القائمة الرئيسية

كيف يدرك دماغنا العالم من حولنا؟

كيف يدرك دماغنا العالم من حولنا؟
ملخص المقال

تقلب نظرية **الترميز التنبؤي** التصور التقليدي للدماغ بوصفه مستقبلًا سلبيًا للمعلومات، إذ تفترض أنه يبني باستمرار توقعات عن العالم اعتمادًا على الخبرات السابقة، ثم يقارنها بالمدخلات الحسية ويولي اهتمامًا خاصًا لما يخالفها، بما يجعل الإدراك نتيجة تفاعل مستمر بين التنبؤات من أعلى إلى أسفل والمعلومات الحسية من أسفل إلى أعلى. وتؤدي **تذبذبات ألفا والموجات العصبية المرتحلة** دورًا مهمًا في تنظيم هذا التفاعل، من خلال كبح المشتتات وتعزيز المعلومات ذات الصلة ونقل التنبؤات وأخطاء التنبؤ بين مناطق الدماغ. وتفتح هذه الرؤية المجال لفهم اضطرابات مثل الفصام والتوحد بوصفها اختلالات في التوازن بين التوقعات الداخلية والإشارات الحسية، كما تقدم مبادئ يمكن توظيفها في تطوير أنظمة رؤية حاسوبية أكثر قدرة على التعامل مع المعلومات الناقصة أو المشوشة. ويكشف هذا المجال، الذي يجمع علم الأعصاب والرياضيات والبرمجة والإحصاء وعلم النفس، عن تصور أعمق للإدراك باعتباره عملية نشطة يبني فيها الدماغ تفسيره للعالم باستمرار، مع اعتماد متزايد على المحاكاة الحاسوبية وتقنيات تسجيل النشاط العصبي لاختبار هذه النماذج وفهم أسس الوعي والإدراك.

لعقود طويلة، سيطر على أوساط علماء الأعصاب مفهومٌ يستعرض الدماغ كجهاز استقبال سلبي للمعلومات الحسية؛ ينظر مجرد منتظرٍ بصبر وشغف لما تلفظه العيون والآذان وبقية الحواس من معطيات. غير أن نظرية "الترميز التنبؤي" جاءت لتقلب هذه الرؤية رأسًا على عقب؛ إذ تطرح أن أدمغتنا تشارك بفاعلية في صياغة تنبؤات مستمرة عن عالمنا، ولا تلجأ للمعلومات الحسية القادمة إلا لغرض واحد: تصحيح ما يقع فيها من أخطاء! يكرس الدكتور أندريا ألاميا، الباحث في المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية، جهوده لتقصي أغوار هذه النظرية واستكشاف أبعادها الممتدة في مختلف المجالات العلمية.

معجم من قلب علم الأعصاب الحاسوبي:

تذبذبات حزمة ألفا: نبضات كهربائية ذات إيقاع منتظم تتولد داخل الدماغ، وتتولى مَهمة تنظيم معالجة البيانات الحسية الواردة.

اضطراب طيف التوحد: نمط مختلف في النمو العصبي، ينعكس بشكل مباشر على آلية إدراك الفرد للعالم من حوله.

تخطيط كهربائية الدماغ (EEG): إجراء فحص غير جراحي يلتقط النشاط الكهربائي للدماغ عبر أطباق معدنية دقيقة تُثبت على فروة الرأس.

الترميز التنبؤي: رؤية علمية تفترض أن الدماغ يولد تنبؤات دائمة ومستمرة عن البيئة المحيطة، بدلاً من الوقوف في موقف المتلقي السلبي للإشارات الحسية.

مرض الفصام: اضطراب عقلي جسيم يولد لدى المصاب به شعورًا بالانفصال عن الواقع، وترافقه أحيانًا هلاوس وتصورات أوهام لا وجود لها.

الموجات المرتحلة: أنماط متكررة من النشاط العصبي تنتقل وتنتشر عبر أرجاء الدماغ المختلفة.

تخيل هذا الموقف المألوف: يدق جرس الاستراحة أخيرًا بعد حصص دراسية مرهقة بين معادلات الجبر المعقدة ونصوص الشعر المكثفة. تسرع خطاك نحو المقصف، تفتح شطيرة الجبن بشغف، تأخذ منها قضمة كبيرة وتبدأ في المضغ... فجأة! تشعر بشعور مقزز، فتبصقها فورًا وتنظر إليها بذهول واستغراب، لتكتشف بعد لحظات أنك أخذت بالخطأ شطيرة البيض بالمايونيز الخاصة بأخيك بدلاً من شطيرتك! في الوقت الذي قد يتضاحك فيه أصدقاؤك على هذا الموقف المحرج، فإن هذه المفاجأة البسيطة تحمل في طياتها مفاتيح عميقة لفك أسرار آلية عمل العقل البشري.

الترميز التنبؤي

 يوضح الدكتور أندريا ألاميا من المركز الوطني للبحوث العلمية هذه الظاهرة قائلًا: "تعتمد نظرية الترميز التنبؤي على فكرة أن أدمغتنا لا تتوقف عن توليد افتراضات وتوقعات مبكرة حول البيانات الحسية القادمة، وذلك بالاستناد إلى ما اختزنته من تجارب سابقة، ثم تقوم بفرز هذه التوقعات ومقارنتها بما تتلقاه فعليًا من إشارات حواسنا". فإن جاءت المعطيات الحسية مطابقة تمامًا للتوقع المخزون، يعمد الدماغ إلى كبحها وإهمالها ترشيدًا للطاقة. أما إن وقع "خطأ في التنبؤ" — كأن تتفاجأ بطعم البيض بينما يتوقع عقلك طعم الجبن — يطفو الحادث على سطح انتباهك، فيستنفر الدماغ فورًا للبحث عن معلومات جديدة يُعدل بها تنبؤاته السابقة.

ويواصل الدكتور ألاميا الشرح: "وفق هذا التصور، لا يتشكل إدراكنا إلا عبر تفاعل خلّاق يجمع بين التنبؤات الصادرة من الأعلى إلى الأسفل، والإشارات الحسية المتدفقة من الأسفل إلى الأعلى". يمثل هذا الفكر نقطة افتراق جذرية عن النظريات التقليدية التي كانت ترى الإدراك مجرد صعود صامت للمعلومات الحسية نحو المراكز العليا بالدماغ. ويضيف أندريا: "وعلى عكس ذلك، يُظهر الترميز التنبؤي وجود تبادل حيوي ومستمر في الاتجاهين بين المستويات العليا والدنيا للدماغ؛ فبدلًا من الاكتفاء بتسجيل ما تحس به أعضاؤنا سلبًا، يعمل الدماغ بفاعلية على فرز هذه البيانات إما بكبتها أو بتسليط الضوء عليها".

تذبذبات حزمة ألفا 

كيف يتسنى للدماغ إذن أن يفرز هذه الإشارات، فيقرر ما يستحق الانتباه وما ينبغي التغاضي عنه؟ تكمن السارِيَة في تذبذبات "حزمة ألفا"، وهي نبضات كهربائية منتظمة تتكرر في الدماغ بمعدل يتردد بين 8 إلى 12 دورة في الثانية. كانت هذه "الإيقاعات" تتصاعد بوضوح بمجرد إغلاق العينين والاسترخاء، مما جعل العلماء لعقود طويلة يظنون أنها مجرد ضجيج خلفي لا قيمة له يصدر عن دماغ في حالة راحة.

إلا أن الرؤية الحديثة باتت تعتقد أن لإيقاعات ألفا دورًا جوهريًا وفتاكًا؛ إذ تعمل بمثابة نظام "حجب الضوضاء" الدماغي الذي يتكفل بإقصاء البيانات الفائضة. فعلى سبيل المثال، وأنت تطالع هذه السطور الآن، يعمد دماغك إلى شحن إيقاعات ألفا وتنشيطها في المناطق التي تستقبل المشتتات — كالقشرة السمعية — وفي الوقت نفسه يُخفّض هذه الإيقاعات في القشرة البصرية ليسمح لك بالتركيز الكلي على ما تقرؤه من كلمات.

ويعلق الدكتور ألاميا: "هذا التبسيط يوضح الصورة العامة وإن كنا لا نزال نتقصى الدقائق والتفاصيل؛ إذ يبدو أن إيقاعات ألفا تسهم في ضبط المواعيد والأماكن التي تصبح فيها التجمعات العصبية قابلة للاستثارة، مما يرفع من جاهزيتها لاستقبال المعلومات ومعالجتها. ولا يزال هذا الموضوع مضمارًا لنقاشات علمية محتدمة بين الباحثين؛ إذ تشير بعض التجريب إلى أن العلاقة بين تذبذبات ألفا والإدراك ليست دائمًا خطية وبسيطة، وهذا عين ما يعكس حيوية البحث العلمي!"

الموجات المرتحلة

 في أحيان كثيرة، تمتد تذبذبات حزمة ألفا وتتدافع عبر أنسجة الدماغ تمامًا كما تتدافع الأمواج في المجرى المائي. وقد اكتشف أندريا أن هذه الأمواج المرتحلة قد تكون هي المحرك الفعلي والآلية الأساسية التي تقوم عليها عملية الترميز التنبؤي. ويؤكد قائلًا: "استطعنا إثبات أن موجات ألفا المرتحلة تارة تنطلق نحو الأمام وتارة تعود إلى الخلف تبعًا للظروف والإدراك، وهي حركة تتسق تمامًا مع نموذج الترميز التنبؤي الذي يشرح كيف تتنقل التنبؤات وأخطاء التنبؤ داخل التلافيف الدماغية".

فعلى سبيل المثال، تنطلق الموجات المرتحلة نحو الأمام من الجزء الخلفي للدماغ — حيث تتجمع البيانات الحسية — متجهة نحو الفص الجبهي المسؤول عن اتخاذ القرارات. تعبر هذه الموجات الصاعدة عن المعالجة الحسية (من الأسفل إلى الأعلى)، وتنشط بوضوح عندما توجه تركيزك وانتباهك الكامل نحو المؤثرات الحسية. وبالمقابل، تنبعث الموجات المرتحلة نحو الخلف من القشرة الجبهية متجهة إلى المناطق الحسية في مؤخرة الدماغ، لتجسد التوقعات والافتراضات الصادرة (من الأعلى إلى الأسفل)، حاطةً من قدر المشتتات الحسية غير الضرورية ومصفيّة لها.

يردف أندريا: "لقد أتاح لنا هذا العمل مد جسر متين بين إطار نظري مرموق وبين الديناميكيات الدماغية الملموسة. فعن طريق المحاكاة الحاسوبية، استطعنا بناء تنبؤات بدقة حول كيفية تغير مسار الموجات المرتحلة باختلاف الحالات الإدراكية بناءً على النظرية". ولم يكتفِ أندريا وفريقه بذلك، بل أثبتوا صحة هذه التنبؤات ميدانيًا عبر تجارب قُسِي فيها النشاط الكهربائي لدماغ المشاركين باستخدام تخطيط كهربائية الدماغ (EEG)، مما قدم برهانًا ساطعًا يرسخ قواعد نظرية الترميز التنبؤي.

الترميز التنبؤي في ميدان التطبيق

 عقب التوصل لهذا الدليل، انطلق أندريا في استكشاف آفاق جديدة لتطبيق نظرية الترميز التنبؤي في فروع علمية متعددة؛ حيث يعكف حاليًا على دراسة مدى قدرتها على تفسير بعض الاضطرابات كالفصام والتوحد. يوضح أندريا ذلك بقوله: "قد تنجم هذه الحالات عن اختلال في إعطاء الوزن المناسب للتنبوءات الصادرة من الأعلى إلى الأسفل أو للمدخلات الحسية القادمة من الأسفل إلى الأعلى".

فعبر المقارنة بين بيانات تخطيط الدماغ لدى مرضى الفصام ونظرائهم من الأصحاء، لاحظ أندريا أن المصابين بالفصام تُظهر أدمغتهم موجات ألفا مرتحلة نحو الخلف بشكل أشد وأقوى. ينبئ هذا عن كون أدمغتهم تمنح وزنًا طافحًا للتنبؤات الداخلية وتفرط في كبت الإشارات الحسية القادمة من الواقع، وهو ما قد يفسر جنوحهم نحو الهلاوس والأوهام المنفصلة عن الحقيقة. وفي المقابل، أظهرت دراسة مماثلة أجراها على مشاركين من ذوي التوحد نتيجًة عكسية؛ إذ سُجلت لديهم موجات رتحلة نحو الأمام أكثر كثافة، مما يعني أن أدمغتهم أقل تمكنًا من كبت المعلومات الحسية الواردة، وهذا بدوره يسلط الضوء على الأسباب التي تجعل بعض أفراد طيف التوحد يعانون من وفرة التحفيز الحسي المفرط والتدقيق المتناهي في التفاصيل.

ولا تتوقف تطبيقات الترميز التنبؤي عند هذا الحد، بل تمتد لتغذي تقنيات الرؤية الحاسوبية، وهي فرع من الذكاء الاصطناعي يُمكّن الآلات من فهم الصور ومقاطع الفيديو وتحليلها. يعلق أندريا: "تقدم النظرية للذكاء الاصطناعي بنية يكون فيها الإدراك المكتسب مسدّدًا بالتوقعات المسبقة بجانب البيانات الحسية المباشرة. هذا الأسلوب يعزز من كفاءة التعرف على الصور حتى وإن كانت مشوشة أو ناقصة، مما يمنح أنظمة الرؤية الآلية دقة أعلى وقدرة أكبر على تجاوز الأخطاء".

وفي بيئة بحثية شديدة الانضباط والرقابة، يخوض أندريا تجارب لمعرفة كيف تؤثر العقاقير المسببة للهلوسة على إرباك التوازن الدقيق بين التنبؤ والمدخلات الحسية. ويقول: "تفتح لنا دراسة هذه التأثيرات نافذة فريدة للغوص في الأغوار العصبية المسؤولة عن الإدراك والتفكير والوعي. وإن الهدف الأسمى الذي نبتغيه هو الوصول إلى فهم شامل وموحد لكيفية تشكيل الدماغ لمشاعرنا وإدراكنا للحياة".

لمحة عن علم الأعصاب الحاسوبي

 يشرح أندريا ماهية هذا التخصص قائلًا: "يسعى علم الأعصاب الحاسوبي للإجابة عن كبرى الأسئلة المتعلقة بكيفية بناء الدماغ للإدراك والأفكار والوعي. بيد أن المعضلة الكبرى التي تواجهنا تتمثل في كون الدماغ نظامًا بالغ المعقد والتركيب، بحيث لا يمكن لتخصص علمي منفرد أن يوفر بمفرده كلفة الأدوات اللازمة لسبر أغواره". ومن حسن الحظ، يمثل هذا المجال نموذجًا فريدًا لتكامل العلوم؛ حيث تتضافر فيه جهود الباحثين لتأليف المعارف بين علوم الأعصاب والرياضيات والبرمجة والإحصاء وعلم النفس.

كما تفتح الطفرات التقنية المعاصرة — كالذكاء الاصطناعي وتقنيات التصوير العصبي المتطورة — آفاقًا غير مسبوقة لسبر أسرار الآلية الدماغية. ويتابع أندريا: "سيحظى الجيل الجديد من الباحثين بفرصة التعامل مع قواعد بيانات هي الأثرى، وأدوات حاسوبية هي الأقوى على الإطلاق. مما يفتح أبوابًا واعدة لفك أسرار اضطرابات الدماغ، وتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، والوصول للركائز الأساسية للذكاء والإدراك البشري".

يتوزع اليوم النموذجي لعالم الأعصاب الحاسوبي بين تحليل البيانات الخام، وتطوير الأكواد البرمجية، ومطالعة الأوراق العلمية الحديثة، بجانب التفكير المبتكر في تصميم النماذج الحاسوبية وتطوير آليات البحث. يقول أندريا: "أقضي جانبًا غير يسير من وقتي في معالجة تسجيلات الدماغ لاختبار صحة فرضياتنا وتقييم مخرجات التجريب. كما أخصص وقتًا للبرمجة وإجراء المحاكاة الحاسوبية، والاجتماع بفرق العمل الممتدة عبر التخصصات المختلفة. فضلاً عن توجيه الطلاب ومناقشة المشاريع مع باحثي ما بعد الدكتوراه، إذ تشكل هذه النقاشات شرارة تولد أفكارًا جديدة وتساعدنا في تقييم مسار الأبحاث. والممتع في الأمر أنه لا يوجد يوم يشبه الآخر، وهذا لعمري من أبهى ميزات هذا التخصص!"

ولمن يطمح من الطلاب في التأسيس لمسار مهني ناجح في علم الأعصاب الحاسوبي، فإن القواعد الأساسية تبدأ من صقل المهارات الكمية والتحليلية — ولا سيما في الرياضيات والبرمجة — مع الاستنارة بشغف وحس فضولي عالٍ تجاه التساؤلات البيولوجية والنفسية. ويختتم أندريا حديثه بالإشارة إلى أن: "التفكير النقدي، ومهارات التواصل العلمي الفعال، والقدرة على الجسر بين التخصصات المختلفة، هي مقومات لا تقل أهمية بحال عن المعرفة التقنية".

المصدر

مقالات ذات صلة