- أدّت التحولات السريعة في بيئة الأعمال إلى تغيير نوع الخبرات المطلوبة داخل مجالس الإدارة، وكذلك الطريقة التي تُوظَّف بها هذه الخبرات.
- تغيّرت تركيبة مجالس الإدارة لتضم مزيدًا من الأعضاء ذوي الخبرة في المناصب التنفيذية العليا، والخبرة الدولية، والتخصصات المرتبطة بالاستدامة والمخاطر الناشئة، وذلك لمواكبة متطلبات العالم الجديد.
- ستعتمد قدرة مجالس الإدارة على النجاح على كيفية توظيف خبراتها مجتمعة والاستفادة من حكمها الجماعي، لكن ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا في بيئة داعمة، تقوم من بين عناصرها الأساسية على الثقة.
شهدت بيئة الأعمال التي يُطلب من مجالس الإدارة الإشراف عليها تحولًا جذريًا، إذ حدثت خلال السنوات الخمس الماضية تغيّرات أكبر مما شهدته خلال العقدين السابقين.
فما كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره ظواهر دورية أصبح اليوم جزءًا من الواقع الأساسي والدائم. ولم تعد التجزئة الجيوسياسية، والتحولات التي يقودها الذكاء الاصطناعي، وتباين الأطر التنظيمية، وتصاعد توقعات أصحاب المصلحة مجرد تحديات مؤقتة يتعين تجاوزها، بل أصبحت سمات هيكلية راسخة في المشهد العام.
وهذا يطرح سؤالًا غير مريح بالنسبة إلى العديد من المؤسسات: هل تمتلك الخبرات المناسبة داخل مجلس إدارتها؟ والأهم من ذلك، هل يمكن توظيف هذه الخبرات بفعالية عندما تكون هناك حاجة حقيقية إليها؟
تزداد أهمية هذا السؤال لأن تكلفة سوء التقدير أصبحت أعلى. ففي الدورات السابقة، كانت مجالس الإدارة تمتلك وقتًا كافيًا لتصحيح المسار، أما اليوم فأصبحت تلك النافذة الزمنية أضيق بكثير. كما أن المخاطر التي تتم إدارتها أصبحت أقل مألوفية، بينما تتسارع وتيرة اتخاذ القرارات وظهور نتائجها، مع فرص أقل لإعادة التقييم والتعديل.
ومع ذلك، تشير البيانات إلى اتساع الفجوة بين مجالس الإدارة التي تعمل بصورة استراتيجية على بناء قدراتها، وتلك التي تكتفي بالاستجابة للأحداث بعد وقوعها، في وقت تساهم فيه حالة التجزئة المتزايدة في تسريع اتساع هذه الفجوة.
بناء القدرات عن قصد لا بصورة تلقائية
توجد أدلة واضحة على أن مجالس الإدارة بدأت تستجيب لهذه التحولات. وتُظهر بيانات التعيينات في 28 سوقًا تحولًا ملحوظًا في تركيبة مجالس الإدارة، مع ارتفاع عدد الأعضاء الذين يمتلكون خبرة في المناصب التنفيذية العليا، وانكشافًا دوليًا أوسع، وخبرات متخصصة في مجالات مثل الاستدامة والمخاطر الناشئة. ويظهر هذا الاتجاه بشكل واسع عبر مختلف القطاعات.
لكن مستوى الاتساق في هذا التحول لا يزال متفاوتًا. فما زالت العديد من مجالس إدارات شركات قائمة فورتشن 500 تعطي الأولوية للمديرين الذين يتمتعون بخبرة سابقة في مجالس الإدارة، وغالبًا ما يُبرَّر ذلك بالحاجة إلى توفير الاستقرار الفوري. ويبدو هذا المنطق مفهومًا، خصوصًا في البيئات التي تكون فيها استمرارية القيادة أمرًا بالغ الأهمية. إلا أن هذا النهج ينطوي أيضًا على مقايضة مهمة، إذ يمكن أن يحد من الاستثمار في القدرات التي ستحتاج إليها مجالس الإدارة على المدى الطويل.
أما مجالس الإدارة التي تحقق أكبر قدر من التقدم فهي تلك التي تتعامل مع مسألة التعاقب القيادي بمزيد من التخطيط والوعي. فبدلًا من النظر إلى التعيينات باعتبارها أحداثًا منفصلة، تربطها هذه المجالس بصورة مباشرة بالاستراتيجية طويلة الأجل. كما أنها تصبح أكثر حرصًا عند اختيار أعضاء مجلس الإدارة غير التنفيذيين الذين يتمتعون بعمق تشغيلي كافٍ وخبرة في قيادة المؤسسات، بما يسمح لهم بتولي منصب الرئيس التنفيذي عند الضرورة.
وهذا الاختلاف ليس بسيطًا، بل يعكس ما إذا كان التعاقب القيادي يُنظر إليه باعتباره مسألة مستقبلية مرتبطة ببناء القدرات، أم تتم إدارته فقط باعتباره جزءًا من دورة توظيف متكررة.
من تشكيل المجلس إلى ترسيخ الثقة في قدراته
على الرغم من التحولات التي طرأت على التعيينات، لا تزال مستويات الثقة متأخرة. وتشير البيانات إلى أن 36% فقط من الرؤساء التنفيذيين وأعضاء مجالس الإدارة يشعرون بالثقة في قدرة مؤسساتهم على التعامل مع التقلبات الجيوسياسية. كما يعتقد 47% فقط أن ممارسات تجديد عضوية مجالسهم تضعها في موقع مناسب للاستعداد للمستقبل.
وتشير هذه الفجوة إلى مشكلة أكثر تعقيدًا من مجرد نقص في الخبرات. ففي كثير من الحالات، تضيف مجالس الإدارة بالفعل الأشخاص الذين يمتلكون الخبرات المناسبة، ومع ذلك تستمر في الشعور بعدم الاستعداد الكافي لإدارة المخاطر التي تواجهها. وبالتالي، لا ترتبط المشكلة بمن يوجد داخل المجلس بقدر ما ترتبط بمدى فعالية تعاون هؤلاء الأشخاص معًا تحت الضغط.
فنادرًا ما تتحول الخبرة، بمفردها، مباشرة إلى قرارات أفضل. وما يهم حقًا هو قدرة مجالس الإدارة على إدخال وجهات نظر متنوعة إلى النقاش بطريقة تؤثر فعليًا في النتائج أثناء عملية اتخاذ القرار.
فلا يمكن لخبير في الشؤون الجيوسياسية التأثير في القرارات إذا لم توفر البيئة المناسبة مساحة للاعتراض والتحدي، أو إذا جاءت وجهة نظره في وقت متأخر جدًا من العملية. وبالمثل، فإن قائدًا متخصصًا في التكنولوجيا لن يضيف سوى قيمة محدودة إذا لم يتم دمج رؤيته ضمن الحكم الأوسع لمجلس الإدارة.
وما يبدأ في التمييز بين مجالس الإدارة في هذه المرحلة ليس مقدار الخبرة المتوافرة لديها، بل الظروف التي تسمح باستخدام هذه الخبرة بفعالية. فالأمان النفسي يتيح لأصحاب الخبرات المتخصصة التعبير عن آرائهم بوضوح، بينما تسمح الثقة بين أعضاء المجلس لهم بتحدي الافتراضات بصورة جادة من دون الإضرار بالتوافق بينهم.
ومع مرور الوقت، تحدد هذه الديناميكيات ما إذا كان الحكم الجماعي لمجلس الإدارة سيصبح أقوى من مجرد مجموع المساهمات الفردية لأعضائه.
الحوكمة كمجلس واحد
تتضح هذه الاختلافات بشكل أكبر عندما يُطلب من مجالس الإدارة التحرك بسرعة. فقد يبدو مجلسان متشابهان إلى حد كبير على الورق، لكن سلوكهما قد يختلف بصورة جوهرية عندما يواجهان حالة من عدم اليقين.
ففي أحدهما، قد يتجزأ النقاش. تُطرح وجهات النظر المختلفة، لكنها لا تُدمج بصورة كاملة، ويستغرق الوصول إلى توافق وقتًا طويلًا. أما في المجلس الآخر، فيعمل الأعضاء بصورة أقرب إلى وحدة متكاملة، حيث يتم الاستفادة من الخبرات ذات الصلة في مرحلة مبكرة، واختبار الافتراضات في الوقت الفعلي، ثم التوصل إلى اتجاه مشترك بوتيرة أسرع.
ويكمن الاختلاف في قدرة أعضاء مجلس الإدارة على العمل معًا، والاستفادة من خبراتهم، والانتقال من الآراء الفردية إلى حكم جماعي عندما يكون ذلك أكثر أهمية. وهنا يصبح التوازن بين التحدي والثقة عنصرًا حاسمًا. كما تنعكس المبادئ نفسها على العلاقة بين مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية، في إطار من التوتر البنّاء والإيجابي.
فالتحدي هو الوسيلة التي يمارس بها مجلس الإدارة دوره الرقابي، بينما تمثل الثقة الأساس الذي يجعل الشراكة ممكنة. وإذا وُجدت الرقابة من دون شراكة، فقد تتحول العلاقة إلى مواجهة وتصبح عملية اتخاذ القرار بطيئة. وإذا وُجدت الشراكة من دون رقابة، فقد يؤدي ذلك إلى التفكير الجماعي، خصوصًا عندما تكون المخاطر في أعلى مستوياتها. وفي بيئة تتسم بالتجزئة، تصبح القدرة على تحقيق هذا التوازن إحدى القدرات الأساسية التي تميز مجالس الإدارة الفعالة.
ومع ذلك، لا يمكن لأي من هذه العوامل أن ينجح من دون توافر الخبرات المناسبة داخل مجلس الإدارة. فالتركيبة وحدها لا تفسر لماذا تستطيع بعض المجالس الحفاظ على التوازن بين الرقابة والشراكة تحت الضغط، في حين تتفكك مجالس أخرى أمام حالة التجزئة وعدم اليقين.
ويكمن الاختلاف الحقيقي في الطريقة التي توظف بها مجالس الإدارة خبراتها. فالمجالس الأكثر نجاحًا في التعامل مع بيئة متزايدة التجزئة هي التي تدرك بوضوح أن امتلاك الخبرة أمر مهم، لكن القدرة على استخدامها بصورة جماعية وفعالة هي العامل الحاسم.
