غالباً ما يُصوَّر مفهوم الإدارة بوصفه فرعاً من فروع الاستراتيجية والكفاءة وتوزيع الموارد. وتُستعرض القيادة وفقاً لهذا المنظور باعتبارها عملية تتمحور في مقامها الأول حول توزيع الأفراد وتوجيههم بفاعلية، شبيهةً في ذلك بتحريك قطع الشطرنج على رقعة اللعب، حيث يُقاس النجاح بالترقيات والمكافآت السنوية.
ينعكس هذا الفهم بوضوح في الطرق التقليدية الواردة لتوصيف الأدوار القيادية وتقييمها. إذ يُستدل عادةً على المكانة الوظيفية وحجم المسؤولية من خلال عدد الموظفين التابعين للمدير بشكل مباشر، حيث تشير فرق العمل الكبيرة إلى حظوة أعلى وأهمية تنظيمية أكبر.
بالرغم من ذلك، وقبل أكثر من ثلاثة عقود، تحدى العالم والباحث الإداري هنري مينتزبرغ التصورات الرئيسية للعمل الإداري. إذ أوضح أن دور المديرين يتجاوز نطاق التخطيط والرقابة، ليتضمن معالجة المعلومات، وإصدار القرارات، وإدارة العلاقات.
على الرغم من هذا النقد المستمر منذ فترة طويلة، لا تزال صورة الإدارة والقيادة بوصفها نشاطاً تقنياً وهرمياً تسود المشهد بقوة، ولا سيما مع تجشّم المؤسسات للعديد من التغييرات. يُعد "تقليص المستويات الإدارية" أحد أبرز هذه التغييرات، وهو التوجه المنطوي على إلغاء طبقات الإدارة الوسطى لتقليل الهيكلية التنظيمية.
في عام 2025 وحده، قامت نحو 41 بالمئة من المؤسسات بتخفيض حجم الإدارة الوسطى لديهن. هذا الأمر يلقي بظلاله ويزيد من الأعباء الملقاة على عاتق القادة لإدارة فرق عمل أكبر حجماً وأكثر تعقيداً.
في حين قد تسهم هذه التغييرات في تقليل النفقات الإدارية، إلا أن تطبيقها يترك للقادة وقتاً ضئيلاً للغاية، إن وجد، لتعزيز العلاقات المركبة بين الموظفين أو بين القادة أنفسهم ونظرائهم.
قيادة العلاقات وليس قيادة الأفراد
تبين أن توجيه العلاقات وقيادتها، وليس الأفراد بمفردهم، يتسم بدرجة من التعقيد تفوق تصوراتنا الأولية.
لننظر في مثال بسيط ل قائد يشرف على ثمانية موظفين. لا يقتصر دور هذا القائد على مجرد الإشراف على ثماني وحدات عمل مستقلة، بل يمتد ليشمل الإشراف على ما يصل إلى 28 علاقة ثنائية مختلفة، وهي العلاقات التي تنشأ بين كل موظفين اثنين، أو بين القائد والموظف.
تزيد طبيعة العلاقات الثنائية بشكل ملحوظ من التعقيد المعرفي والعاطفي، فضلاً عن عبء العمل المترتب بالضرورة على الأدوار القيادية.
عند الاستناد إلى الشبكة الأوسع للعلاقات داخل بيئة العمل، بما في ذلك التكتلات والتحالفات، يتجاوز التعقيد نطاق الثنائيات المباشرة بين القائد والموظف. فالقادة يديرون العلاقات بين الأشخاص والديناميكيات السياسية التنظيمية، ولا يقتصر دورهم على التعامل مع الأفراد وتوفير الموارد وتنسيق المهام فحسب.
ينبغي على القادة تشجيع الصداقات في بيئة العمل
تزداد تعقيدات العلاقات في مكان العمل عمقاً بفعل ما يُعرف بـ "العلاقات متعددة الأبعاد". وهي تلك العلاقات التي يتشارك فيها الأفراد الروابط العملية والعاطفية في الوقت ذاته.
تضم هذه العلاقات زملاء العمل الذين يدعمون بعضهم البعض مهنياً، بينما يشكلون في الوقت نفسه مصدراً للصداقة الحقيقية والدعم المتبادل. تنتشر هذه العلاقات على نطاق واسع داخل المؤسسات، وقد ثبت ارتباطها بتحقيق أداء وظيفي أعلى مقارنةً بالعلاقات الاقتصادية أو الاجتماعية المنفردة.
تتضح فائدة هذه العلاقات في كون الموظفين أكثر استعداداً لمشاركة المعلومات المعقدة والمهمة مع الزملاء الذين يثقون بهم.
مع ذلك، يبرز محذور مهم يقتضي الملاحظة، وهو أن الحد الأقصى للروابط متعددة الأبعاد الكفيلة بتحسين الأداء التنظيمي يتراوح بين خمس إلى سبع روابط. وبمجرد تجاوز هذا الحد، تفترض المتطلبات المتضاربة المنبثقة عن العلاقات العاطفية والعملية أعباءً عاطفية ومعرفية إضافية على المديرين الذين يقودون هذه العلاقات.
يمكن للقادة أنفسهم تكوين روابط متعددة الأبعاد مع موظفيهم، وتبرز أهمية ذلك بصفة خاصة في تعزيز أداء الفرق التي تعاني من ضعف التوافق.
إعادة التفكير في مفهوم القيادة
بالنظر إلى شيوع هذه العلاقات وفوائدها المحتملة للأداء الوظيفي للموظفين، يتوجب على القادة إيلاء اهتمام أكبر بالعلاقات الفاصلة بين الموظفين، وعدم إهمالها. يمكن للقادة أن يلعبوا دوراً جوهرياً في صياغة ديناميكيات عمل إيجابية داخل الفرق وعلى مستوى المؤسسات ككل.
يُعد القادة الأكثر براعة في تعزيز العلاقات داخل المؤسسات وخارجها أكثر قدرة على تحسين سمعتهم ورفع مستوى أداء المجموعة مقارنةً بأولئك الذين يمارسون الإدارة التفصيلية والتضييق على التفاعلات داخل الفرق وبينها.
يتطلب هذا الأمر تحولاً في الفكر والسلوك. لقد صُمم مفهوم الإدارة لفترة طويلة باعتباره فعل قيادة الأفراد والسيطرة عليهم. ولكن بات من الضروري، وبشكل متزايد، فهم الإدارة على أنها النضج في قيادة العلاقات.
من المفارقات أن تقليص المستويات الإدارية يتيح فرصة لإعادة التفكير واستبدال مفهوم "الإدارة" بمفهوم "القيادة". لكن القادة لن يتمكنوا من تشجيع وبناء علاقات متعددة الأبعاد بين فرقهم إلا عند تزويدهم بالتدريب والموارد اللازمة للنجاح في هذه البيئة الجديدة.
مع ذلك، فإن المؤسسات قد خذلت قادتها تاريخياً في جوانب التدريب والتطوير. إذ لا يزال عدد كبير جداً من الأفراد يُنسَبون إلى مناصب قيادية قبل حصولهم على التدريب والتأهيل الكافيين لتمكينهم من تحقيق النجاح.
يتطلب واقع بيئة العمل الجديد من المؤسسات دعم القادة ليس فقط لإدارة بيئات تكافئ الأداء الفردي، بل أيضاً في سياقات تُشكل فيها العلاقات المعقدة، والتي غالباً ما تكون شائكة، ركيزة أساسية لفاعلية القيادة.
