- قوبلت الموجة الأولى من الرسوم الجمركية الأمريكية العام الماضي بتحذيرات من تأثيرها المعتاد في ارتفاع معدلات التضخم.
- وبعد انتكاسة قانونية، أُعيد إحياء هذه الإجراءات الحمائية.
- فماذا تخبرنا التجارب والأبحاث الحديثة عن تأثيرها في تكلفة كل شيء، من الأرائك إلى فراشي الأسنان؟
عندما تنفد أفكار هوليوود الجديدة، تلجأ إلى إنتاج جزء جديد من عمل سابق.
فتضيف طبقة جديدة إلى قصة مألوفة بهدف إعادة جذب الجمهور، كما حدث في فيلم «وحدي في المنزل 2» أو «العراب: الجزء الثالث». ويبدو أن الرسوم الجمركية الأمريكية لها أجزاء جديدة أيضًا. يحمل الجزء الأخير عنوانًا مختلفًا، لكنه يستند إلى الفكرة نفسها، وقد يكون تأثيره في تكلفة المعيشة مشابهًا كذلك.
فما الذي نعرفه حتى الآن عن هذا التأثير؟
اجتاحت الموجة الأولى من الرسوم الجمركية الاقتصاد العالمي قبل أكثر من عام. فُرضت رسوم بنسبة 39% على الذهب القادم من سويسرا، وأخرى بنسبة 50% على سراويل الجينز المستوردة من ليسوتو. وفي نهاية المطاف، جرى الحد من معظم هذه الرسوم بموجب حكم قضائي، لكنها ظلت مطبقة لفترة كافية لتترك أثرًا واضحًا يمكن قياسه.
والآن أُعيد تطبيقها في صورة مختلفة قليلًا، إلا أن الرسوم الجمركية تظل رسومًا جمركية في نهاية المطاف: ضريبة تستهدف الشركات التي تستورد السلع من الخارج، بهدف تشجيعها على تأمين احتياجاتها من مصادر بديلة أقرب إلى السوق المحلية، وإن كانت ربما أكثر تكلفة. وأي تكاليف إضافية تنقلها هذه الشركات إلينا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، قد تؤدي إلى زيادة حدة التضخم.
وقد ربط خبراء الإحصاء والاقتصاد الذين درسوا الدفعة الأولى من الرسوم الجمركية الأمريكية بينها وبين ارتفاع بطيء لكنه متواصل في الأسعار. تأثير يشبه أفعى البوا التي تضغط على فريستها تدريجيًا، أكثر مما يشبه أفعى الجرس التي تهاجم بسرعة. وأي تداعيات مماثلة تنتج عن الرسوم الجديدة ستتزامن هذه المرة مع عاملين حديثين نسبيًا أُضيفا إلى مسببات التضخم: صدمة في الإمدادات مرتبطة بالحرب في إيران، ومساهمة محدودة لكنها ملحوظة ناتجة عن الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي.
ولا يبدو أن المواطن العادي يحتاج إلى أبحاث أكاديمية خضعت لمراجعة الأقران حتى يدرك ما يمكن أن تعنيه الرسوم الجمركية وحدها بالنسبة إلى نفقات الأسر. فقد أظهر مسح مؤثر تجريه جامعة ميشيغان حول توقعات التضخم خلال العام التالي أن النسبة بلغت 6.6% في مايو من العام الماضي، بعد فترة وجيزة من الإعلان عن رسوم «يوم التحرير» الواسعة النطاق. وكانت هذه أعلى نسبة تُسجل منذ أن كانت الولايات المتحدة تتعافى من حالة الركود التضخمي التي شهدتها خلال سبعينيات القرن الماضي. وقد استُحضر اسم الرئيس الأمريكي هربرت هوفر باعتباره نذيرًا رئاسيًا لما قد يحدث، لكن المقارنة مع جيمي كارتر قد تكون أكثر ملاءمة.
ومن بين المشاركين في أحدث استطلاعات جامعة ميشيغان، ذكر واحد من كل أربعة كلمة «الرسوم الجمركية» من تلقاء نفسه، من دون أن يُطلب منه ذلك. وأظهر الاستطلاع نفسه أن توقعات التضخم خلال العام المقبل تراجعت إلى 4.6%. وهي نتيجة أفضل، لكنها لا تزال «مرتفعة».
وبالطبع، تعكس هذه النتائج مشاعر الناس وتقديراتهم المدروسة. أما محاولات قياس التأثير الفعلي بالأرقام، فهي مسألة مختلفة قليلًا.
فقد توصلت دراسة أجراها باحثون في مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى أن أسعار السلع التي يحب الأمريكيون شراءها والمصنّعة في الصين، مثل أثاث المنازل وفراشي الأسنان الكهربائية، ارتفعت تدريجيًا بنسبة 8.5% بحلول نهاية عام 2025 مقارنة بالعام السابق. ويشير ذلك إلى أن الشركات الأمريكية التي تبيع هذه المنتجات حمّلت المستهلكين ما يقارب ثلث التكاليف المرتبطة بالرسوم الجمركية.
وكتب الباحثون: «لا تظهر الرسوم الجمركية في صورة قفزة سعرية تحدث مرة واحدة، بل في شكل نمط من التعديلات التدريجية والبطيئة».
ووصف بحث آخر أجراه اقتصاديون في مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي هذه الديناميكية بأنها «بطيئة الاشتعال». وأشار إلى أن زيادة الرسوم الجمركية بنسبة 10%، وهي نسبة قريبة من متوسط الرسوم الجمركية الأمريكية المقدّر حاليًا، تبدأ عادة في رفع التضخم بعد عام، ثم يستمر تأثيرها التصاعدي لمدة عامين آخرين تقريبًا.
وركزت محاولة لاحقة لقياس تأثير موجة الرسوم الجمركية التي فُرضت العام الماضي على الجانب النفسي، ووجدت أن ارتفاع سعر منتج ما بنسبة 2% دفع الأمريكيين إلى خفض إنفاقهم عليه بنسبة 4%. وكان ذلك يعني في العادة اختيار بدائل أرخص، وهو خيار لا يتوفر دائمًا للأسر منخفضة الدخل التي تحملت العبء الأكبر من ارتفاع التكاليف.
وقد يكون تأثير التضخم المرتبط بالرسوم الجمركية أشد وطأة داخل الولايات المتحدة، لكن تداعياته يمكن أن تمتد إلى مناطق بعيدة حول العالم.
فقد حاولت شركات ذات نشاط عالمي تبيع منتجات مثل الصنادل والمجوهرات تعويض التكاليف المرتبطة بالرسوم الجمركية في الولايات المتحدة من خلال رفع الأسعار في دول أخرى. وقد نجحت هذه الاستراتيجية مع بعض الشركات أكثر من غيرها.
مجرد تمرير للتكاليف
هناك أمر واحد موثوق على الأقل بشأن الأجزاء الجديدة من الأفلام: إنها تميل إلى تحقيق الأرباح.
جمعت الحكومة الأمريكية إيرادات تقديرية بلغت 189 مليار دولار من الرسوم الجمركية خلال الفترة الممتدة من أكتوبر من العام الماضي إلى مايو الماضي، أي أكثر من 500 ضعف إجمالي إيرادات فيلم «وحدي في المنزل 2» في شباك التذاكر العالمي. لكن حكمًا أصدرته المحكمة العليا الأمريكية في فبراير وجد خللًا في المبررات التي استُخدمت لفرض عدد كبير من هذه الإجراءات. وألزم الحكم الحكومة بإعادة جزء كبير من الأموال التي حصلت عليها، وكان من المقرر رد أكثر من 100 مليار دولار حتى الشهر الماضي.
وتشير توقعات حديثة إلى أن الحزمة الجديدة من الرسوم الجمركية قد تدرّ ما يقارب تريليون دولار من الإيرادات الحكومية الإضافية خلال العقد المقبل، رغم أنه لا يُتوقع أن تُحدث هذه الإجراءات تأثيرًا كبيرًا في الدين العام الضخم للبلاد.
ومع ذلك، ستحظى الرسوم الجمركية بالإشادة لأسباب أخرى.
فقد أشاد أحد كبار المسؤولين التنفيذيين في قطاع الصلب الأمريكي، خلال إعلانه مؤخرًا عن نتائج فصلية إيجابية لشركته، بالرسوم الجمركية لأنها أوقفت «تدفق الصلب المتداول بطرق غير عادلة إلى السوق الأمريكية».
ومع ذلك، ستظل مشكلة التضخم المرتبط بهذه الرسوم مصدر قلق دائم: فما حجمه؟ ومن يتحمل الجزء الأكبر منه؟ ولماذا يُعد ذلك مهمًا؟
في عام 2024، حدث أمر غريب. فقد خسرت الأحزاب السياسية الحاكمة في أنحاء العالم الانتخابات بأعداد كبيرة، رغم أن وجودها في السلطة يُعد عادة ميزة انتخابية مهمة. وكان أبرز ما أثار استياء كثير من الناخبين مرتبطًا بارتفاع تكلفة المعيشة. ولم تكن لديهم بالضرورة أفكار واضحة حول كيفية تغيير الأوضاع، لكنهم كانوا يريدون التغيير فحسب.
ولهذا السبب يُعد التضخم مهمًا، أو على الأقل يشكل هذا جزءًا كبيرًا من أهميته. فالمفاجآت الانتخابية يمكن أن تدفع الشؤون العالمية إلى مسارات جديدة ومقلقة.
لكن عام 2024 لم يكن غريبًا إلى هذا الحد من منظور تاريخي. فقد خلصت دراسة نُشرت مع اقتراب العام من نهايته إلى أن ارتفاعًا مفاجئًا في التضخم بمقدار 10 نقاط مئوية ارتبط، في عشرات الدول وعلى مدى عقود طويلة، بزيادة نسبتها 15% في حصة الأصوات التي تحصل عليها «الأحزاب المتطرفة والمناهضة للنظام والشعبوية».
ومن غير المرجح أن تفاجئ الرسوم الجمركية أحدًا بتأثيرها التضخمي، لكن الأمور قد تتخذ رغم ذلك منحى دراماتيكيًا.
حاولت الشركات عمومًا امتصاص تكاليف الرسوم الجمركية من دون تمرير نسبة كبيرة منها إلى المستهلكين. لكن مختبر الميزانية في جامعة ييل لا يرى أن هذا الوضع قابل للاستمرار. فهو يفترض أن المسألة ليست سوى مسألة وقت قبل أن تبدأ الشركات في تمرير معظم هذه الأعباء الإضافية، لأنها لن تقبل بتقلص هوامش أرباحها إلى الأبد.
وفي الوقت نفسه، يجد المسؤولون عن إبقاء التضخم تحت السيطرة أنفسهم في موقف يزداد صعوبة. فالضغوط السياسية المطالبة بخفض أسعار الفائدة وضخ مزيد من الأموال في الاقتصادات حقيقية. وكذلك الحال بالنسبة إلى النهج التقليدي المتمثل في رفع أسعار الفائدة عندما تبدو توقعات التضخم مقلقة.
وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على أسعار الفائدة الأمريكية دون تغيير رغم استمرار التضخم. لكن رؤساء البنوك التابعة للاحتياطي الفيدرالي المؤيدين لرفع الفائدة جمعوا عددًا من الأصوات المعارضة يفوق ما سُجل في أي قرار متعلق بأسعار الفائدة خلال عقد كامل.
إن السيطرة على التضخم تعني أن تتوصل أطراف مختلفة، لكل منها مصالحها الخاصة، إلى اتفاق بشأن أفضل طريقة لإبقاء الأفعى داخل قفصها، سواء كانت أفعى بوا عاصرة أو أفعى جرسية. أما محافظو البنوك المركزية المثاليون، فيفترض أن يكونوا وسطاء محايدين لا ينحازون إلى أي طرف.
وقد يكون تسهيل مهمتهم، والعمل بشكل استباقي على تجنب المخاطر الناجمة عن تأجيج التضخم، من الأولويات الجديرة بالاهتمام.
