القائمة الرئيسية

توقف عن حل كل المشكلات، وابدأ في تطوير موظفيك

توقف عن حل كل المشكلات، وابدأ في تطوير موظفيك
ملخص المقال

القيادة الفعالة لا تتمثل في تقديم الحلول الجاهزة، بل في منح الموظفين مساحة للتفكير والوصول إلى حلولهم بأنفسهم؛ فحين يسارع القائد إلى حل كل مشكلة، يرسخ اعتماد الفريق عليه ويضعف ثقته بقدرات أفراده، بينما يساعد الإصغاء الحقيقي وطرح الأسئلة المفتوحة، خصوصًا «ماذا؟» و«كيف؟»، على تنمية التفكير والاستقلالية وبناء الثقة. ويتطلب ذلك مقاومة الرغبة في ملء الصمت، وإتاحة وقت كافٍ للموظف لاستكشاف المشكلة ودوافعها العميقة، مع توفير بيئة آمنة تسمح له بطرح الأفكار غير المكتملة دون خوف من النقد. وتزداد أهمية هذا النهج لأن بقاء الموظفين لا يرتبط بالراتب وحده، بل يتأثر بدرجة أكبر بالرضا الوظيفي، والشعور بالانتماء والتقدير والمشاركة ووجود غاية للعمل، إلى جانب الثقة بالقائد. لذلك، فإن منح الموظف فرصة ليُسمَع ويُفكّر ويبتكر الحل بنفسه لا يطوّر أداءه فحسب، بل يعزز انتماءه وثقته بقائده، كما يدفع القائد نفسه إلى تطوير قدرته على تحمّل الغموض والتأني والإصغاء إلى ذاته قبل الآخرين.

تمر بك لحظة خاطفة، لا تتعدى نصف ثانية، فور أن ينتهي أحد أعضاء فريقك من عرض مشكلته عليك؛ وهي اللحظة التي تملك فيها حق الاختيار: فإما أن تقدم له الحل جاهزا، وإما أن تدير الموقف بأسلوب يسهم في صقل شخصيته ونمائه.

والواقع أن معظمنا يميل تلقائيا إلى تقديم الإجابة المباشرة، فقد جبلنا على ذلك؛ إذ اعتدنا أن ورود المشكلة إليك يعني أن مهمتك المباشرة هي إيجاد الحل فورا، وبكفاءة عالية، وأمام مرأى الجميع. فهذا المسار هو ما يحقق النتائج السريعة ويضمن الترقية الوظيفية. وهكذا تنقضي تلك النصف ثانية، لتجد نفسك قد بدأت بالحديث بالفعل: "هذا ما سأفعله، وهذا من ينبغي لك الاتصال به، وتلك هي الطريقة التي عالجت بها موقفا مشابها قبل ثلاث سنوات".

قد يتراءى لك هذا السلوك مظهرا من مظاهر القيادة الحكيمة، لكنك في كل مرة تملأ فيها تلك اللحظة الخاطفة بحلك الخاص، ترسخ في ذهن الموظف القابع أمامك قاعدة مفادها: "ائتني بالمشكلة، ولا تأتني برأيك فيها". كما أنك تبث فيه رسالة غير مباشرة: "لست واثقا بقدرتك على التوصل إلى الحلول بمفردك". ومع تكرار هذا الصنيع مع عدد كبير من الأفراد، تنتهي إلى بناء فريق يكف تماما عن التفكير بحضورك، لا لعجز فيه، بل لأنه أيقن أن ذلك ليس ما تبتغيه.

إن ممارسة هذا السلوك لا تقف عند حد إعاقة نمو فريقك، بل تمتد لتعيق تطورك الشخصي أيضا.

ولا أسلقكم بهذا الكلام بصفتي شخصا أتقن فن الصمت والتأني، بل أطرحه بصفتي رجلا أمضى خمسة وثلاثين عاما في التعلم البطيء، الشائك، ليدرك في النهاية أن طرح الأسئلة الذكية لا توزيع الأجوبة الجاهزة هو أعظم مهارة يملكها القائد.

كيف يكون الإصغاء الحقيقي؟

ليس الإصغاء الحقيقي مجرد إيماءة بالرأس، ولا إعادة لما قاله الآخر لتوه؛ فهذه مجرد مظاهر شكلية لا تنطلي على أحد، إذ يستشعر الناس زيفها بيسر.

الإصغاء الحقيقي يتجلى في الاحتفاظ ببارقة الفضول حتى بعد أن تظن أنك ألممت بالإجابة. إنه القدرة على طرح سؤال إضافي في اللحظة التي تشعر فيها برغبة عارمة في إملاء الحل، بغية مساعدة الطرف الآخر على تبيان أفكاره، ودعوته لسبر غور المشكلة، وتجاوز ظاهرها المنمق لمعرفة ما يحدث في العمق فعليا.

وهذا بالظبط ما يؤكده "مايكل بونجاي ستانيير" في كتابه الشهير "عادة التدريب"؛ إذ يرى أن الأسئلة المفتوحة تحقق أثرا أبلغ بكثير من الأسئلة المغلقة. فالأسئلة المفتوحة لا يمكن إغلاقها بإجابة "نعم" أو "لا"، وتبدأ في الغالب بـ "ماذا" أو "كيف". كما أنها تبتعد عن تقديم النصح المتنكر في صيغة سؤال (مثل: "هل فكرت في كذا؟")، وتتجنب الاستفسار بـ "لماذا" أو "لم لا"؛ لأن هذه الألفاظ تضع المرء غالبا في موضع الدفاع عن نفسه.

تكمن قوة الأسئلة المفتوحة في كونها دعوة صريحة للآخر كي ينفتح، ويتوغل في التفكير، ويستكشف أبعادا ربما غفل عنها. وبما أن هذا النوع من التفكير العميق يتطلب متسعا من الوقت، فإنه يتوجب عليك التدرب على الصمت لفترة كافية تتيح له صياغة رد حقيقي.

ومن واقع الخبرة، أؤكد لكم أن هذا الأسلوب يبدو غريبا ومثيرا للقلق في البداية؛ فالصمت الذي يعقب السؤال يشعرك بالفراغ، وتتحرك في داخلي غريزة المذيع الإذاعي لتحثني على ردم هذا الصمت، إما بإعادة صياغة السؤال، أو بتقديم مثال. لكن إياك أن تفعل، لأنك بذلك تقطع حبل أفكاره. دع الصمت يأخذ مجراه، وحين تنتظم في هذا المسار، سترى كيف يتجاوز الناس إجاباتهم الجاهزة والمعدة سلفا، ليصلوا إلى الحقائق الأكثر عمقا في داخلهم.

غير أن شيئا من هذا لن ينجح ما لم يمتلك الطرف الآخر ثقة كافية بك تحثه على الانفتاح. فلو كان طرح فكرة غير ناضجة يعرضه للتصحيح الفوري، أو البوح بمشاعره يجلب له النقد، فلن يقدم إليك إلا بالحلول الآمنة، السطحية، والباهتة، ولن تتجاوز معه القشور. إن الصمت لا يؤتي ثماره إلا إذا كان ما يعقبه آمنا وخاليا من العقاب.

خطوتان يمكنك تجريبهما غدا

لا تحتاج إلى شهادة معتمدة في التدريب لتطبق هذا المفهوم، بل يكفيك اكتساب عادتين صغيرتين وتكرارهما حتى تصبحا جزءا من سجيتك:

أولا: أعط نفسك مهلة قبل تقديم الحل. في المرة القادمة التي يعرض فيها عليك أحدهم مشكلة، قاوم رغبتك في سرد الحل ابتداء. اسأله عما حاول فعله حتى الآن، أو عن رأيه في أسباب المشكلة الحقيقية، قبل أن تفصح عن وجهة نظرك. وستكتشف في كثير من الأحيان أنه يملك الإجابة بالفعل، لكنه كان بحاجة إلى مساحة لينطق بها أمام شخص لا يتعجل الفصل في الأمور.

ثانيا: اسأل عما وراء المطلوب. عندما يطلب منك موظف أمرا محددا كالأرغبة في تمديد الموعد، أو تغيير المهام، أو تأجيل اجتماع فاعلم أن هذا الطلب الظاهر نادرا ما يكون الصورة الكاملة. وقبل أن ترفض أو توافق، اسأله عن الدوافع الحقيقية وراء طلبه. قد يكون المطلوب هو عين ما يحتاجه، لكن الموقف في أحيان كثيرة يحوي خفايا لم يسمها الموظف بعد، حتى بينه وبين نفسه. وحين تمنحه الإذن لتفكيك الدوافع العميقة، فأنت تساعده على ابتكار حل أفضل.

إن هاتين العادتين ليستا بالركاكة أو التعقيد، لكنهما تستلزمان منك مواجهة شعور غير مريح: شعور الصبر على عدم المعرفة، والثقة في مسار الحوار، وتجاهل الرغبة الملحة في حسم الأمر والمضي سريعا.

لن تكلفك هاتان الخطوتان شيئا يذكر؛ سوى هنيهة من الصمت وسؤال إضافي، لكن المردود سيكون هائلا.

لماذا يعد هذا الأمر بالغ الأهمية؟

إذا كنت قد طالعت شيئا عن طرق الحفاظ على الكفاءات مؤخرا، فغالبا ما صادفت الطرح الذي يربط الأمر بالمكافآت والمرتبات؛ ومفاده أن الموظفين يستقيلون لقلة الأجور، وأن زيادة الأجور هي الكفيلة بالحد من ظاهرة التسرب الوظيفي. وأنا لا أنكر وجود جانب من الصحة في هذا الطرح، إلا أنه لا يكشف الحقيقة كاملة.

لقد أجرت جمعية الموارد البشرية في التعليم العالي (CUPA-HR) دراسة شملت موظفي هذا القطاع عام 2023، ثم أعادتها عام 2025، لتكتشف النمط نفسه في المرتين. وللوصول إلى الأسباب العميقة التي تدفع المرء للبحث عن عمل آخر متجاوزين الإجابات الآمنة والمقبولة مثل الراتب والمسمى الوظيفي صمم الباحثون أنموذجا يقيس العوامل المؤثرة ويقارن بينها لمعرفة ما يحدد فعليا قرار البقاء أو الرحيل.

وجاءت النتائج مفاجئة: إذ لم يكن الراتب هو المعيار الأقوى للتنبؤ بالبقاء، بل كان "الرضا الوظيفي" هو الحاسم. أما الركائز الأساسية التي يبنى عليها هذا الرضا، فتتمثل في: الشعور بالانتماء، والتقدير، والمشاركة الفاعلة، والإيمان بأن للعمل غاية سامية. وقد تصدر "الشعور بالانتماء" القائمة في أحدث استبيان، وبقيت هذه العوامل الأربعة تتفوق باستمرار على عنصر الراتب.

ولم يكن سلوك القادة بمعزل عن ذلك؛ ففي المساحة الزمنية بين 2023 و2025، قفزت ثقة الموظفين في أقداد قادتهم وأخلاقهم من المركب السابع إلى المركب الثاني ضمن أهم العوامل المحددة للبقاء، وهو تحول سريع للغاية لم تشهده بقية متغيرات المسح.

إن المسألة تعود بالكلية إلى الثقة، والثقة لا تبنى بموقف عابر، بل هي ثمرة الاستقرار والمثابرة؛ حين يرى الموظف مع الأيام أن أقوال قائده تطابق أفعاله. فإذا كنت تدعي تقدير عقلية الموظف وتفكيره، لكنك لا تمنحه الفرصة أبدا ليعبر عن ذلك التفكير، فإن هذا التناقض كفيل بتآكل ثقته بك.

كما أن الإصغاء يعمل كنظام إنذار مبكر؛ ففقدان الموظف لشغفه لا يحدث صخبا في العادة. فالموظف الذي كان يسارع إلى تنبيهك للمشكلات يصبح منتظرا لأوامرك، والذي كان يناقش ويعترض يكتفي بهز رأسه موافقا. ولا يبدو أي من هذه التصرفات حرجا في لحظته؛ بل قد يخيل إليك أن الموظف أصبح أكثر استقلالية، وأقل إثارة للقلق. وهنا تكمن الخطورة: فالانكفاء الذي يسبق الاستقالة يبدو في ظاهره كفاءة وهدوءا، وحين تستوعب الحقيقة، يكون القرار قد اتخذ وانتهى الأمر.

الجزء المتعلق بك أنت

في العامين الأخيرين، وبعد أن أكملت برنامجا في التدريب القيادي تطلب مني الكثير من الغوص في الذات، تولد لدي يقين مفاده: إن طريقتك في الإصغاء للآخرين تبدأ من كيفية إصغائك لنفسك.

إن المدير الذي يعجز عن تحمل حالة الشك في داخله، يميل غالبا إلى استعجال الآخرين للتخلص من شكوكهم أيضا؛ لا قسوة منه، بل لأن وجود مشكلة معلقة لشخص آخر في الغرفة يثير في نفسه الاضطراب ذاته. لذا، فإن التأني الذي تتعلم حفظه مع فريقك هو عينه التأني الذي تحتاجه مع نفسك: تلك النصف ثانية قبل أن تقرر أنك تدرك حقيقة ما تشعر به، أو تعرف بالحتم ما يجب فعله. إنها الوقفة التي تدعوك لتستفسر: "ما القصة التي أوهم بها نفسي هنا؟ وهل هي حقيقة؟"

إن تبني هذا المنهج ليس خروجا عن مسار تطوير القيادة، بل هو جوهر القيادة وعمادها الذي ترتكز عليه كل المفاهيم المذكورة في هذا المقال. وهذه القدرة الذاتية أكثر من أي أسلوب أو تكتيك هي ما تشير إليه الأرقام حين تعتبر "الانتماء" المعيار الأقوى للتنبؤ ببقاء الموظفين؛ فالناس يبقون مع القادة الذين يخوضون هذا التحول الداخلي في أنفسهم.

فالانتماء ليس برنامجا ينفذ، ولا تعميما يوزع، ولا خطابا يلقى في الاجتماع العام؛ بل هو شعور المرء بأنه مسموع من قبل قائد يمتلك فضولا صادقا، يتيح للآخرين المساحة للتفكير بصوت عال، ويقف بجانبهم ليساعدهم على ابتكار أجوبتهم الخاصة، لا ليسلمهم إياها جاهزة.

إن اجتماعك الفردي القادم هو الميدان الأمثل والأقل خطرا للتدريب. جرب إلى أي مدى يمكنك الحفاظ على هنيهة الصمت تلك قبل أن تسارع إلى ملئها.

المصدر

مقالات ذات صلة