القائمة الرئيسية

كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي مهارات القيادة؟ وكيف ينبغي للمؤسسات أن تستعد؟

كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي مهارات القيادة؟ وكيف ينبغي للمؤسسات أن تستعد؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل مسارات التطور المهني ومفهوم القيادة، مع أتمتة عدد متزايد من المهام التي كانت تساعد الموظفين سابقاً على اكتساب الخبرة وإثبات قدراتهم، وتوضح أن نجاح المؤسسات في هذا التحول يتطلب إعادة تأهيل المديرين، وإعادة تصميم العمل، والتركيز على مهارات بشرية مثل الحكم السليم والتواصل وبناء الثقة وتحديد الاتجاه، لإعداد جيل جديد من القادة القادرين على تنسيق العمل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي بفعالية.

  • أصبح نحو ثلث المهام في بيئة العمل مؤتمتاً اليوم، ما يقلّص مساحة كانت تتيح للموظفين إثبات قدراتهم من أجل التقدم المهني، ويغيّر بالتالي مسار تطورهم نحو المناصب القيادية.
  • يتفق معظم قادة الموارد البشرية على أن المديرين في المستويات الوسطى يؤدون دوراً حاسماً في ضمان توجيه الذكاء الاصطناعي بالشكل المناسب عند تنفيذ المهام، إلا أن التدريب اللازم لذلك لا يزال غير كافٍ.
  • يجب على المؤسسات استثمار الوقت في إعادة تصميم العمل وإعادة تأهيل الموظفين لضمان امتلاكهم المهارات المتمحورة حول الإنسان والضرورية للقيادة الفعالة في عصر الذكاء الاصطناعي.

تأمل هاتين النقطتين اللتين يصعب أن تجتمعا معاً: يتوقع 96% من قادة الموارد البشرية أن تتطور الوظائف المخصصة للمبتدئين إلى أدوار تتضمن الإشراف على الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الخمس المقبلة، ومع ذلك فإن 46% منهم لا يزالون لا يقدمون بشكل استباقي برامج تدريبية متخصصة لتطوير المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

لقد تغيرت الوجهة التي يتجه إليها عالم العمل، إلا أن العديد من المؤسسات لا تزال تتوقع من موظفيها الوصول إليها من دون خريطة واضحة.

كان المسار المهني التقليدي يعتمد في كثير من الأحيان على التدرج في الخبرة التقنية، وكان هذا التدرج أحياناً بطيئاً وغير متكافئ. لكنه كان يؤدي أيضاً إلى نتيجة يسهل التقليل من أهميتها إلى أن تختفي: ظهور مديرين يمتلكون خبرة عملية حقيقية، سبق لهم القيام بالعمل بأنفسهم، وارتكاب الأخطاء والتعلم منها، واكتساب القدرة على اتخاذ الأحكام التي تؤهلهم للقيادة.

أما اليوم، فيعمل الذكاء الاصطناعي على أتمتة فئات كاملة من المهام، ولا سيما المهام المخصصة للمبتدئين والمهام الروتينية وذات الحجم الكبير، وهي المهام التي كانت في السابق تشكل قاعدة السلم الوظيفي التقليدي.

ووفقاً لبحث جديد أجرته شركتا Cognizant وPearson بالتعاون مع Wakefield Research وشمل 750 من قادة الموارد البشرية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والهند، فإن الذكاء الاصطناعي ينفذ حالياً ما معدله 33% من المهام المخصصة للموظفين في بداية مسيرتهم المهنية، وترتفع هذه النسبة إلى 39% في المملكة المتحدة.

كانت العديد من هذه المهام متكررة، ولم يكن توزيعها دائماً عادلاً بين الموظفين. ومع ذلك، كانت تؤدي وظيفة مهمة، إذ كانت تمنح الأفراد مساحة لإثبات أنفسهم وفرصة لتطوير قدرتهم على الحكم واتخاذ القرار، واكتساب الثقة والمسؤولية اللازمة للانتقال تدريجياً إلى مواقع القيادة.

ورغم أن مكاسب الكفاءة على المدى القصير حقيقية، فإن التحول على المدى الطويل أكثر عمقاً بكثير. فالسلم الوظيفي التقليدي يعاد تعريفه، ما يغيّر الطريقة التي كنا ننظر بها تاريخياً إلى الخبرة، ويفتح في الوقت نفسه مسارات جديدة كلياً لبناء القدرات والتطور المهني والوصول إلى القيادة.

المزيد من الأتمتة يخلق فجوة في إعادة التأهيل

يكاد النقاش العام حول الذكاء الاصطناعي والقوى العاملة يركز بالكامل على الموظفين في بداية مسيرتهم المهنية: كيف يمكن إعادة تدريبهم، وحماية وظائفهم، وإعدادهم لأدوار جديدة. وهذا النقاش ضروري، لكنه غير مكتمل. فالنقطة الأكثر إغفالاً تكمن في مستوى القيادة، حيث أصبح من الضروري إعادة تصميم دور القائد بالتوازي مع إعادة تصميم الأدوار التي تقع تحت إشرافه.

وتكشف البيانات عن فجوة لافتة في هذا المجال، إذ يرى 95% من قادة الموارد البشرية أن المديرين في المستويات الوسطى يمثلون العامل الأكثر أهمية في ضمان استخدام الموظفين للذكاء الاصطناعي بفعالية، بينما يرى 92% أنهم يؤدون دوراً حاسماً في إعادة تعريف الوظائف مع إعادة الذكاء الاصطناعي تشكيل طبيعة العمل اليومي. ومع ذلك، فإن معظم المؤسسات لا تعمل بشكل فعال على إعادة تأهيل هؤلاء المديرين للقيام بدور يمثل تحولاً جذرياً في طبيعة السلطة والمسؤولية التي يمارسونها.

وهنا يكمن التحول الحقيقي. فالقادة الذين بنوا مصداقيتهم على امتلاك خبرة متخصصة وعميقة يعملون اليوم في بيئة أصبحت فيها هذه الخبرة نفسها أكثر سهولة في الوصول إليها وأقل تميزاً مع انتشار الذكاء الاصطناعي. ولا يتمثل الانتقال الأصعب في تبني أدوات جديدة، بل في التخلي عن الغرائز والعادات والصورة المهنية التي كانت تحدد النجاح في السابق، واستبدالها بقدرات بشرية لا يمكن أتمتتها.

هذا الانتقال، من الخبير إلى المُمكّن، ومن صاحب السلطة إلى المنسّق، هو التحول الذي لا تزال قلة من المؤسسات تعمل على تصميمه بشكل متعمد.

مهارات القيادة الأكثر تقديراً لدى المؤسسات في عصر الذكاء الاصطناعي

عندما يتولى الذكاء الاصطناعي جانباً أكبر من التنفيذ التقني، لم تعد الخبرة وحدها كافية لتكون أساساً للقيادة. وأصبح على القادة بناء مصداقيتهم على أسس أخرى، إذ يتفق 97% من قادة الموارد البشرية على أن المهارات المتمحورة حول الإنسان أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى في عصر الذكاء الاصطناعي.

وفي الوقت نفسه، يرى 64% منهم أن المؤسسات باتت تقدر القدرة على اكتشاف مشكلات جديدة أكثر من قدرتها على حل المشكلات القائمة. ومن التحولات اللافتة أيضاً أن 67% يقولون إنهم أصبحوا يقدّرون الشهادات في تخصصات العلوم الإنسانية والفنون الحرة، التي تعزز التفكير متعدد التخصصات والاستدلال في ضوء السياق ومهارات التواصل، أكثر مما كانوا يفعلون في السابق.

لم يعد القائد الجديد هو الشخص الذي يعرف أكثر من غيره، بل أصبح الشخص القادر على تحديد الاتجاه، وكسب الثقة، ومواءمة جهود البشر والآلات حول هدف مشترك. إنه قائد يؤدي دور المنسّق، مستنداً إلى فهم عميق للذكاء الاصطناعي وكيفية التعامل معه.

القدرة على التواصل، والحكم على الأمور في سياقها، وفهم الأشخاص والأجواء المحيطة، كانت من بين المهارات الأقل وضوحاً وقابلية للقياس في معظم أطر القيادة، لكنها تتجه لأن تصبح من أكثر المهارات أهمية من الناحية الهيكلية. وقد يكون قادة اليوم آخر جيل يدير البشر وحدهم، وهو ما يزيد من تعقيد هذا التحول، لأن الجيل القادم من القادة سينشأ في بيئة يكون فيها التعامل مع البشر والذكاء الاصطناعي معاً أمراً طبيعياً منذ البداية.

إعادة تصور نموذج القيادة

نجح نموذج القيادة التقليدي جزئياً لأنه كان يعمل بطريقة غير ظاهرة. كانت القدرة على الحكم واتخاذ القرار تتراكم بمرور الوقت، كما كانت المعرفة المؤسسية تنتقل من شخص إلى آخر. وكنا نتعلم من خلال الممارسة، ثم نكتسب تدريجياً مزيداً من المسؤوليات، من دون وجود عملية تطوير مصممة بشكل واضح. لكن مع اختفاء هذا المسار التقليدي، أصبحت المهارات نفسها بحاجة إلى أن تُبنى بشكل متعمد ومنظم داخل المؤسسات.

ووجد التقرير أن 94% من قادة الموارد البشرية يخططون لإعادة تعريف الوظائف بما يعكس الطريقة التي يغيّر بها الذكاء الاصطناعي العمل اليومي. إلا أن إعادة كتابة الوصف الوظيفي لا تعني بالضرورة إعادة تصميم مسار التطور المهني. لذلك، يجب على المؤسسات أن تتجاوز مجرد التساؤل عن كيفية تغيير الذكاء الاصطناعي للوظائف الموجودة داخلها، لتبدأ في التفكير في الطريقة التي سيغير بها القدرات القيادية، وفي نهاية المطاف، في تعريفنا نفسه لمفهوم القيادة.

وتكمن الإجابة في إعادة تصميم العمل ذاته. فمع تولي الذكاء الاصطناعي جزءاً أكبر من مهام التنفيذ، ومساهمته المتزايدة في التحليل وتوليد الرؤى، لا ينبغي أن يكون الهدف هو إزالة التجارب المهنية المخصصة للمبتدئين، بل تحويلها إلى تجارب مصممة خصيصاً لبناء القدرة على الحكم واتخاذ القرار.

وبدلاً من تنفيذ كل مهمة بأنفسهم، يصبح دور الأفراد توجيه العمل ومراجعته وتحديه، من خلال تحديد الاتجاه، وتوفير السياق، وتحمل المسؤولية عن النتائج. وفي المؤسسة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، لم تعد القيادة تُعرّف فقط بمدى عمق الخبرة، بل بالقدرة على تحويل التعقيد إلى وضوح وتمكين الآخرين من تحقيق النتائج المطلوبة.

ولن يتم بناء الجيل القادم من القادة من خلال الحفاظ على المهام القديمة، بل من خلال إعادة تصميم العمل في شكل حلقات متواصلة للتطوير، تكون فيها القدرة على الحكم وفهم السياق وتحمل المسؤولية هي المهارات التي يتم تعلمها واختبارها وبناء الثقة حولها.

فرصة الازدهار في عصر الذكاء الاصطناعي

يعتقد 94% من قادة الموارد البشرية أن الذكاء الاصطناعي سيولد وظائف جديدة للمبتدئين لا وجود لها حتى الآن. ولذلك، فإن فرصة توسيع نطاق الوصول إلى فرص تطوير المهارات القيادية حقيقية، ولكنها لن تتحقق إلا إذا تحركت المؤسسات بوعي وقصد، بدلاً من الاعتماد على الافتراضات.

وإذا لم يعد هناك سلم وظيفي تقليدي يمكن تسلقه، فإن السؤال لم يعد كيف نصعد، بل ما إذا كان بإمكاننا بناء شيء أفضل يحل محله: مسارات مصممة لإعداد القادة الذين نحتاج إليهم فعلاً، وليس للحفاظ على نظام عمل تجاوزناه.

المصدر

مقالات ذات صلة