارنة بإجمالي التبرعات الخيرية أو الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي.
- لا يصل إلى الاقتصادات الناشئة والبلدان الأقل نمواً سوى جزء محدود من التمويل المخصص للأمن السيبراني.
- يقترح أعضاء مجلس المستقبل العالمي للأمن السيبراني التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي إنشاء «آلية تمويل مستدام للأمن السيبراني» لسد هذه الفجوة التمويلية والمساهمة في جعل الإنترنت أكثر أمناً للجميع.
تخيّل عالماً تستطيع فيه كل شركة صغيرة الاستعانة بخبير متطوع في الأمن السيبراني للدفاع عنها في مواجهة الجرائم الإلكترونية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وفي هذا العالم، تتلقى المنظمات غير الحكومية تنبيهات بشأن أنشطة شبكات الأجهزة المخترقة في الوقت المناسب لمنع هجمات برامج الفدية، كما تخصص منظمات الإغاثة الدولية بشكل روتيني ميزانيات للأمن الرقمي لصالح الجهات المستفيدة منها، سواء بهدف حماية أنظمة إدارة الرعاية الصحية التي تدعم جهود القضاء على الأمراض، أو لضمان إدماج أمن التكنولوجيا التشغيلية في مشاريع البنية التحتية الجديدة لمعالجة مياه الصرف الصحي.
إن المعايير وأطر السياسات والتقنيات اللازمة لتحقيق هذه الرؤية موجودة إلى حد كبير. وما ينقص هو التمويل.
نُقدّر أن الأعمال الخيرية الخاصة والمؤسساتية تخصص مجتمعة ما بين 100 و200 مليون دولار سنوياً للقضايا المرتبطة تحديداً بالأمن السيبراني. وفي الآونة الأخيرة، بدأت برامج المنح الحكومية، ولا سيما في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، في ضخ مئات الملايين من الدولارات سنوياً داخل نطاقاتها الجغرافية، إلا أن جزءاً ضئيلاً من هذا التمويل يُوجَّه إلى الاقتصادات الناشئة والبلدان الأقل نمواً.
وللمقارنة، فإن مبلغ 100 إلى 200 مليون دولار المخصص للعمل الخيري في مجال الأمن السيبراني يكاد لا يُذكر مقارنة بنحو 885 مليار دولار قُدمت للأعمال الخيرية العامة في عام 2023، أو نحو 580 مليار دولار تدفقت إلى استثمارات الشركات في الذكاء الاصطناعي خلال عام 2025.
فنحن نعمل بسرعة على توسيع نطاق محركات الذكاء الاصطناعي، من دون أن نمول بالقدر نفسه «مكابح» الحماية الرقمية. ولو خُصص جزء صغير فقط من هذه الأموال، لكان كافياً لإنشاء آلية تمويل مستدامة وذات أثر ملموس للأمن السيبراني، مكرسة لجعل الإنترنت آمناً ومحمياً للجميع.
وضع الأسس لآلية تمويل مستدام للأمن السيبراني
لن تعمل آلية التمويل المستدام للأمن السيبراني بوصفها صندوقاً واحداً، بل كنظام بيئي منسق يضم مصادر متنوعة للتمويل، تشمل التبرعات الفردية، والمساهمات المؤسسية، والصناديق متعددة الأطراف، وآليات التمويل الجماعي، على أن تعمل جميعها وفق مبادئ ونطاق مشتركين.
ومن هذا المنطلق، ستوفر الآلية قاعدة تمويل مستقرة تسمح بحشد موارد إضافية وسد الفجوة التمويلية التي تعاني منها وظائف أساسية وحيوية على الإنترنت لكنها لا تحظى بالموارد الكافية. وبما أن الآلية لا يمكنها دعم كل خدمة أو نشاط مفيد يتعلق بالسلامة الرقمية، فإننا نقترح تركيزها الاستراتيجي على خمسة معايير رئيسية من أجل تحقيق أكبر قدر ممكن من التأثير:
الأمن السيبراني كأولوية: مع الإقرار بالتداخل بين الأمن السيبراني ومجالات أخرى مثل تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان والمعلومات المضللة، ينبغي اعتبار الآثار الإيجابية على هذه المجالات فوائد إضافية، لا معايير أساسية للحصول على التمويل.
التقاطع مع المعلومات المضللة: لن تمول الآلية مكافحة المعلومات المضللة باعتبارها أولوية مستقلة، لكنها ستدعم الأنشطة التي يتقاطع فيها الأمن السيبراني مع التضليل، مثل عمليات الاحتيال الإلكتروني عبر انتحال الهوية، أو التلاعب بالأسواق، أو العمليات المعلوماتية التي تستخدم بنية تحتية رقمية مخترقة.
المرونة المدنية بدلاً من المجال العسكري والدفاعي: ينبغي أن تركز الأنشطة المدعومة على تعزيز قدرة المجتمعات المدنية على الصمود، وعلى الإجراءات التي تضع الضحايا في صميم الاهتمام، إلى جانب بناء القدرات.
بناء القدرات قبل الامتثال: في المناطق التي لا تزال في مراحلها الأولى من التحول الرقمي، ستعطي الآلية الأولوية لبناء القدرات الأساسية قبل التركيز على الامتثال للأطر الدولية التي تفترض مسبقاً وجود قدرات قد لا تكون متوفرة بعد.
العدالة العالمية والحياد: لا تتوزع مخاطر الأمن السيبراني بالتساوي. فالاقتصادات الناشئة والبلدان الأقل نمواً تواجه مستويات أعلى من التعرض للمخاطر مقارنة بقدرتها على الاستجابة، كما أنها الأقل تمثيلاً في نقاشات الحوكمة العالمية. ولذلك ستسترشد الآلية بالحياد السياسي، والمساهمات المتفاوتة وفق القدرة، والتمثيل الجغرافي المتنوع.
ضمان أن تكون آلية التمويل متمحورة حول المستفيدين
لضمان تحقيق أفضل النتائج الممكنة، يجب أن تلتزم الآلية بثلاثة مبادئ تشغيلية من شأنها تمكين المؤسسات التي تقدم الخدمات الأساسية في الخطوط الأمامية.
أولاً، ينبغي إعطاء الأولوية للبنية التحتية على حساب التخصيص المفرط. يجب أن يركز التمويل على القدرات العامة والبنية التحتية الأساسية بدلاً من حصره في برامج ضيقة ومحددة، بما يمنح المؤسسات مرونة تشغيلية تسمح لها بالتكيف مع التهديدات المتغيرة.
ثانياً، يجب أن تضمن الآلية الاستمرارية والاستدامة على المدى الطويل. ومن أجل تعزيز الاستقرار المؤسسي، ستعطي الأولوية للمخصصات المنتظمة والمتوقعة وطويلة الأجل بدلاً من المنح الكبيرة والمتقلبة والمقدمة لمرة واحدة، مع تبسيط هياكل إعداد التقارير المتفرقة والمعقدة.
أما المبدأ التشغيلي الثالث فهو اعتماد نماذج تمويل مختلطة. وستمنح الآلية الشرعية لهذه النماذج، بما في ذلك السماح للمؤسسات المستفيدة باسترداد جزء من تكاليف خدماتها من المستخدمين القادرين على الدفع، مثل أجهزة إنفاذ القانون، مع تقديم دعم للمستخدمين الذين لا يستطيعون تحمل التكلفة.
الهيكل التمويلي لآلية التمويل المستدام للأمن السيبراني
لا يتدفق رأس المال نحو المشكلات التي لا يمكن تسعيرها. وما دام الأمن السيبراني يُعامل باعتباره تكلفة اختيارية بدلاً من كونه خطراً منهجياً قابلاً للقياس، فسيظل الهيكل التمويلي للأمن السيبراني، بصفته منفعة عامة عالمية، معتمداً على المانحين، ومجزأً، وعرضة لتقلبات الدورات السياسية. ولذلك يجب على آلية التمويل المستدام للأمن السيبراني أن تجعل القيمة الاقتصادية للأمن السيبراني أكثر وضوحاً من خلال خمسة محاور أساسية:
نمذجة الخسائر التي تم تجنبها كمخرج أساسي: يجب على الآلية نشر نماذج دقيقة وموثوقة توضح حجم الخسائر الاقتصادية التي يمكن تجنبها بفضل تعزيز المرونة السيبرانية. ويتطلب ذلك قياس كل من الآثار النظامية لتعطل البنية التحتية غير الرقمية، والخسائر المالية والاجتماعية المباشرة التي تلحق بالضحايا. وهذه العملية ليست مجرد جهد اتصالي أو دعائي، بل هي العمل الأساسي المطلوب لجعل الأمن السيبراني أكثر وضوحاً وفهماً بالنسبة إلى أسواق رأس المال.
عرض العائد المعدل حسب المخاطر لرأس المال ذي الأثر: لجذب المستثمرين المهتمين بالأثر الاجتماعي، والمؤسسات، ومؤسسات تمويل التنمية، يجب أن تتجاوز الآلية خطاب الضرورة الأخلاقية، وأن تقدم أطروحة اقتصادية واضحة تستند إلى منطق العوائد السوقية المعدلة حسب المخاطر.
توحيد محاسبة المرونة السيبرانية: ستعمل الآلية على تعزيز أطر موحدة لقياس المرونة السيبرانية والإبلاغ عنها من منظور اقتصادي، بما يتماشى مع المحاسبة المرجحة بالأثر، لجعل «الصحة الرقمية» أكثر وضوحاً في البيانات والميزانيات المالية.
إعادة تصنيف المرونة المدنية: ينبغي للآلية أن تدعو بشكل فعال إلى إعادة تصنيف الأمن السيبراني من فئة «العسكري/الدفاع» إلى فئة «المرونة المدنية» في أنظمة التصنيف المعتمدة لدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومؤسسات تمويل التنمية، وصناديق التقاعد. فالتصنيف الحالي الخاطئ يمنع بالفعل تدفقات كبيرة من رأس المال من الوصول إلى هذا القطاع.
دمج قياس الأثر منذ البداية: يجب تصميم أطر قياس الأثر ضمن هيكل الآلية منذ تأسيسها، لضمان أن تجمع جميع الجهات المستفيدة من المنح بيانات منتظمة تثبت مساهمتها في تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي.
وتقول فلور هاينز، الرئيسة التنفيذية لشركة Proof of Impact: «يتجه رأس المال نحو المشكلات التي تُظهر حتمية اقتصادية وتأثيراً مادياً واضحاً. وفي مجال الأمن السيبراني، ما القيمة الاقتصادية التي يمكن تحريرها؟ وما المشكلة الاقتصادية التي يعالجها تعزيز المرونة السيبرانية؟ يجب ربط الأثر بالقيمة الاقتصادية».
مبادرة برازيلية مبتكرة لتعزيز المرونة السيبرانية للشركات الصغيرة والمتوسطة
بينما تستكشف الحكومات والمؤسسات المالية آليات تمويل مستدامة جديدة للأمن السيبراني، تبرز البرازيل كمثال على الابتكار في تمويل المرونة السيبرانية للشركات الصغيرة والمتوسطة.
ومن خلال مكتب الأمن المؤسسي لرئاسة الجمهورية، وبالتوافق مع الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني، تتعاون البرازيل مع بنك التنمية للبلدان الأمريكية، والبنك الوطني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومؤسسات أخرى لإنشاء نموذج ائتماني مدعوم يجمع بين التمويل والدعم الفني والتدريب والمساعدة في الامتثال وتقييم مستويات النضج والتعافي بعد الحوادث السيبرانية.
وتعيد هذه المبادرة صياغة مفهوم الأمن السيبراني باعتباره قضية تتعلق بالمرونة الاقتصادية، وليس مجرد تكلفة في مجال تكنولوجيا المعلومات. ومن خلال تحسين قدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة على الوصول إلى موارد سيبرانية بأسعار مناسبة، تسعى البرازيل إلى خفض المخاطر السيبرانية النظامية، وتعزيز سلاسل الإمداد، وتحسين مرونة قطاع يمثل نسبة كبيرة من العمالة والناتج المحلي الإجمالي في البلاد.
ومن خلال مبادرة «القراصنة من أجل الخير»، يوفر البرنامج أيضاً التدريب والمساعدة التقنية المجانية، إلى جانب إتاحة فرص عمل للشباب.
آلية التمويل المستدام للأمن السيبراني ضرورية لحماية البنية التحتية التقنية للاقتصاد العالمي
يربط الإنترنت أكثر من ثلثي سكان العالم، ويمثل البنية الأساسية التي تعتمد عليها تقنيات الذكاء الاصطناعي وغيرها من التقنيات الناشئة. وتؤثر سلامته بشكل عميق في الأمن القومي والازدهار الاقتصادي والصحة والسلامة العامة.
إن إنشاء آلية تمويل مستدامة وفعالة وشفافة للأمن السيبراني يمثل شرطاً أساسياً لحماية البنية التحتية التقنية للاقتصاد العالمي، وحماية المؤسسات والأفراد الذين يفتقرون إلى الموارد الكافية.
لقد حان الوقت لإنشاء آلية مستدامة لتمويل الأمن السيبراني إذا أردنا الاستفادة الكاملة من المكاسب التي توفرها التطورات التكنولوجية، وجعل فضائنا الرقمي العام آمناً ومحميّاً للجميع.
مؤلفو هذه المقالة هم أعضاء في مجلس المستقبل العالمي للأمن السيبراني: آنا ماريا كولارد، نائبة الرئيس الأولى لاستراتيجية المحتوى ومستشارة كبار مسؤولي أمن المعلومات في إفريقيا لدى KnowBe4؛ وآن كليفلاند، المديرة التنفيذية لمركز الأمن السيبراني طويل الأمد في جامعة كاليفورنيا بيركلي؛ وهدى الخزيمي، نائبة مساعد رئيس الجامعة لترجمة البحوث وريادة الأعمال في جامعة نيويورك أبوظبي؛ وجيمي سوندرز، زميل في برنامج أكسفورد مارتن بجامعة أكسفورد؛ ومايكل دانيال، الرئيس والمدير التنفيذي لتحالف التهديدات السيبرانية؛ وسمير سوريكانت باتيل، مدير مركز الأمن والاستراتيجية والتكنولوجيا في مؤسسة أوبزرفر للأبحاث.
