القائمة الرئيسية

ستة تحولات تعيد رسم ملامح التنافسية الصناعية في آسيا والمحيط الهادئ

ستة تحولات تعيد رسم ملامح التنافسية الصناعية في آسيا والمحيط الهادئ
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة ستة تحولات رئيسية تعيد تشكيل التنافسية الصناعية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، من دمج إزالة الكربون في السياسات الصناعية، وبناء منظومات إقليمية مترابطة، إلى تحفيز الطلب، وتوسيع الاقتصاد الدائري، وتوجيه التمويل نحو منظومات صناعية متكاملة، وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، موضحةً أن السباق العالمي المقبل لن يُحسم بابتكار التقنيات وحده، بل بالقدرة على نشرها بسرعة وعلى نطاق واسع.

  • تعتمد التنافسية الصناعية بصورة متزايدة على نشر منظومات صناعية متكاملة ومنسقة ومنخفضة الكربون، بدلاً من الاعتماد على تقنيات منفردة ومعزولة.
  • وأصبح تحفيز الطلب، وبناء المنظومات الصناعية الإقليمية، وتنسيق التمويل، من الركائز الأساسية للتحول الصناعي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
  • كما يتطور الاقتصاد الدائري ليصبح استراتيجية صناعية محورية تعزز القدرة التنافسية، وأمن الموارد، ومرونة سلاسل القيمة الإقليمية.

تشهد منطقة آسيا والمحيط الهادئ بروز مرحلة جديدة من التحول الصناعي. فعلى امتداد الجزء الأكبر من العقد الماضي، تركز الاهتمام على تطوير تقنيات رائدة، وخفض التكاليف، وإثبات إمكانية إزالة الكربون من القطاع الصناعي من الناحية التقنية. أما اليوم، فقد أصبح التركيز منصباً على توسيع نطاق التطبيق.

ورغم أن الابتكار لا يزال ضرورياً، فإن العديد من التقنيات اللازمة لخفض الانبعاثات في الصناعات الثقيلة أصبحت متاحة بالفعل.

غير أن توسيع نطاق استخدام هذه التقنيات يتطلب أكثر من مجرد الابتكار التكنولوجي. فهو يعتمد على مواءمة الطلب والتمويل والبنية التحتية والمعايير والسياسات ضمن منظومات صناعية منسقة وقادرة على تسريع الاستثمار، وتقليل المخاطر، وتعزيز القدرة التنافسية.

ويكتسب إنجاح هذا التحول أهمية خاصة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، التي تمثل أكثر من نصف القيمة المضافة لقطاع التصنيع العالمي، وأكثر من نصف انبعاثات غازات الدفيئة في العالم. كما تجمع المنطقة بين جزء كبير من القدرات التصنيعية العالمية، والطلب سريع النمو، ووفرة موارد الطاقة المتجددة، والقدرات الصناعية المتطورة بصورة متزايدة.

ولذلك، تمثل منطقة آسيا والمحيط الهادئ الاختبار العالمي الحقيقي لمدى قدرتنا على إنجاح هذا التحول. فإذا نجح هنا، ستسير اقتصادات ومناطق جغرافية أخرى على النهج نفسه.

وفيما يلي ست طرق تتطور من خلالها التنافسية الصناعية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ بالفعل:

1. التنافسية الصناعية تحل محل الامتثال باعتبارها المبدأ المنظم

على مدى سنوات، غالباً ما تطورت السياسات المناخية والسياسات الصناعية في مسارين متوازيين. ركز أحدهما على خفض الانبعاثات، بينما ركز الآخر على الإنتاجية والصادرات والنمو الاقتصادي.

لكن الفوارق بين هذين المسارين أصبحت أقل وضوحاً بصورة متزايدة.

فقد أصبح الأداء الكربوني جزءاً من قرارات الشراء واستراتيجيات الاستثمار والتجارة الدولية، ما يجعل إزالة الكربون من القطاع الصناعي مرتبطة ارتباطاً متزايداً بالتنافسية الصناعية. وبدلاً من النظر إلى إزالة الكربون باعتبارها التزاماً تنظيمياً، باتت الحكومات والشركات تنظر إليها بصورة متزايدة بوصفها عاملاً داعماً للقدرة التنافسية التصديرية، والمرونة الصناعية، والنمو الاقتصادي على المدى الطويل. وأصبح السؤال اليوم يتمحور حول كيفية تعزيز الاقتصادات لقدرتها التنافسية بالتزامن مع تحقيق هذا التحول.

«اليوم، يتلاشى في كوريا الفارق بين السياسة المناخية والسياسة الصناعية».

— تشانغ هون لي، الرئيس المشارك للجنة الرئاسية المعنية بتغير المناخ

2. المنظومات الصناعية الإقليمية تصبح النموذج المفضل للتنفيذ

يتخذ التحول الصناعي طابعاً إقليمياً بصورة متزايدة.

فسلاسل توريد الصلب والمعادن الحيوية والمواد الكيميائية والوقود النظيف تمتد بالفعل عبر بلدان متعددة. ولذلك، أصبحت الميزة التنافسية تعتمد بصورة متزايدة على منظومات صناعية إقليمية تربط المنتجين والمصنّعين ومقدمي الخدمات اللوجستية والممولين والمشترين عبر الحدود.

وتوضح مبادرات ناشئة، مثل ممر الحديد الأخضر بين أستراليا وشرق آسيا وإطار رابطة دول جنوب شرق آسيا للاقتصاد الدائري، هذا التطور. فبدلاً من تنسيق مشروعات منفردة، تسعى الحكومات بصورة متزايدة إلى مواءمة البنية التحتية والمعايير وأنظمة الاعتماد والطلب عبر سلاسل القيمة الإقليمية، بما يتيح إنشاء منظومات صناعية أكبر حجماً وأكثر جذباً للاستثمار.

وفي قطاعات مثل الجزيئات الخضراء، يمكن أن يؤدي التوافق بشأن أنظمة الاعتماد والمعايير والسياسات الداعمة إلى الحد من تجزؤ الأسواق، وتعزيز ثقة المستثمرين، وتسريع عمليات النشر والتطبيق. وبالمثل، يمكن أن يسهم توحيد متطلبات المحتوى المعاد تدويره ومبادئ التصميم الدائري في تسهيل التجارة الموثوقة عبر الحدود في المواد الثانوية، وتعزيز الاقتصاد الدائري على المستوى الإقليمي.

وأصبحت سلاسل القيمة الإقليمية النموذج المفضل لتنفيذ التحول الصناعي، إذ تتيح للدول تنسيق الاستثمار والبنية التحتية والمعايير والطلب عبر الحدود، مع بناء منظومات صناعية أكثر تنافسية ومرونة.

«يمر الطريق نحو عالم منخفض الكربون عبر منطقة آسيا والمحيط الهادئ. ومن خلال تبني الاقتصاد الدائري على نطاق واسع، يمكن للمنطقة أن تسهم بما يصل إلى 25% من تخفيضات انبعاثات غازات الدفيئة التي يحتاج إليها العالم».

— أنتوني واتانابي، رئيس الاستدامة في شركة إندوراما فنتشرز

3. تحفيز الطلب يصبح التحدي الرئيسي أمام التوسع في التطبيق

لا تكفي التكنولوجيا وحدها لإنشاء الأسواق.

ففي العديد من القطاعات التي يصعب خفض انبعاثاتها، يظل المنتجون مترددين في الاستثمار دون وجود مشترين ملتزمين، في حين يتردد المشترون إلى أن يصبح المعروض الموثوق متاحاً. وتؤدي هذه الفجوة في التنسيق إلى تأخير التطبيق التجاري.

ولذلك، أصبح تحفيز الطلب إحدى الأولويات الرئيسية للسياسات الصناعية.

ويمكن للمشتريات العامة، والالتزامات المسبقة تجاه الأسواق، وتحالفات الشراء بين الشركات، وعقود الشراء طويلة الأجل، أن توفر اليقين الذي تحتاج إليه الأسواق لتحويل المشروعات القابلة للتنفيذ تقنياً إلى صناعات جاذبة للاستثمار. وأصبح التركيز منصباً على إنشاء أسواق قادرة على نشر هذه التقنيات على نطاق واسع.

كما تشهد السوق تغيراً بدورها، مع إدماج معايير الكربون والاقتصاد الدائري ضمن قرارات الشراء.

«تتغير السوق أيضاً مع إدراج معايير الكربون والاقتصاد الدائري في قرارات الشراء».

— هيونسوك هيو، نائبة رئيس شركة هيونداي موتورز

4. الاقتصاد الدائري يصبح استراتيجية صناعية

يجري النظر إلى الاقتصاد الدائري بصورة متزايدة باعتباره مصدراً للتنافسية الصناعية.

وفي ظل تصاعد مخاطر سلاسل التوريد، وحالة عدم اليقين الجيوسياسي، والتقلبات غير المتوقعة في أسعار المواد الأولية، أصبح الاقتصاد الدائري يُنظر إليه بوصفه ركيزة لا غنى عنها في السياسات الصناعية الاستباقية.

وينعكس هذا التطور بصورة متزايدة في السياسات الصناعية. ويُظهر برنامج كوريا الجديد للشركات والمجمعات الصناعية الرائدة في الاقتصاد الدائري، الذي أُعلن عنه في يونيو 2026 بمشاركة شركات من بينها إل جي إلكترونيكس وبوسكو وهيونداي ستيل ضمن 16 شركة شريكة، كيف يجري اعتماد الاقتصاد الدائري كاستراتيجية صناعية. كما يؤكد هذا البرنامج انتقال الاقتصاد الدائري من مجرد توجه بيئي إلى ضرورة صناعية أساسية.

ويتعين على السياسات العامة أن تعمل بالتوازي مع هذا التوجه الصناعي، من خلال تبني سياسات أكثر مرونة وكفاءة تحفز أوجه التكامل بين إزالة الكربون والاقتصاد الدائري. كما تتطلب هذه المرحلة تطوير حلول تكنولوجية منخفضة الكربون ودائرية، تسهم في جعل الإنتاج أكثر نظافة، وتقليل استخدام المواد، وبناء منظومات اقتصادية أكثر مرونة.

«يمكن لسياسات الاقتصاد الدائري أن تقلل الانبعاثات الكربونية لصادراتنا الرئيسية، مثل الصلب والأسمنت».

— كوم هان سونغ، النائب الأول لوزير المناخ والطاقة والبيئة في حكومة كوريا الجنوبية

5. يجب أن ينتقل التمويل من دعم التقنيات إلى تمويل المنظومات الصناعية

يعني تمويل مرحلة التحول تمويل المنظومات الصناعية بأكملها.

فعلى مدى العقد الماضي، جرى توجيه قدر كبير من التمويل، رغم أنه لا يزال غير كافٍ، إلى تطوير التقنيات منخفضة الكربون والدائرية واختبارها عملياً. وغالباً ما لعب التمويل العام دوراً محفزاً من خلال تحمل مخاطر المراحل المبكرة وجذب الاستثمارات الخاصة.

غير أن المرحلة المقبلة من التحول الصناعي تتطلب تجاوز تمويل التقنيات بصورة منفردة، والانتقال إلى دعم المنظومات الصناعية التي تسمح للحلول المثبتة بالتوسع.

ويعني ذلك تعاون المؤسسات الخيرية ومؤسسات تمويل التنمية والبنوك التجارية والصناديق العامة عبر مختلف مراحل الابتكار والتطبيق. كما يتطلب قدراً أكبر من توحيد الهياكل التمويلية والأدوات الاستثمارية التي توائم بين المشروعات وتوقعات المستثمرين بشأن المخاطر والعوائد، وتساعد على تعبئة مجموعات أكبر من رؤوس الأموال الخاصة.

ولا تقل وجهة التمويل أهمية عن حجمه. وسيكون ضمان حصول الاقتصادات النامية والشركات الصغيرة والمتوسطة على التمويل الملائم أمراً بالغ الأهمية لتجنب تحول مجزأ، وإطلاق إمكانات التحول الصناعي في مختلف أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وسيؤدي التمويل المختلط، ورأس المال الميسر، والأساليب الجديدة لتقاسم المخاطر، دوراً مهماً في توسيع نطاق الوصول إلى الاستثمار.

6. التحول الصناعي يعتمد على تعاون منسق بين القطاعين العام والخاص

في نهاية المطاف، يمثل التحول الصناعي تحدياً يتعلق بالتنسيق.

فالحكومات تضع السياسات الواضحة والمستقرة، وتوفر الإشارات اللازمة للأسواق. أما القطاع الصناعي فيتولى توسيع الإنتاج وخلق الطلب. وتعمل المؤسسات المالية على تعبئة رؤوس الأموال، بينما تسهّل المنظمات الدولية التعاون الإقليمي وتساعد على توحيد المعايير.

ولا يستطيع أي طرف بمفرده بناء منظومات صناعية تنافسية.

وسيعتمد النجاح بصورة متزايدة على ترتيبات مؤسسية تمكّن هذه الأطراف من التحرك معاً، بما يقلل حالة عدم اليقين ويسرّع التطبيق عبر سلاسل القيمة بأكملها.

«لتحقيق تحول صناعي ناجح، نحتاج إلى ابتكار سريع وتعاون واسع النطاق».

— سانغ هيوب كيم، المدير التنفيذي للمعهد العالمي للنمو الأخضر

بناء الجيل المقبل من التنافسية الصناعية

تشير هذه التحولات مجتمعة إلى أن الانتقال الصناعي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ يدخل مرحلة جديدة.

فالمرحلة المقبلة من النمو الصناعي لن تتحدد بالاختراقات التكنولوجية الفردية بقدر ما ستتحدد بالقدرة على تنسيق الطلب والتمويل والبنية التحتية والمعايير والتعاون الإقليمي ضمن منظومات صناعية قابلة للتطبيق.

ولم يعد السباق يقتصر على ابتكار التكنولوجيا الثورية المقبلة، بل أصبح يتمحور حول بناء منظومات صناعية قادرة على نشر الحلول المثبتة على نطاق واسع.

وستتمكن الاقتصادات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ وخارجها، التي تنجح في تحقيق ذلك، من تعزيز أمن الموارد والمساهمة في رسم ملامح الجيل المقبل من سلاسل القيمة العالمية.

المصدر

مقالات ذات صلة