كل أربع سنوات، أتحول إلى مشجع كروي متأنس، يتابع مباريات كأس العالم بحماس وأمل، ويتطلع للوقوف خلف منتخب بلاده. وبعيدًا عن مشاعر الانتماء الوطني، تمنحني كل بطولة فرصة لاكتشاف شيء جديد. وفي البطولة الأخيرة، لم تكن المهارات التكتيكية هي ما لفت انتباهي فحسب، بل استحوذت على تفكيري تقنية «حكم الفيديو المساعد» (VAR)؛ تلك الأداة التي أراها تحفة تنظم التقدير البشري وتضبطه.
تتجلى قيمة الـ VAR في كونه يعلمنا درسًا بليغًا في حسن التقدير وصيانة صلاحيات التدخل. فهذا النظام لا يوقف اللعب لمراجعة كل تمريرة أو التحقق من كل التحام، بل يقتصر تدخله على القرارات الحرجِ التي تعيد تشكيل مجرى المباراة: كالأهداف، وضربات الجزاء، والبطاقات الحمراء المباشرة، أو حالات الخطأ في تحديد هوية اللاعبين وركلات الزاوية والإنذارات المزدوجة. لقد تعمد الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) تحديد المواقف التي تستحق التوقف وإعادة النظر، تاركًا ما سوى ذلك لتدفق اللعب الطبيعي.
وفي ظل الثورة التقنية الحالية، حيث يعيد الذكاء الاصطناعي هيكلة بيئات العمل ويغرق المؤسسات بسيل لا ينتهي من بيانات الموظفين، ينبغي أن نتوقف عند هذا الدرس الكروي بتمعن. نحن نمتلك اليوم حجمًا غير مسبوق من البيانات، لكن الحكمة تقتضي ألا نُقحم كل معلومة صغيرة في كل قرار إداري يخص الكوادر والمواهب.
فلماذا لا نستلهم من نموذج الـ VAR انضباطه وحكمته، لنحدد بدقة القرارات الوظيفية الحساسة التي تستوجب بالفعل العودة إلى الأدلة الموثوقة؟
القرارات المصيرية تستدعي رؤية موجهة لا استعراضًا عشوائيًا للبيانات
يقدم نظام الـ VAR درسًا جوهريًا: توظيف المعلومة المناسبة في الوقت المناسب لاتخاذ القرار الفاصل. وعلى غرار القرارات المؤثرة في الملاعب، تتخذ المؤسسات يوميًا قرارات ترسم معالم المسارات المهنية، وتحدد مستوى أداء الفرق، وتنعكس على نتائج الأعمال. ولسنوات طويلة، ظلت المنظمات تعتمد على تقييمات الأداء السنوية واختبارات المهارات التقليدية؛ كونها تناسب نمط العمل البسيط الذي كان سائدًا. وعلى الرغم من فائدة تلك الأدوات، إلا أنها كانت أشبه بنظرة خاطفة مدتها خمس دقائق من أصل تسعين دقيقة هي عمر المباراة الفعلية. إن القرارات الحسم تثبت أنها بأشد الحاجة إلى مشهد أكثر اكتمالًا.
في عصرنا الحالي، توفر الإشارات الصادرة عن تقنيات الذكاء الاصطناعي وأدوات الرصد الرقمي — كالبريد الإلكتروني، والتقويمات، ومنصات التعاون المؤسسي — فهمًا حقيقيًا لطبيعة الإنجاز والمهارات المستعملة يوميًا. وتؤكد تقديرات شركة "Deloitte" أن زهاء 63% من المهام الحقيقية تُنجز خارج نطاق الوصف الوظيفي الرسمي للموظف. وتأسيسًا على ذلك، فبدلًا من الاندفاع نحو جمع كل أثر رقمي وإقحامه في التقييم، ينبغي للقيادات الإدارية اتخاذ نهج واعٍ يقتصر على اختيار الأدلة الأكثر صلة، حمايةً لجودة القرار وصيانةً للثقة المتبادلة.
وتتضاعف أهمية هذا الطرح لأن القيمة الفعلية التي تؤثر في القرارات الكبرى — كالزيادات الاستحقاقية، والترقيات، وفرص التطوير — باتت تتشكل خارج حدود الهياكل التنظيمية الجاسئة والأوصاف الوظيفية الجامدة. فالأداء السابق يخبرنا بما تم إنجازه، بينما تكشف المهارات عن مدى جاهزية الفرد للمستقبل. وتأتي الشفافية الرصدية الموجهة لتربط بين هاتين الزاويتين عبر بيانات حية ومباشرة، متيحةً أرضية أصلب لاتخاذ القرارات الإستراتيجية. وهنا تتجلى الفكرة الجوهرية: تكمن قيمة الـ VAR في وضعه حدودًا صارمة توضح متى تُسهم التقنية في توجيه التقييم، ومن يملك الحق الأصيل في حسم القرار النهائي.
وهذا ما أسميه «الشفافية الرصدية الموجهة» (Intentional Workforce Visibility)؛ وتتلخص في الاقتصار على جمع الأدلة الضرورية التي تدعم القرارات الجوهرية، مع الشفافية التامة حول طبيعة ما يُجمع وأسباب جمعِهِ. إن هذا المسار يتطلب إقامة شراكة حقيقية مع الموظفين لتحديد كيفية استخدام المخرجات، مع الحفاظ على التقدير البشري بصفته الفيصل الأخير. وكما هو الحال في ملاعب الكرة، تظل التقنية وسيلة مساعدة للحكم؛ والهدف الأسمى هو خلق ما تطلق عليه "Deloitte" «القيمة المشتركة»، التي تعين العاملين على التعلم، والنمو، وتيسير سبل الإنجاز، وإيجاد المعنى والرضا الوظيفي، واستخراج أفضل طاقاتهم، بما يخدم الغايات الإستراتيجية للمؤسسة.
كيف تبني نظام «VAR» إداري داخل مؤسستك؟
يمكن للمؤسسات الاقتداء بأربعة مبادئ استلهمت من تجربة «حكم الفيديو المساعد»، لضمان أن تؤدي الشفافية الرصدية إلى تعزيز التعلم، وتجويد التقدير البشري، وبناء الثقة، وترشيد القرارات المؤسسية:
تحديد قواعد صريحة للتدخل: على طريقة الـ FIFA، ينبغي تحديد القرارات الوظيفية المصيرية التي تستحق "نظرة ثانية" مدعومة بالبيانات، مع تطبيق المعايير ذاتها بثبات وعدالة على جميع الحالات المتشابهة.
إعلان ضوابط الرصد بوضوح: تجب مكاشفة فريق العمل بنوعية البيانات المجمعة، ودواعي استخدامها، والقرارات التي ستتأثر بها. إن الحدود الواضحة هي المعبر الأساسي لبناء الثقة، وتحقيق الاتساق، وتأكيد العدالة.
مراجعة تفاصيل المشهد كاملاً: ينبغي تجنب بناء القرارات على إشارات معزولة أو مبتدأة يقدمها الذكاء الاصطناعي؛ بل يجب الجمع بين مؤشرات الأداء، والمهارات المكتسبة، وأنماط العمل الفعلية، لاستيعاب كيفية صناعة القيمة لاتخاذ قرارات استثمارية أفضل في الكوادر وفي المنظمة.
إبقاء التقدير البشري في الموضع القيادي: تمامًا كما يظل الحكم الساحة هو صاحب القرار الأول والأخير، يجب أن يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تقديم الشواهد والأدلة ذات الصلة، بينما تقع على عاتق القادة مسؤولية قراءة السياق وتفسيره واتخاذ القرار النهائي.
إن هذه المبادئ في مجملها تؤسس لما يمكن تسميته «انضباط اتخاذ القرار»، وتوصل رسالة طمأنة للموظفين مفادها أن المنظمة تلتزم بضوابط حماية ملموسة تحدد الأدلة المستحقة وكيفية توظيفها.
إن الشفافية الرصدية الموجهة تعين المؤسسات على التركيز على الأهم: استخراج الأدلة الصحيحة التي تدعم القادة في إعمال عقولهم وتحسين تقديرهم، وتنمي الثقة داخل بيئة العمل، وتوضح بدقة متى يحق للتقنية أن تجلس على طاولة صناعة القرار.
