- أدت الاضطرابات في مضيق هرمز إلى تداعيات واسعة على قطاعات الصناعة والتجارة في مختلف أنحاء العالم.
- كما دفعت هذه التطورات إلى إعادة التفكير في سبل تأمين الاحتياجات الحيوية من الطاقة، ولا سيما في الدول الآسيوية.
- ويستعرض وزير الطاقة التايلاندي ما تعنيه صدمة الطاقة لبلاده وللمنطقة الأوسع.
استُخدمت عبارات عديدة لوصف الأحداث الجارية في مضيق هرمز، من بينها «الخنق» و«بؤرة التوتر» و«برميل البارود». غير أن كلمة أخرى قد تكون أكثر ملاءمة بالنسبة إلى اقتصادات آسيا وجنوب شرق آسيا، من مومباي إلى مانيلا، وهي: تهديد وجودي.
ترسم الأرقام صورة قاتمة. إذ يمر عبر المضيق يومياً نحو 20 مليون برميل من النفط، تتجه الغالبية العظمى منها شرقاً. ولا يقتصر الأمر على النفط، فحوالي 83% من الغاز الطبيعي المسال الذي يعبر هذه الفجوة الجغرافية، التي يبلغ عرضها 21 ميلاً، يتجه إلى الأسواق الآسيوية. وعندما تضيق حركة المرور في المضيق، تكون آسيا أول من يشعر بالتداعيات وأكثر من يتأثر بها بصورة مباشرة. فقد أُنشئ نظام الطاقة في المنطقة بأكملها على مدى عقود من الاستقرار النسبي، ولم يكن مصمماً للتعامل مع اضطراب بهذا الحجم.
وعلى المدى القصير، كانت آثار هذا الاضطراب سريعة وشديدة. فقد أدت انقطاعات الكهرباء في بنغلاديش إلى توقف شبه كامل لمصانع الملابس، التي تمثل 84% من عائدات الصادرات. وفي الفلبين، انتقلت الجهات الحكومية إلى نظام العمل أربعة أيام أسبوعياً بعدما ارتفعت أسعار البنزين بأكثر من 75%.
وفي تايلاند، أوقف أحد أكبر مصانع البتروكيماويات في البلاد عملياته بالكامل، بسبب عدم قدرته على الحصول بصورة موثوقة على المواد الخام التي يحتاج إليها عبر المضيق. وهذه هي التداعيات الملموسة لبنية طاقة تقوم على نقطة فشل واحدة.
ولفهم كيفية تعامل تايلاند والمنطقة المحيطة بها مع صدمة الطاقة بصورة أفضل، تحدثتُ مع معالي أكانات برومفان، وزير الطاقة في مملكة تايلاند. وفي ما يلي ما قاله.
كيف تتعامل تايلاند مع أزمة مضيق هرمز؟
قال الوزير برومفان: «لم يعد أمن الطاقة تحدياً منفصلاً يمكن لكل دولة التعامل معه بصورة مستقلة. وتلتزم تايلاند بتعزيز مرونة الإمدادات وتسريع إيصال الطاقة داخل البلاد وفي مختلف الدول الأعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا».
واللافت هنا هو التوجه الإقليمي الذي تتبناه تايلاند. فهي لا تنكفئ على نفسها، بل تنظر إلى جيرانها باعتبارهم جزءاً من الحل. وبالنسبة إلى تكتل واجه تاريخياً صعوبة في توحيد مواقفه بشأن سياسات الطاقة، فإن هذا التحول في النهج يحمل أهمية كبيرة.
ويصبح الأمر أكثر إثارة للاهتمام عند النظر إلى وضع تايلاند في مجال الطاقة، الذي يُعد من أكثر الأوضاع تميزاً في المنطقة. إذ تستهدف مسودة خطة تطوير الطاقة في البلاد أن توفر مصادر الطاقة المتجددة أكثر من 50% من الكهرباء بحلول عام 2037، بينما تطمح بانكوك على المدى القريب إلى أن تصبح مركزاً إقليمياً لتجارة الغاز الطبيعي المسال.
ما الذي يقف وراء الاستراتيجية ذات المسارين التي تجمع بين الطاقة المتجددة والغاز الطبيعي المسال للتحوط من المخاطر؟
أوضح الوزير قائلاً: «لا تنظر تايلاند إلى الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال باعتبارهما مجرد وقودين انتقاليين، بل بوصفهما ركيزتين استراتيجيتين لأمن الطاقة على المدى الطويل، وللقدرة التنافسية الصناعية، والاستقرار الإقليمي.
«ومع استمرار التنمية الاقتصادية في تغيير ملامح منطقة رابطة دول جنوب شرق آسيا، أصبح تأمين إمدادات موثوقة من الغاز الطبيعي المسال وتعزيز البنية التحتية الإقليمية أمرين ضروريين لدعم النمو الذي يعتمد عليه مليارات الأشخاص».
وفي منطقة يستمر فيها الطلب على الطاقة في التسارع، لا ينصب التركيز على اختيار مسار واحد بدلاً من الآخر، بل على تبني نهج عملي يوازن بين النمو الاقتصادي وأمن الطاقة وإزالة الكربون، مع ضمان المرونة والقدرة على الصمود والاستقرار على المدى الطويل.
كيف يؤثر الذكاء الاصطناعي في أنظمة الطاقة في تايلاند؟
بالنسبة إلى تايلاند، أصبح استقرار نظام الطاقة وموثوقيته أكثر أهمية من أي وقت مضى، في ظل استمرار البلاد في أداء دور رائد في توسع الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية في آسيا.
ومع تنافس الدول على جذب الاستثمارات في مراكز البيانات وقدرات الحوسبة المتقدمة، أصبحت متطلبات الطاقة اللازمة لدعم هذا النمو اعتباراً متزايد الأهمية في رسم السياسات.
ويرى الوزير أن هذا الواقع أوجد فرصة ومسؤولية في آن واحد، إذ قال: «يغير نمو الذكاء الاصطناعي الطريقة التي تفكر بها الدول في أنظمة الطاقة والبنية التحتية والقدرة التنافسية على المدى الطويل. ومع الموافقة هذا العام على استثمارات جديدة في البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات تقدر بنحو 25 مليار دولار، تعمل تايلاند على ترسيخ موقعها عند نقطة التقاء الذكاء الاصطناعي والكهربة وأنظمة الطاقة المستقبلية».
وتعكس وجهة نظره واقعاً أوسع تواجهه الحكومات في مختلف أنحاء العالم، يتمثل في ضرورة ضمان دعم النمو الرقمي بأنظمة طاقة آمنة وموثوقة وميسورة التكلفة، وقادرة على تلبية الطلب المتزايد.
وما برز من حديثنا هو صورة دولة نظرت إلى الاضطرابات المستمرة، ورأت إلى جانب الأزمة الآنية حجة واضحة تدعو إلى التحول، سواء في أنظمة الطاقة الخاصة بها أو في النهج الإقليمي المشترك تجاه أمن الطاقة.
ما الدور الذي تؤديه تايلاند في معرض غازتك؟
نظرت البلاد إلى الاضطرابات المستمرة، ورأت إلى جانب الأزمة الآنية حجة واضحة تدعو إلى التحول، سواء في أنظمة الطاقة الخاصة بها أو في النهج الإقليمي المشترك تجاه أمن الطاقة.
ويمثل هذا موقفاً استراتيجياً مهماً، وستتاح لبانكوك فرصة لعرضه على الساحة العالمية عندما تستضيف معرض «غازتك 2026»، أكبر فعالية عالمية مخصصة للغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال والحلول منخفضة الكربون والكهربة والذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة.
وبالنسبة إلى الوزير، سيكون معرض غازتك فرصة من أجل «تحقيق استثمارات منسقة طويلة الأجل، وتنفيذ مشروعات عابرة للحدود، وزيادة الترابط الإقليمي.
«ومن خلال استضافة هذا الحدث البارز، تتاح لنا فرصة التواصل المباشر مع شركات الطاقة العالمية ومطوري البنية التحتية والجهات المالية المعنية التي تسهم في رسم ملامح أنظمة الطاقة المستقبلية في آسيا».
