- لا يكمن الوعد الحقيقي للذكاء الاصطناعي المادي في قدرة الروبوتات على التحرك مثل البشر، بل في قدرتها على مساعدة الناس على عيش حياة أكثر استقلالية وثراءً بالمعنى.
- ساعدت الروبوتات المساندة، مثل روبوت «سترتش»، أشخاصاً من أمثال هنري إيفانز على تعزيز علاقاتهم الإنسانية في العالم الحقيقي بطرق لم تكن ممكنة من قبل.
- وقد لا تكون الروبوتات التي ستنجح في نهاية المطاف هي الأكثر إثارة أو استعراضاً، بل تلك التي يرحب بها الناس بهدوء في تفاصيل حياتهم اليومية.
عندما منحت حفيدة هنري إيفانز الصغيرة روبوته لقباً، لم تسمّه «الروبوت»، بل أطلقت عليه اسم «بابا ويلي».
بعد إصابة هنري بسكتة دماغية حادة تركته مصاباً بشلل عميق، أصبحت تفاعلاته اليومية مع أفراد أسرته صعبة. لكن إدخال روبوت «سترتش» المساعد إلى حياته منحه شيئاً أكثر قيمة بكثير من مجرد القدرة على التقاط الأشياء أو التحكم في البيئة المحيطة به؛ فقد أتاح له طرقاً جديدة للتفاعل مع الأشخاص الذين يحبهم.
من خلال «سترتش»، أصبح بإمكانه اللعب مع حفيدته، ومشاركتها التجارب، والمشاركة بصورة أكبر في الحياة الأسرية. وبالنسبة إليها، لم تكن الآلة مجرد تقنية، بل كانت ببساطة وسيلة أخرى لقضاء الوقت مع جدها.
توضح هذه القصة أمراً كثيراً ما تغفل عنه صناعة الروبوتات. فالوعد الحقيقي للذكاء الاصطناعي المادي لا يتمثل في أن تتحرك الروبوتات مثل البشر، بل في أن تساعد البشر على عيش حياة أكثر ترابطاً واستقلالية وثراءً بالمعنى.
تستحوذ مقاطع الفيديو التي تعرض الروبوتات وهي تركض أو ترقص أو تؤدي حركات بهلوانية متقدمة على اهتمام وسائل الإعلام، لكن من غير المرجح أن ترى أشخاصاً في تلك المقاطع. وغالباً ما تكشف مقاطع الروبوتات الخالية من البشر عن روبوتات صُممت من دون وضع الإنسان في صميم الاهتمام.
حوّلت عائلة إيفانز منزلها إلى ساحة اختبار للروبوتات المساندة، وأثبتت أن مستقبلاً أفضل أمر ممكن. وعلى عكس العديد من التقنيات الرقمية التي تعزلنا عن بعضنا بعضاً، تمتلك الروبوتات القدرة على تعزيز العلاقات الإنسانية في العالم الحقيقي وزيادة مشاركة الأفراد في تفاصيل الحياة اليومية.
أصبح مجتمع الروبوتات بارعاً بشكل استثنائي في قياس الأداء وفق المعايير التقنية، وإنتاج المقاطع الاستعراضية، ومقارنة مواصفات الأجهزة. فلماذا لا يكون الهدف هو تعزيز الاستقلالية والكرامة والصحة؟
السؤال الحقيقي ليس: ما الذي تستطيع الروبوتات فعله؟ بل: من الذي تساعده؟
لماذا تكتسب الروبوتات المساندة أهمية كبيرة؟
لا يوجد نقص في الإحصاءات التي توضح الارتفاع السريع في أعداد كبار السن، في وقت لا تزال فيه خدمات الرعاية عاجزة إلى حد كبير عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، وهي ظاهرة تُعرف باسم «التسونامي الفضي».
يعيش نحو 1.3 مليار شخص حول العالم مع شكل من أشكال الإعاقة الكبيرة، أي ما يعادل شخصاً واحداً من كل ستة أشخاص عالمياً، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية. وفي الوقت نفسه، تؤدي شيخوخة السكان إلى زيادة غير مسبوقة في الطلب على خدمات الرعاية وإعادة التأهيل والمساعدة.
يمثل هؤلاء الأشخاص نقطة انطلاق مثالية للذكاء الاصطناعي المادي، ليس لأن احتياجاتهم بسيطة، بل لأنها ملحّة وواضحة المعالم وعميقة الأهمية.
وعلى الرغم من المفاهيم الخاطئة أو الافتراضات القائمة على التمييز العمري بشأن تبنّي التكنولوجيا في المراحل المتقدمة من العمر، فإن الأشخاص الذين يسعون إلى استعادة استقلاليتهم أو مواصلة العيش في منازلهم مع التقدم في السن يمتلكون دافعاً قوياً لتبنّي التقنيات الجديدة. كما أنهم يقدّمون تحديداً النوع من الملاحظات الواقعية التي تحتاج إليها شركات الروبوتات. وتوفر الروبوتات المساندة مساراً تدريجياً لدخول المنازل، حيث يمكن أن يتعايش الإشراف البشري والمساعدة عن بُعد والجدوى الاقتصادية العملية.
بناء روبوتات يثق بها الناس
من أبرز الدروس المستخلصة من عقود من أبحاث الروبوتات المساندة أنه لا ينبغي أبداً التعامل مع المستخدمين باعتبارهم مجرد متلقّين للتكنولوجيا، بل يجب إشراكهم بوصفهم شركاء في تصميمها.
وقد ساهم هنري إيفانز نفسه في تطوير جوانب مهمة من روبوت «سترتش» من خلال سنوات من الملاحظات المباشرة. ومن الأمثلة على ذلك اعتماد قاعدة قادرة على الحركة في جميع الاتجاهات، ما أتاح للروبوت التنقل بطريقة أكثر ملاءمة لواقع الحركة داخل المنزل من على كرسي متحرك.
تعكس هذه الفلسفة مفهوم التصميم التشاركي، الذي يقوم على أن الأشخاص الذين يعيشون تحدياً معيناً هم غالباً الأقدر على تحديد الحل المناسب له.
وعلى الرغم من كل الاهتمام الذي تحظى به الروبوتات الشبيهة بالبشر في الوقت الراهن، فإن هذه الفلسفة تشير أيضاً إلى أن مستقبل الروبوتات قد لا يكون حكراً عليها وحدها.
فقد يقدم روبوت قادر على تنفيذ معظم الأنشطة المنزلية المفيدة بأمان وموثوقية، مع بقائه ميسور التكلفة وجديراً بالثقة وسهل الاستخدام، قيمة عملية أكبر من روبوت بشري الهيئة أكثر تعقيداً بكثير يحاول محاكاة كل جانب من جوانب الحركة البشرية.
وقد تكون الروبوتات التي تنجح في نهاية المطاف هي تلك التي يرحب بها الناس بهدوء في حياتهم اليومية.
السلامة لا يمكن أن تكون فكرة لاحقة
وفقاً لاستطلاع أجرته منظمة «AARP»، يرغب 75% من البالغين الذين تبلغ أعمارهم 50 عاماً فأكثر في مواصلة العيش في منازلهم مع التقدم في السن، غير أن المنازل تختلف بطبيعتها اختلافاً كبيراً من مكان إلى آخر.
فعلى عكس المصانع أو المستودعات، تُعد المنازل بيئات غير قابلة للتنبؤ، إذ تضم الأطفال والحيوانات الأليفة والزوار والفوضى والتغيرات المستمرة. وقد تبدو قطة صغيرة تتحرك تحت الأقدام لطيفة بالنسبة إلى الإنسان، لكنها تشكل خطراً على الروبوت.
وهذا يجعل السلامة أكثر بكثير من مجرد متطلب هندسي، إذ تصبح الأساس الذي تُبنى عليه ثقة الجمهور.
تحتاج الروبوتات المصممة للعمل عن قرب مع البشر إلى أنظمة حركة آمنة بطبيعتها، وأجهزة استشعار متطورة، وقدرات موثوقة على إدراك البيئة، وواجهات استخدام بديهية، وسلوك يمكن التنبؤ به. فكل تفاعل إما أن يعزز الثقة أو ينتقص منها.
كما ينبغي للصناعة أن تعترف بحقيقة غير مريحة، وهي أن حادث سلامة واحداً يحظى باهتمام إعلامي واسع ويتعلق بروبوت منزلي قد يبطئ تبنّي الجمهور لهذه التقنيات لسنوات. ولذلك، فإن دمج السلامة في هذه الأنظمة منذ البداية يُعد التزاماً أخلاقياً وضرورة استراتيجية في آن واحد.
لم تصبح أحزمة الأمان إلزامية في سيارات الركاب الجديدة المباعة في الولايات المتحدة إلا بعد مرور 60 عاماً على طرح سيارة «موديل تي». ولا يمكن لصناعة الروبوتات أن تنتظر كل هذا الوقت لمعالجة مسألة السلامة.
يمتلئ تاريخ الروبوتات برؤى طموحة ظهرت قبل أن تصبح التكنولوجيا أو السوق مستعدة لها.
لن ينجح الذكاء الاصطناعي المادي في نهاية المطاف من خلال العروض الاستعراضية المتزايدة إثارةً وحدها، بل عبر النشر التدريجي والمستمر، والتعلم المتواصل، والتعاون الوثيق مع المستخدمين.
يتحقق التقدم الحقيقي من خلال طرح المنتجات في السوق، ومراقبة كيفية استخدام الناس لها فعلياً، وتحسين تصميماتها، ثم تكرار هذه العملية على مدى سنوات.
قد لا يكون هذا النهج التدريجي جذاباً بقدر أحدث مقاطع الفيديو واسعة الانتشار للروبوتات، لكنه الطريقة التي تتحول بها التقنيات الثورية إلى بنية أساسية موثوقة.
مستقبل الروبوتات يتمحور حول الإنسان
هنري ليس وحده. فمع اتساع الفجوة بين الطلب على الرعاية وتوافر مقدميها، تنتقل الرعاية بوتيرة متسارعة إلى داخل المنازل، ما يخلق أزمة وفرصة في الوقت نفسه لتطوير أشكال جديدة من الدعم.
يعتمد برايان ماركيز على روبوت «سترتش» لمساعدته في أداء الأنشطة اليومية. وقد حددت زوجته بريندا 27 مهمة مختلفة يساعد الروبوت برايان على إنجازها، ما يقلل الوقت المطلوب منها لرعايته بنحو تسع ساعات يومياً. ولا تمثل هذه الساعات مجرد زيادة في الكفاءة، بل تعني مزيداً من الوقت الذي يقضيانه معاً، وتخفيف العبء الواقع على مقدم الرعاية، وتعزيز الاستقلالية.
تذكّرنا هذه القصص بأن مستقبل الروبوتات لا ينبغي أن يُقاس فقط بالآلات التي تشبهنا أو تؤدي حركات راقصة مصممة مسبقاً.
سيتمثل أعظم إنجاز للروبوتات في تطوير آلات تساعد البشر على تعزيز تواصلهم مع عائلاتهم، والمشاركة بصورة أوسع في مجتمعاتهم، ومواصلة ممارسة حياتهم بنشاط في الأماكن التي يعتبرونها منازلهم. وقد لا تكون الروبوتات التي تنجح في نهاية المطاف هي الأكثر إثارة، أو الأكثر جذباً للمشاهدات، بل قد تكون تلك التي يرحب بها الناس بهدوء في حياتهم اليومية.
لن يُقاس نجاح الذكاء الاصطناعي المادي بما تستطيع الروبوتات فعله، بل بما يستطيع البشر فعله بفضلها.
