القائمة الرئيسية

تباطؤ التضخم لا يعني تراجع الأسعار: قراءة في تعقيدات تكلفة المعيشة

تباطؤ التضخم لا يعني تراجع الأسعار: قراءة في تعقيدات تكلفة المعيشة
ملخص المقال

التضخم لا يعني ارتفاع أسعار جميع السلع، بل ارتفاع المستوى العام للأسعار، ويُقاس في كندا عبر مؤشر أسعار المستهلك الذي يتأثر خصوصًا بالسكن والغذاء والطاقة. وتتحرك الأسعار أساسًا بفعل اختلال التوازن بين العرض والطلب أو ارتفاع تكاليف الإنتاج، وقد كشفت السنوات الأخيرة كيف أسهمت أزمة السكن، والهجرة، واضطرابات سلاسل الإمداد، والحرب في أوكرانيا وتقلبات أسعار الطاقة في دفع التضخم إلى مستويات مرتفعة. ويظل السكن والغذاء من أبرز مصادر الضغوط التضخمية، ما يجعل زيادة المعروض وتخفيف تكاليف الإنتاج والنقل وتطوير سلاسل الإمداد من أهم الحلول الممكنة على المدى الطويل. والأهم أن انخفاض التضخم لا يعني انخفاض الأسعار أو عودتها إلى مستوياتها السابقة، بل يعني ببساطة أن الأسعار أصبحت ترتفع بوتيرة أبطأ.

يُساء فهم التضخم في كثير من الأحيان بوصفه قوة تجعل كل شيء أكثر غلاء، بينما يصفه الاقتصاديون بأنه الارتفاع العام والمجمل في مستويات الأسعار عبر الاقتصاد؛ فهو لا يعني بالضرورة ارتفاع أثمان السلع كافة، بل يمثل الاتجاه العام لمتوسط حركة الأسعار، حيث قد ترتفع أثمان سلع معينة وتنخفض أخرى أو تظل ثابتة.

شهد التضخم في كندا تقلبات ملحوظة خلال السنوات الأخيرة؛ إذ بلغ ذروته عام 2022 بنسبة وصلت إلى 8% -وهي الأعلى منذ عقود- قبل أن ينخفض إلى 1.8% بحلول فبراير، ثم ارتفع إلى 3.2% في مايو، ليعود ويهدأ عند 2.7% في يونيو. ولإدراك أسباب هذه التقلبات، يجدر فهم كيفية قياس التضخم والعوامل التي تحرك الأسعار.

التضخم كمعدل متوسط

يُقاس التضخم في كندا عبر مؤشر أرقام القياس لأسعار المستهلك (CPI)، الذي يرصد التغيرات الشهرية لأسعار مئات السلع والخدمات. ويُعد هذا المؤشر متوسطا موزونا؛ حيث تمتلك بعض القطاعات ثقلا أكبر في التأثير على النتيجة النهائية.

تشكل المأوى (الإسكان)، والأغذية، والطاقة المكونات الأكبر في المؤشر؛ حيث يستحوذ السكن على نحو 30%، وتستأثر الأغذية بنحو 17%، بينما تمثل الطاقة قرابة 7%. ورغم ضآلة نسبة الطاقة ظاهريا، إلا أن أسعار الوقود تؤثر بصورة مباشرة على تكاليف إنتاج ونقل معظم السلع والخدمات الأخرى.

ترتفع الأسعار عموما لسببين رئيسين:

  • زيادة الطلب على المنتج بما يفوق العرض المتاح، مما يدفع المستهلكين للتنافس عليه.
  • ارتفاع التكاليف التشغيلية على الشركات (كالأجور، الطاقة، النقل، والمواد الخام)، مما يدفعها لترجمة هذه الزيادة إلى أسعار أعلى على المستهلك.

في المقابل، تنخفض الأسعار عندما ينمو العرض بمعدل أسرع من الطلب، أو عندما تتراجع تكاليف الإنتاج في بيئة تتسم بالمنافسة.

السكن كمحرك رئيسي للتضخم

شكل قطاع الإسكان أحد أكبر مصادر الضغط التضخمي في كندا نتيجة تفوق الطلب على العرض.

فعقب جائحة كورونا، أسهمت مستويات الفائدة المنخفضة في تمكين الأسر من الاقتراض بأسعار أعلى، مما رفع أسعار المنازل. بالتوازي مع ذلك، أدى النمو السكاني السريع الناتج عن مستويات الهجرة القياسية إلى زيادة الطلب على العقارات. ومع عجز المعروض عن مواكبة هذا الزخم، ارتفعت أسعار الشراء والإيجارات بشدة.

بدأ هذا المسار في الانعكاس مؤخرا؛ إذ أسهمت التعديلات في سياسات الهجرة في تباطؤ النمو السكاني، كما أدت المعدلات المرتفعة لأسعار الفائدة إلى تقليص حجم القروض القادر المشتري على الحصول عليها، مما نتج عنه تراجع في أسعار العقارات والإيجارات في مناطق مختلفة من البلاد.

ضغوط التكاليف وارتفاع أسعار الأغذية

في الوقت الذي زاد فيه النمو السكاني من الطلب على الأغذية، لعبت تحديات سلاسل الإمداد دورا محوريا في رفع أسعارها.

أسهم الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 في رفع تكاليف الطاقة عالميا، مما جعل إنتاج الغذاء ونقله وتخزينه أكثر كلفة، فضلا عن اضطراب أسواق الأسمدة التي كانت روسيا موردا رئيسيا لها. وانعكست هذه التكاليف في النهاية على المستهلكين.

وتوضح أسعار اللحوم كيفية تراكم هذه الضغوط؛ إذ أدت زيادة تكاليف الإنتاج وانخفاض أعداد الماشية إلى ارتفاع أسعار لحوم البقر (حيث تضاعف سعر شرائح البقر الإبهار "Top Sirloin" تقريبا منذ الجائحة). ونتيجة لهذا الارتفاع، تحول جزء من المستهلكين نحو الدجاج ولحم الخنزير، مما رفع الطلب عليها وزاد أسعار صدور الدجاج وشرائح لحم الخنزير بنسبة بلغت نحو 22.5%.

تأثرت أغذية أخرى بالظروف الجوية وتكاليف العمالة والنقل؛ فالخس المستورد من الولايات المتحدة المكسيك يتأثر بسرعة باضطرابات التوريد وتكاليف الشحن. ومع ذلك، لا تتحرك أسعار جميع الأغذية بالوتيرة نفسها؛ إذ تتذبذب أسعار الخيار والخيار المخلل والخوخ والفرولة تبعا لمواسم النمو وتوفر الإنتاج المحلي الكندي، بينما لم تتغير أسعار منتجات أخرى كالتونة المعلبة إلا بنسب ضئيلة جدا.

الطاقة وتقلبات التضخم السريعة

تُعد الطاقة من أكثر مكونات التضخم تقلبا، لكونها تتأثر بال أحداث العالمية. وتنعكس التغيرات في أسواق النفط العالمية مباشرة على أسعار البنزين والديزل، مما يرفع التكاليف على الأسر والشركات الكندية.

ولكون الوقود مدخلا أساسيا لعمليات النقل والإنتاج، فإن تغير أسعاره ينتقل إلى كامل أركان الاقتصاد؛ حيث تضطر الشركات عند ارتفاع الوقود إلى إضافة رسوم إضافية للوقود على طلبات العملاء.

وتتأثر أسواق الطاقة سريعا بالأحداث الجيوسياسية؛ فكما أربك الغزو الروسي لأوكرانيا شبكات الطاقة عام 2022، أحدثت الحرب الأمريكية مع إيران صدمة جديدة في أسعار النفط. وتسهم هذه الارتفاعات في زيادة المؤشر العام لأسعار المستهلك، بينما يسهم تراجعها في خفض التضخم، غير أن أسواق الطاقة العالمية تظل إلى حد كبير خارج نطاق سيطرة الأسر وصناع السياسات في كندا.

ما يرتفع لا ينخفض بالضرورة

بخلاف أسعار الطاقة التي تقودها الأسواق العالمية، يمثل السكن والغذاء مجالين يمكن للسياسات المحلية التأثير في معروضهما على المدى الطويل.

تستدعي أزمة السكن الميسر في كندا اتخاذ خطوات مثل تقليل البيروقراطية، خفض رسوم التطوير، تعديل السياسات الضريبية، ودعم مشاريع البناء الجديدة لزيادة المعروض خلال العقد القادم، إلى جانب زيادة كبيرة في الإسكان السوقي والعام لإعادة التكاليف إلى مستويات مقبولة.

وينطبق تحد مماثل على الغذاء؛ حيث ارتفعت أسعار البقالة بمعدل أسرع من التضخم العام لمدة 16 شهرا متتاليا، وفي 50 شهرا من أصل آخر 55 شهرا. ويمكن لزيادة الإنتاج الغذائي المحلي أن تخفف بعض هذه الضغوط. وتهدف الإجراءات الفيدرالية الأخيرة المتصلة بالضرائب والتمويل والتوسع في الزراعة المحمية إلى تقوية سلاسل إمداد الغذاء، وإن كان من المبكر تقييم مدى نجاحها.

وحتى في حال نجاح هذه الجهود، فإن تباطؤ التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة؛ إذ يقيس التضخم معدل التغير في الأسعار عبر الزمن وليس انخفاض السلع ذاتها. ففي كل شهر، تتراجع أسعار بعض السلع وترتفع أخرى، ويقوم المؤشر بحساب المتوسط العام، وفي غالب الأحيان، ترجح كفة الارتفاعات على الانخفاضات، مما يدفع المتوسط العام للصعود؛ تارة بنسب كبيرة، وتارة بنسب طفيفة.

مقالات ذات صلة